ممدوح بيطار , ميرا البيطار :
انتقلت الثقافة البدوية الى وعي هذه الشعوب عبر بوابة الفتوحات وبوابة الدين , الذي اصيب بها ايضا , وتحول بالتالي الى ممارس ومروج لها , خاصة بعد الاحتلالات والفتوحات , سقط تأثير البدوية على على الدين في السقيفة , ففي السقيفة سقط مفهموم ” الأمة” , الذي كان له ان يكون البديل عن مفهوم القبيلة او العشيرة , لم تتحول القبائل والعشائر الى مايشبه الأمة الواحدة سوى في مجال واحد أو فرع واحد هو مجال الحرب والسبي والنهب.
لم تكن خواص البدوية ولادية , انما مكتسبة بتأثير البيئة الصحراوية القاسية على البدو ,قحل الصحراء قاد الى سقوط ثنائية الانتاج – العيش , وانتعاش تنائية النهب -العيش , الصحراء كانت قاحلة , ولم يكن بالامكان تحويلها الى ارض زراعية , وبالتالي تمكين البدو من الثبات في المكان , الثبات ضروري من أجل اقامة المدن أي الحضر .
نظرا لشح الصحراء القاحلة وقسوة البيئة , وجد البدو في الدين الجديد منظما لمعضلة الحصول على الرزقة الضرورية لتغطية تكاليف الحياة , فبدلا من ممارسة الغزو كل لوحده أي كل قبيلة او عشيرة لوحدها , توحدوا تحت مظلة الفتوحات السوداء , غزوا ثم سرقوا ونهبوا وسبوا , نظم كل ذلك في اطار قاعدة الخمس للقيادة ,واربعة اخماس للمجاهدين ليس في سبيل الله , انما في سبيل الغنائم ,نظام تقاسم كان مغري جدا بالنسبة للغزاة من قوم سراقينو!!!
بدأت الغزوات قبل انتشار الدين بين الغزاة , والفترة الفاصلة بين ولادة الدعوة وبين بداية الغزوات كانت قصيرة بشكل يسمح بالشك , بان المجاهدون المحاربون لم يكونوا حقا من اتباع الدين عن يقين , انما من أتباع تجميع الغنائم , كانت ممارساتهم بشكل افرادي تحولت الى ممارسات جماعية , هدف الغزو كان المناطق الخصبة الغنية كبلاد مابين النهرين ثم وادي النيل وبلاد الشام عموما , اختاروا المناطق الخصبة ليس لكي يعملوا في الزراعة ,فهم لم يعملوا اطلاقا , انما تطفلوا على الآخرين ومارسوا الجباية الضارية ,التي افقرت شعوب المستعمرات المفتوحة , ثقافة العمل -الانتاج كانت معدومة لديهم , كانو للأسف رجال سيف فقط .
اسسوا في المستعمرات نظام حكم عسكري , ساهم في استعراب وبدونة الشعوب التي خضعت للسيطرة البدوية , الحكم بدوي والحاكم بدوي قريشي بشكل مطلق , وقمعي بشكل مطلق , مارسوا ذلك بالعديد من الوسائل مثل تغيير دين الناس قسرا …أسلم تسلم !, غيروا لغة الشعوب وقيمها , احتلوا العقول الى جانب احتلالهم المعاقل , كانوا شغوفون بالتكاثر الأرنبي , لذلك تمكنوا من تأمين العدد الكافي من المقاتلين , استعانوا في البدء بغيرهم في مجال الادارة , الا أنهم بقوا محافظين على المراكز المفصلية في هرم السلطة , الحل والربط كان بيدهم وحكرا لهم , لم يندمجوا مع سكان المستعمرا ت لانهم لم يختلطوا مع الشعوب وبقوا في خيمهم على اطراف المدن , ولم يكن لسكان المستعمرات من مهمة سوى ممارسة الخدمات , ودفع الجزية وتأمين السبايا والنساء , لم يتعلموا من سكان المناطق المفتوحة ما يستحق الذكر , وماذا يمكن أن تتعلم منهم الشعوب المفتوحة سوى ممارسة العنف والحروب والسيطرة وتحصيل الجزية والخراج ثم العادات والتقاليد البدوية , التي تم فرضها الى جانب الدين الجديد والى جانب اللغة الجديدة بحد السيف .
لقد تم فرض الخصائص البدوية , وسادت الثقافة البدوية المتمثلة بالعنف والسيف حصرا , وبالتالي غابت معالم الحضارات السابقة مثل السومرية واليونانية والرومانية والفرعونية والفارسية عن المنطقة , توقفت الشعوب , التي اخترعت الحرف والمحراث والعجلة عن الابداع , اذ أن الجو الذي فرضه الغزاة لاينسجم مع الابداع , انه جو الاعاقات والمحظورات والممنوعات , هكذا يمكن بالقاء نظرة على المنطقة التأكد من توقف عجلة التقدم والتطور,اذ لم يترك البدو اثرا حضاريا واحدا مقارنة مع الرومان , حولوا بلاد الشام الى صحراء وظيفية وسكان بلام الشام تحولوا الى بدو بدون صحراء , أي ان التطور الى الأمام لم يتوقف فحسب , انما كان هناك تنكص الى الوراء , مجتمع الزراعة والحرف والقلم والبناء والفنون الشامية , تحول الى مجتمع قبائل وعشائر كقبائل وعشائر الصحراء , لاحروف ولا زراعة ولا بناء , انما خراب وقحل وجمو د وتحجر .
قبضة البدو كانت فولاذية , مكنتهم من تصفية كل العلماء تقريب , وذلك بوسائل بربرية ,لم يسلم من الذبح والحرق والصلب والشي والتجويع الا عدد قليل جدا منهم , تمكنوا من تجمبد ثقافات العلم والابتكار والفكر الذي نور الشاميون به العالم, تصوروا مسارا آخر للتاريخ , مسارا بدون البدوية , تصوروا لو تركت هذه الشعوب حرة تعمل وحرة تفكر وتبدع , اليس من المتوقع , أن تقود هذه الشعوب العالم الى أفق أسمى وأجمل , أفق التقدم والسلم والنجاح , وليس افق العسكر والسيف والقتل والبربرية .
كما دمروا حياة علمائهم , دمروا حياة الشعوب الأخرى , وأغرقوها في بحور الدماء والألم والتخلف والكراهية , وذلك طوال أربع عشر قرنا , قرون وهذه الشعوب تعيش في ذل متزايد , وفقر متزايد , وسوء اخلاق متزايد وفشل متزايد الخ , والأنكى من كل ذلك هو تجذر نفسية الفشل والقصور والكره والعنف في نفوس الناس , تجذر من الصعب اقتلاعه في فترة زمنية معقولة , ولا بد من اقتلاعه , اذا أرادت هذه الشعوب الحياة والكرامة والحرية
