
هناك طبائع خاصة بالاخونج تميزهم بشكل واضح عن غيرهم , وكأنه لهم كروموزومات خاصة بهم , ما يلفت الانتباه الى تلك الخصوصيات الاخونجية امكانيتهم الخارقة على ممارسة تجاهل مايقدم لهم من أفكار واقتراحات , وكأن تجاهل الفكرة دلالة على عدم وجودها , يتجاهلون كل شيئ باستثناء الظن بأن كل مايكتب مخصص للهجوم على الدين وبالتالي انتهاك المقدس , فنقد تعدد الزوجات هو انتهاك للمقدس , وانتقاد القوانين السيئة والمجحفة بحق البعض هو اهانة لمشاعر المؤمنين , ولطالما كان للقانون مرجعية دينية لايجوز نقده احتراما لمشاعر حوالي مليار ونصف محمدي على الأقل , كلهم ثقة بأن المليار ونصف مؤمن يقفون “صبة” واحدة وراء الشريعة والمرجعية الدينية , ولا يتصورون اطلاقا وجود من لاتناسبه هذه الشريعة , ناهيكم عن من يرفضها ! .
من أين أتى ذلك اليقين بوجود ذلك التجانس المطلق بين مليار ونصف مؤمن ؟
هناك عدة مسببات لهذا اليقين المطلق , مثل النظم الأبوية البطريركية المسيطرة على المجتمع وتفكيره , للظن بوجود ذلك التجانس بين المليار ونصف علاقة بوجود وضرورة التجانس في الأسرة , أي في البيت وتحت اشراف سلطان البيت الذي هو رب البيت ,وكأن الأسرة دولة والدولة أسرة ورب البيت هو رب البلاد ,فالمجتمع الأبوي ببساطة عبارة عن نقل خواص الأسرة الى المجتمع , اي اسقاط النظام الأسري العائلي على الدولة , كمثال على ذلك اعتبار السادات نفسه أبا لجميع المصريين , والأمر لايقتصر على السادات ومصر !.
يتعلق يقينهم بتجانس مليار ونصف من البشر وغير ذلك من اليقينات الدوغماتيكية بمحدودية الفكر بحدود الآية , الفكر يتوقف عند حدود الآية التي لايجوز خرقها أو تجاوزها , مما يقود الى الانسداد والتقوقع , أي ان الفكر يتواجد عمليا في سجن , والسجن يبقى سجنا ان كان زنزانة لفرد او رحاب مهجع لمئة شخص , لذا نراهم يبررون ويؤولون وينفون ويشجبون ويؤيدون وكل ذلك ضمن حدود الآية , فالآية قاهرة في تطرفها المتوحش وفي عدم موضوعيتها وريائها بالترغيب المخاتل الكاذب بنعيم الجنة , والتوحش في تطرف الترهيب المرعب بجهنم ,هكذا ينسحق الانسان بين مطرقة الترهيب وسندان الترغيب ,ويتحول الى مفعول به بواسطة الوعود والأحلام والتهديدات , التي لايقوى على رفضها ولا يتجرأ على مقاومتها , هنا يتحول الانسان الى مخلوق مشلول بدون فعل او فاعلية .
هناك مفارقة بخصوص الوطن والمواطنة والوطنية , يعيش الاخونج في الأوطان الأرضية عيشة قسرية , اذ لم يظهر التراث الذي يعيشون في ظله اهتماما ملموسا بالوطن الأرضي والوطنية , فلا لاوجود في أدبيات الاخوان مايستحق الذكر عن الوطن والوطنية ,لابل يعتبرون الوطن وثنا يجب تحطيمه ليبقى للاخوان وطنا آخر هو الدين , الذي لايهتم بالجغرافيا, التي تضع لكل دولة حدودا معترفا بها على الأرض .
يمثل عدم الاعتراف بالحدود الجغرافية اشكالية مفصلية في بناء الوطن والمواطنة في هذا العصر , الذي لامكان به لكيانات عتيقة ميتة من نوع المذهب دين ودولة , لتنكرالاخوان للوطن والوطنية عدة اسباب , منها تنكرهم لما هو جديد مثل مفهوم الدولة والجمهورية (عمره حوالي ال ٥٠٠ سنة) , ولكونه أوروبي المصدر , لذا يعتبر تطبيقه تلوثا بالزندقات ,يعتقدون عموما أن الوطن صنم لايجوز له منافسة الله , ولا يجوز لقوانين البشر أن تحل محل الشريعة المقدسة ,لاجمهورية بحدود جغرافية كبديل عن الخلافة بحدود ديموغرافية !.
لاوجود لمفهوم المواطنة الأرضية في رؤوسهم , أي انهم بهذا الموقف يتوضعون خارج التاريخ , الذي يعرف ومنذ مئات السنين تشكيلا اسمه “الدولة” والوطن والمواطنة , وللتوضع خارج التاريخ عواقب , اذ هناك من يريد البقاء في التاريخ وصناعته , والأزمة الحياتية حتمية بينهم وبين من يريد الخروج من التاريخ , هنا تنعدم امكانية التفاهم بين من يريد الانتحار تاريخيا وبين من يريد البقاء حيا في التاريخ , لذا لابديل لديهم من خيار الاستبداد والاستعباد والاقصاء والاخضاع بالقوة , فمفاهيمهم تتعارض مع مفاهيم الديموقراطية الانتخابية التي تفرز الحكم وتجعل من الحاكم خادما للشعب ومسؤولا أمام الشعب, الحاكم حسب مفاهيمهم خادم لله وموكلا من قبله ومسؤولا أمامه , ولا علاقة للشعب بكل ذلك .
لايقتصر اغتصاب الاصولية الاخونجية لمفهوم الدولة , انما يشمل الفكر , والفكر يتميز عن المعرفة بكونه خلاق,أي أن مهمة الفكر الأساسية هي خلق أفق جديدة في الحياة , ومن المألوف تمايز الآفاق الجديدة عن القديمة , من المعروف أيضا بأن الاخوان لايرحبون بالجديد , لأنهم يعتبرون القديم صالحا لكل زمان ومكان , هنا لامناص لهم من تكفير الآخر وبالتالي اقصائه او حتى تصفيته , ليس لأن الجديد سيئ , انما لأن الجديد مختلف عن القديم ,أليست فكرة العلمانية , التي اكتسحت العالم جديرة بالبحث والتدقيق , أليس مفهوم الوطن والمواطنة والدولة والديموقراطية جديرة بالتفكير وحتى التطبيق !!! انهم يتجاهلون عامل التطور في الحياة , وبالتالي يتجاهلون الحياة , فالحياة تطور , ومن يتجاهل الحياة تتجاهله الحياة , أي يموت ويندثر على الأرض , افقهم في السماء , أفق غير مؤكد تخيلي ايماني وغير مقنع الا للجهل المطلق .
من كل ما ذكر يمكن الاستنتاج بأن مفاهيم الاخونج وخلفيتهم الفكرية لاتقوى على التعامل مع شروط الحياة بتفاعل انتناجي ايجابي , وهذا هو أحد أسباب تأخرهم , وكأنهم يريدون التأخر عمدا وعن قناعة بفساد التقدم , كلما كبرت الفجوة بين تصوراتهم القديمة وبين ماتقدمه الحياة من أفق جديدة , ازداد تأزمهم وازدادت غربتهم وازداد تعلقهم العبثي بصيغة المجتمع “الشخصي” والابتعاد عن صيغة الشخص “الاجتماعي “, أي أنهم لايتمكنون من صياغة منظومة اجتماعية , وبالتالي ليس بامكانهم صياغة مشروع دولة ورعايته وتطويره كباقي دول ومجتمعات العالم .
لايزالون في مرحلة اعتباركتاب الصفحات الستمئة خاتمة الكتب ومصدر الحياة ومنظمها ومبلورها , لايزالون في طور تبرير الاتكالية والترويج للقدرية والاعتماد على المؤامراتية في تفسير انكساراتهم , بعدهم المتزايد عن الواقع حولهم الى انفصاميين , والانفصام عندهم لم يعد مرضا دخيلا مكتسبا انما تحول الى “حالة” متعضية لاينفع في علاجها سوى البتر .
نظرا لكون الآية تحدد شكل ومضمون فكرهم , والآية المسبوقة الصنع قبل 1400 لاتتمكن من التعامل مع قضايا لم تكن موجودة في ذلك الزمن , لذا يصاب أي تفاعل فكري معهم بسرعة بالافلاس والعدمية , والافلاس يرغمهم على محاولة التخلص من محاورهم عن طريق اغتياله أواقصائه أوتدميره أخلاقيا ونفسيا عن طريق الشتم والاستهزاء والانتقاص والتكفير والتشنيع والتهديد والخروج عن الموضوع , يجنحون بسرعة الى الشخصنة المؤسسة على مفهوم المجتمع الشخصي الذي يفرضه استلابهم من قبل الدين , الذي تحول الى سلاحهم الوحيد والى محور حياتهم , الدين بطبيعته أمر شخصي , لايتمكن من التفاعل اجتماعيا وبالتالي لايمكنه خلق مجتمع أو رعاية مجتمع ولايمكنه تأسيس دولة أو رعاية دولة وذلك بعكس العلمانية التي هي أصلا منظومة اجتماعية .