ممدوح بيطار :
يفهم من طرح السيد عشماوي أن بدو الجزيرة كانوا على ادراك ووعي بحالتهم المتأخرة , لكونهم من سكان الصحراء والصحراء لاتنتج حضارة , لذلك خرجوا واستقروا في بيئات جديدة ,واذا كان الأمر “خرجوا واستقروا “فاهلا وسهلا بهم , الا انهم لم يخرجوا ولم يستقروا , كما يخرج عالم وطالب للمزيد من العلم الى بلاد اخرى وكما يستقر في هذه البلاد الأخرى , وهو أمر مرحب به , لقد جاؤوا بالسيف وباستعمار السيف التملكي , وبالبداوة المضادة لكل حضارة , لم نشاهد بعد ألف سنة من حكمهم تلك المعالم والشواهد الحضارية , التي تركها الرومان على سبيل المثال في بلاد الشام , وحتى العثمانيين لم يتركوا في بلاد الشام من آثار سوى التكية السليمانية وممارسات المشانق والخوزقة , لم يقيموا حضارة بل أقاموا مستعمرة ومن اسوء اشكال المستعمرات التملكية الاستيطانية في التاريخ .
لا منطق او مصداقية في الادعاء بأنهم جاؤوا لاقامة حضارة في مناطق تمثل قمة حضارات تلك العصور , ادعااء السيد عشماوي شبيه الى حد المطابقة مع ادعاء القرضاوي , الذي قدم بهذا الخصوص طرحا مخجلا لا اخلاقيا وممثلا لقمة الانحطاط , لم يأت البدوي الجائع الجاهل الى بلاد مابين الرافدين وغيرها من المناطق ليقيم حضارة , انما ليسرق وينهب ويقتل ويشرد ويختطف النساء وكما قال ابن خلدون “العرب امة لن تنتج غير القتل والخرافات والأساطير الدينية لأنهم ضحية الصحراء وطقسها , الذي يفرض على العقل السبات … الخ , لو احصينا ما قامت به الفتوحات من سبي وأسر وسرقات ونهب وفرض الجزية والدين الحنيف او القتال وشروط اخرى كالعمرية , التي يندى لها الجبين خجلا , لابأس في هذه المناسبة من ذكر مثال عن الفتوحات و الأمازيغ , لقد وصل عدد سبايا بن نصير الى ٦٠٠٠٠٠ اسير من الرجال والنساء الأمازيغ , امتلك بن نصير لوحده كعبيد واناث كملك يمين ٥٠٠٠٠ سبية وعبد , ليتصرف بهم كيفما اراد , من كثرة السابايا المطروحات للبيع في اسواق النخاسة , اصيبت أسعارهم مقارنة مع سعر البعير بالكساد , جاء في كتاب البداية والنهاية أن موسى بن نصير فتح بلاد المغرب وغنم منها اموالا لاتعد ولا توصف ,وفتح بلاد الأندلس فسبى منها ومن غيرها خلقا كثيرا وغنم اموالا كثيرة جزيلة ومن الذهب والجواهر النفيسة شيئا لايعد ولا يحصى …متاع ودواب وسبايا من الغلمان الحسان والنساء الحسان شيئا كثيرا , حتى قيل انه لم يسلب أحد مثله من الأعداء …الخ ,
كانت البداوة التي جاء الغزو بها لعنة, وهذه اللعنة كانت مجمل ماقدمته البداوة طوال ١٠٠٠ سنة , والتي قادت الى توقف النشاط الحضاري لماقبل الفتوحات , تجمدت الدنيا وتصحرت الحياة وتسربت هذه البدوية الى أجواف ودواخل الناس قسرا , تجلفوا وتوحشوا وتربوا على العنف , وهذه التربية استمرت في ال ٤٠٠ سنة التالية على يد العثمانيين , الذين كانوا نسخة طبق الأصل عن الخلفاء , لاتزال عقلية البداوة مهيمنة على تصرفات الناس حتى الآن , يرفضون البداوة شعوريا عقليا , لكنهم يمارسوها لاشعوريا , يحاولون اقتلاعها , وقد احرزوا الكثير من التقدم والنجاح في هذا الخصوص , يحتاج التخلص من الثقافة البدوية الى الكثير من الجهد والوقت , لايمكن ازالة تر اث عمره ١٤٠٠ سنة في ١٠٠ سنة .
اذن لم يكن الأمر خروج من البادية واستقرار حيث الماء والكلأ لاقامة حضارة , لغويا يقصد بالحضارة عموما الانجاز الايجابي , نظريا ومعجميا تعبر الحضارة عن كل ماينجزه الانسان او الشعوب , وقد انجز البدو زرع حضارتهم البدوية في دواخل الناس , عمليا نشروا البؤس والفساد والعنف والخراب البدوي , اي الحضارة المنحطة او الانجازات المنحطة .
هناك بين النازية والبدوية العديد من القواسم المشتركة , وبالتالي أوجه تشابه , أهم هذه الأوجه هو وجه العنف والادمان على الحروب ثم التوحيد السياسي بشكل الديكتاتورية , ثم القتل بناء على خلفية عصبية عنصرية عرقية , فما روج له احد منظري النازية كغوستاف لوبون على سبيل الذكر وليس الحصر , لايختلف عن تنظيرات الشيخ الشعراوي او الحويني او الاخوان عموما وفراخ الاخوان مثل الغنوشي وحزب العدالة والتنمية المغربي وغيرهم , ولو اخذنا ما طرحه السيد العشماوي مأخذ الجد , من ان البدو ذهبوا لاقامة حضارة خارج الجزيرة العربية , لوجدنا تطابقا مع الهتلرية من حيث الذهاب بالسيف أوالمدفع وبالقتل والابادة العنصرية , ثم هناك تطابقا كبيرا بين مفهوم المكان المناسب للأمة الآرية تحت الشمس كما ذكر في كتاب “كفاحي:” لهتلر , وبين مفهوم خير أمة التي تملك حق القوة البدوي , الذي يعتبر المفتوح ملكا للبدو , كلوا مما غنمتم حلالا زلالا … ! اتو بالسيف وتملكوا بالسيف , والنازية اتت بالمدفع وتملكت بالمدفع , اضافة الى كل ذلك كان هناك الموقف المشترك بين النازية والبدوية بخصوص العبرانية , وما اشبه ابادة بني قريظة بالابادات التي مورست في الرايخ الثالث النازي , النهاية المتمثلة بتلاشي واندثار كل من النازية والبدوية كان أحد أوجه الشبه , ساكتفي بما ذكرت , ولالزوم لذكر المزيد ,
هناك اوجه شبه عديدة بين الصهيونية والبدوية , منها مثلا اعتبار فلسطين ارضا بدون شعب , لذلك اصبحت حقا لشعب بدون ارض , وذلك بناء على اعتبارات تاريخية عمرها آلاف السنين , بالمقابل هيمن على الفاتحين شعور او يقين , بعدم وجود شعوب في المناطق التي فتحوها , ارض بدون شعوب أو شعوب قيمتها صفر تقريبا , تجاهل وجود هذه الشعوب وماخص هذه الشعوب من آلام وأحلام وآمال , بخصوص الفتوحات واحقيتها وشرعيتها وانتصاراتها وضروراتها ومفخرتها والفاتحين …الخ , ا”من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه به؛ مات على شعبة من نفاق ” , كتبت عشرات الآلاف من الكتب والمقالات ,أما عن الشعوب التي خضعت للفتح وعن حال هذه الشعوب فلم يكتب سوى كتاب واحد قبل عدة سنوات ( حسام عيتاني ) , وحتى هذا الكتاب الوحيد منع من البيع في الدول العربية .
هناك القومية العربية , المرتكزة في اصلها على عرب الجزيرة , وهناك القومية الصهيونية , وهناك ضدية وعداء بين القوميتين , ثم تشابه كبير في العديد من الأوجه بينهما , تحاشيا للاطالة الآن , سيكون هناك بحثا عن اوجه التشابة بين القوميتين لاحقا. يتبع !
