ممدوح بيطار :
عمدت حركة الاسلام السياسي منذ ولادتها في أواخر عشرينات القرن الماضي , وبعد انهيار الخلافة العثمانية على رسم صورة مثالية تخيلية تعظيمية لهذه الخلافة , وبذلك برر الاسلام السياسي مطلب اعادة الحياة الى الخلافة المنقرضة على الأقل بشكلها العثماني الأخير , مثلت هذه الخلافة العثمانية في طروحاتهم وأدبياتهم ذلك الأب الوفي للاسلام , آل عثمان ركن اسلامي قوي ….فتح ….واحتلال , ومركزية سلطانية مع تطبيق دقيق متطرف لنمازج الحكم الخلافي الديني العربي .
في اطار ذلك الوعي التعظيمي للخلافة العثمانية تقبل المكون العربي صيغة اليتيم , الذي وجد في الابوية العثمانية حاضنا وملجأ له , خاصة بعد تطبيق نظام الملل , الذي أمن للأغلبية الغالبة أي للسنة مركزا مهيمنا مقارنة ببقية الطوائف , التي كان عليها الارتضاء بمراكز أدنى , وبذلك قسم العثمانيون المجتمع شاقوليا الى طوائف , وأفقيا الى فئات متمايزة بدرجات متباينة على مستوى الحقوق والواجبات , الغلبة كانت للغالبية السنية التي هيمنت على المغلوبين من الطوائف الأخرى , وبذلك تحققت في نظر الغلبة مفاهيم الانصاف الطائفي كشكل مواز للديموقراطية, العبرة والمشكلة الآن كانت في انتقال مفاهيم الانصاف الطائفي , شاقوليا وأفقيا الى الحاضر , واعتبار الغلبة الغالبة خروج السلطة من يدها خيانة للديموقراطية وعبثا بها , وذلك بالرغم من كون “الديموقراطية ” مفهوم لاعلاقة له بمجتمع الطوائف , وانما بالمجتمع السياسي الذي يتحمل ثانويا صيغة طوائف المجتمع كانتماء أدنى من الانتماء الوطني السياسي الذي يتمثل بالمجموعات والأحزاب السياسية .
عام 1923 الغى أتاتورك الخلافة واستلهم من الغرب نظم الادارة , وبدأت تركيا في بناء الدولة الحديثة , التي فصلت الدين عن الدولة وألغت نظام الملل وبالتالي حققت المساواة بين المواطنين , وضع الدين ورجاله في الصوامع وأقفل الباب عليهم , بذلك انهى أتاتورك قرونا من نظام الملة ونظام السلطنة العثماني وحول الانتماء الديني الى انتماء ثانوي , وبذلك تعافت تركيا المريضة , بالمقابل أصيبت المجتمعات والشعوب العربية بالمرض العثماني وفتح الباب على مصراعيه أمام الدين ورجاله وطبقت مبادئ الملل العثماني التي تجلت دستوريا في العديد من المواد …دين رئيس الدولة ودين الدولة ثم قوانين الأحوال الشخصية ..الخ ,بدأت التيارات القومية بالشراكة مع التيارات الاسلامية في عملية التفتيت الناتجة عن نظام الملل تحت شعار التوحيد , ثم التأخر تحت شعار التقدم والماضوية تحت شعار الحداثة …الى أن تحولت الدولة التي قدمها الحلفاء لهذه الشعوب مثلا سوريا سايكس-بيكو الى شراذم وأطلال , من يقارن بين تركيا اليوم وبين مجموع الدول العربية يجد تعافى المريض التركي من المرض العثماني , وموت المريض العربي على المرض العثماني .
تميز الشكل الحديث لدولة أتاتورك العلمانية بمرجعية الدولة للمجتمع وبالابتعاد عن مرجعية المجتمع للدولة أو السلطة أو الشخص, وبذلك تحققت شروط التغيير الحداثي في تركيا الأتاتوركية , بالمقابل اصطدم مفهوم مرجعية الدولة للمجتمع في البلاد العربية بعائق حركات الاسلام السياسي , التي انتهجت نظام الخلافة التي عظمته قبل ذلك وحولته الى قدوة ومثالية , تبرأت تركيا بشكل عام من العثمانية وعلقت العديد من العثمانيين المتهمين بجرم الابادة الجماعية على أعواد المشانق في اسطنبول بعد نهاية الحرب العالمية الأولى, بالمقابل ازداد تمسك الاسلاميون العرب بالعثمانية بالدرجة الأولى خوفا على امتيازاتهم المهددة من قبل ممارسات سياسية شبيهة بممارسات أتاتورك , لقد ارادو تكريس نوعا من تراثية العلاقات الاجتماعية الوطنية , حيث لاتشكل المواطنة جوهر وعيها , انما النفعية عن طريق مركزيتها المهيمنة على الهوامش أي الأقليات .
الاسلام السياسي يريد “تديين” السياسة ويريد “تسييس” الدين , والاسلام السياسي لايمثل حركة تطوير وتغيير اجتماعي الى الأفضل وبالتالي لايمكن له أن يكون ثوريا أو ثائرا , انه يتوسل الدين ويتطفل على السياسة بهدف اقامة “دولة السلطة” وعرقلة اقامة “سلطة الدولة” , دولة السلطة كفيلة بالقضاء على المواطنة والسياسة والدولة بآن واحد , دولة السلطة ديكتاتورية بطبعها وطبيعتها , وبذلك تمثل الدولة المعاقة أو الدولة المتقهقرة التي ستنتهي حتما الى الاندثار.
ممدوح بيطار:syriano.net
رابط المقال :: https://syriano.net/2020/01
