“فالمعنى، مثل السمكة، لا يعيش طويلا خارج مائه… “هل الترجمة خيانة أم تأويل؟ وكيف تموت الكلمات والأحداث حين نقتطعها من سياقها؟
د. أنسام عباس بدران
منذ الصغر يتردد على مسامعنا تعبير مجازي يقول: “فلان مثل السمكة، إذا خرج من الماء لقي حتفه”.
تكشف هذه الصورة البسيطة مدى ارتباط الكائن بوسطه، فالسمكة لا تستطيع أن تعيش خارج الماء، كما أن بعض الأشياء لا يمكن فهمها إذا انتُزعت من البيئة التي تمنحها معناها.
ولعل الكلمة واحدة من أوضح الأمثلة على ذلك. قد تبدو الكلمة واضحة حين ننظر إليها منفردة، لكن هذا الوضوح يتغير بمجرد أن تدخل في جملة. فالكلمة لا تكشف معناها دائما وهي منفرة، وإنما تستمد دلالتها من السياق الذي تظهر فيه: من الكلمات المحيطة بها، ومن الموضوع، والمتكلم، والمقام، والثقافة، بل ومن الزمن الذي قيلت فيه.
مثلا، كلمة فرنسية بسيطة: (Le temps)، قد تعني “الوقت” أو “الزمن”:
Je n’ai pas le temps
أي: “ليس لدي وقت”.
لكنها قد تعني “الطقس” في سياق آخر:
Quel temps fait-il ?
أي: “كيف هو الطقس؟”
وقد تشير إلى المدة:
Combien de temps vas-tu t’absenter ?
أي: “كم من الوقت ستغيب؟”
الكلمة واحدة، لكن الدلالة تتغير بتغير السياق. وعندما نفتح القاموس، نجد مجموعة من المعاني الممكنة، لكن القاموس لا يستطيع دائما أن يقرر أي هذه المعاني هو المقصود في جملة بعينها. الذي يرجح معنى على آخر هو السياق.
وهنا تبدأ إحدى أكثر مشكلات الترجمة تعقيدا، وخصوصا في الأدب والشعر. فالمترجم لا يكتفي بترجمة الكلمات، وإنما يسعى إلى نقل المعنى الذي تؤديه الكلمات داخل سياقها. ولذلك قد تكون الترجمة الحرفية أمينة للكلمة، لكنها لا تكون بالضرورة أمينة للنص.
وهذا ما يلخصه التعبير الفرنسي الشهير:
“traduire, c’est trahir”
أي “الترجمة هي خيانة”
وهو مرتبط بالتعبير اللفظي الإيطالي: (traduttore traditore)، أي “المترجم، الخائن”. والمقصود ليس أن كل ترجمة خيانة، وإنما أن نقل نص من لغة إلى أخرى يضع المترجم أمام مفارقة دائمة: كيف يكون وفيا للكلمات دون أن يخون المعنى الذي تؤديه هذه الكلمات داخل سياقها؟
لو أخذنا كلمة (Le temps) منفردة واخترنا لها المعنى الأول في القاموس، فقد نترجمها إلى “الوقت” في كل الأحوال، فنفقد معناها حين تدل على الطقس. المترجم الجيد لا يسأل فقط: “ما معنى هذه الكلمة؟”، وإنما يسأل قبل ذلك: “ماذا تعني هذه الكلمة هنا، في هذا السياق تحديدا؟”
وهنا تكمن متعة الترجمة، وصعوبتها أيضا: في التأويل.
التأويل ليس فقط مجرد فك للرموز اللغوية واستبدال كلمة بأخرى، بل محاولة لفهم ما تقوله الكلمات في علاقتها ببعضها، وما قد يتجاوز معناها المباشر. وفي هذا السياق، استحضر مشروع الفيلسوف الفرنسي بول ريكور (Paul Ricoeur)، وخصوصا كتابه:
(Le conflit des interprétations)
أي “صراع التأويلات”. فالمعنى، في التصور التأويلي، لا يكون دائما حاضرا على سطح النص بحيث يكفي أن نلتقط الكلمات ونضع مقابلها في لغة أخرى، فالنص يحمل مستويات متعددة من الدلالة، وقد تختلف القراءات حول ما ينبغي أن يكون معناه.
وهذا يعني أن فهم النص ليس استحوازا نهائيا لمعناه بقدر ما هو اقتراب منه عبر اللغة والسياق والتأويل.
لكن ما ينطبق على الكلمات والنصوص يمكن أن ينطبق، بصورة مختلفة، على التاريخ أيضا.
حين نستعيد حدثا تاريخيا من الماضي، نقع أحيانا في الخطأ نفسه الذي يقع فيه المترجم عندما يأخذ كلمة من القاموس ويمنحها معناها الأول دون النظر إلى الجملة. نقتطع حدثا من زمنه، ثم نفسره مباشرة بأدواتنا ومفاهيمنا المعاصرة، وكأن الذين عاشوه كانوا يعرفون مسبقا ما ستؤول إليه الأحداث.
لنأخذ مثالا: الثورة الفرنسية. نحن، بوصفنا قراء يأتون بعد الحدث بأكثر من قرنين، نعرف النهاية. نعرف الثورة الفرنسية في صورتها الكاملة: اندلاعها سنة 1789، والتحولات السياسية التي تلتها، ثم مرحلة La Terreur، أي “الإرهاب”، وصولا إلى صعود نابليون بونابرت وانتهاء المرحلة الثورية بقيام نظام إمبراطوري تحت سلطته.
هذه المعرفة اللاحقة تضعنا أمام وهم خطير: “وهم حتمية التاريخ”. حسب ريكور.
عندما نعرف النهاية، تبدو الأحداث السابقة وكأنها كانت تقود إليها بالضرورة. نقرأ 1789 ونحن نعرف 1793، ونقرأ 1793 ونحن نعرف نابليون. أما الذين عاشوا الثورة فلم يمتلكوا هذه المعرفة. كانوا يعيشون حاضرا مفتوحا على احتمالات متعددة، ولم يكن المستقبل بالنسبة إليهم سلسلة من النتائج المعروفة، بل مجالا من الإمكانات والصراعات والقرارات التي كان يمكن أن تأخذ مسارات مختلفة.
وهنا تصبح مهمة المؤرخ شبيهة، من زاوية معينة، بمهمة المترجم: عليه أن يقاوم سهولة المعنى الجاهز.
وهنا، أستعين بمارك بلوخ (Marc Bloch) الذي يعد من المؤرخين الذين ساهموا في ترسيخ نظرة أكثر نقدية إلى عمل المؤرخ وفهم الماضي. فالمؤرخ لا يستطيع أن يفهم الماضي إذا تعامل معه باعتباره نسخة بدائية من حاضرنا، بل عليه أن يحاول استعادة البشر داخل عالمهم الفكري والاجتماعي والسياسي، وأن ينتبه إلى أن الكلمات والمفاهيم نفسها تتغير دلالاتها عبر الزمن.
فكلمات مثل citoyen وliberté وpeuple خلال الثورة الفرنسية لا يمكن أن نضعها ببساطة داخل المعاني السياسية التي تحملها هذه الكلمات في استعمالنا المعاصر. كانت جزءا من صراعات فكرية وسياسية حول السيادة والمواطنة والشعب والعلاقة بين الفرد والجماعة والسلطة. وهنا، نحن أمام مشكلة صعبة: إسقاط الحاضر على الماضي.
حين نقول إن شخصا في القرن الثامن عشر كان “ديمقراطيا” أو “ليبراليا” أو “محافظا”، بالمعنى الذي نفهمه اليوم، قد نكون قد وضعناه داخل معجم مفاهيمي لم يكن موجودا بالشكل نفسه في زمنه. هذا لا يعني أن الماضي لا يمكن الحكم عليه أخلاقيا، ولا أن نعلق أحكامنا عليه، وإنما يعني أن الحكم لا يجوز أن يحل محل الفهم، ففهم السياق لا يعني تبرير الحدث.
محاولة فهم الظروف التي أنتجت حدثا سياسيا أو اجتماعيا لا تعني بالضرورة الدفاع عنه، كما أن تفسير العنف لا يعني تبريره. الفرق أن الحكم الأخلاقي يحتاج أولا إلى فهم ما الذي حدث، ولماذا حدث، وكيف كان يفهمه الفاعلون في زمانهم.
وهنا يأتي دور الذاكرة.
في كتابه “Les Lieux de mémoire”، أي “أماكن الذاكرة”، اهتم المؤرخ الفرنسي بيير نورا (Pierre Nora) بالعلاقة المعقدة بين الذاكرة والتاريخ، وبالطرق التي تتحول بها بعض الأماكن والرموز والاحتفالات إلى حاضنة للذاكرة الجماعية.
فالذاكرة ليست مجرد أرشيف يحتفظ بالماضي كما حصل، بل هي حية وانتقائية، يعاد تشكيلها من الحاضر. ولهذا فإن الطريقة التي تتذكر بها جماعة ما حدثا تاريخيا تكشف أحيانا عن حاجاتها وهويتها وأسئلتها الراهنة أكثر مما تكشف عن الماضي نفسه.
كرموز الثورة الفرنسية مثلا، ومنها يوم 14 تموز، الذي أصبح عيدا وطنيا فرنسيا، واختزل في الذاكرة الوطنية رموزا متعددة من تاريخ الثورة، من اقتحام الباستيل سنة 1789 إلى احتفال الاتحاد (Fête de la Fédération) سنة 1790.
أهمية هذه الرموز لا تكمن فقط في الحدث الذي تشير إليه، بل أيضا في الطريقة التي أعيد بها توظيفها داخل الذاكرة الوطنية. فالمجتمعات لا تستحضر الماضي دائما بالطريقة نفسها، بل تعيد ترتيب رموزه وفق حاجات الحاضر، و سياق الحاضر وصراعاته الراهنة هما اللذان يعيدان توظيف الذاكرة وتوجيهها، فتمنح بعض الأحداث مكانة مركزية، بينما تتراجع أحداث أخرى إلى الهامش.
ومن هنا، علينا التمييز بين الذاكرة والتاريخ دون تحويلهما إلى نقيضين بسيطين. فالذاكرة تعمل على حفظ الماضي واستحضاره ضمن هوية جماعية، بينما يسعى التاريخ، بوصفه ممارسة نقدية، إلى مساءلة هذا الاستحضار وفحص مصادره وآثاره ورواياته. لكن المؤرخ نفسه لا يعيش خارج الذاكرة والثقافة، ولذلك فإن كتابة التاريخ ليست نافذة تطل على الماضي، وإنما عمل نقدي أكاديمي يحاول الاقتراب منه عبر آثار ووثائق وشهادات وأسئلة يطرحها الحاضر.
أعود إلى الكلمة، حين نقرأ كلمة خارج جملتها، يمكن أن نخطئ معناها. وحين نقرأ نصا خارج ظروف كتابته، يمكن أن نخطئ دلالته. وحين نقرأ حدثا تاريخيا من نهايته، قد نتوهم أن نتيجته كانت محتومة منذ البداية.
في الحالات الثلاث، نحن نستبدل السياق بمعنى جاهز، إذا كان السياق ضروريا لفهم المعنى، فهل نستطيع أصلا أن نستعيد السياق كاملا؟
المترجم لا يستطيع أن يدخل إلى ذهن الكاتب، والمؤرخ لا يستطيع أن يعود إلى الزمن الذي يدرسه. كلاهما يعمل من خلال آثار: كلمات، وثائق، شهادات، لغات، صمت، وذاكرة. وكلما حاولنا الاقتراب من الماضي، اكتشفنا أن جزءا منه قد ضاع، وأن ما بقي لنا ليس الماضي نفسه، بل آثاره، لذلك التأويل هو محاولة مستمرة للاقتراب من المعنى الذي لا يمكن امتلاكه بالكامل.
وهنا تكمن الأمانة الحقيقية للمترجم والمؤرخ معا:
ليست الأمانة للكلمة وحدها، ولا للحدث بوصفه واقعة معزولة، وإنما للسياق الذي يمنحهما إمكانية الفهم.
فالكلمة لا يرتكز معناها خارج جملتها، والحدث لا ترتكز دلالته خارج زمنه وشروطه. وبين الكلمة والحدث، وبين المترجم والمؤرخ، تظل هناك مهمة واحدة: أن نقاوم الانجذاب إلى المعنى السهل، وأن نتذكر أن ما يبدو واضحا لنا اليوم قد يكون أكثر تعقيدا بكثير حين نعيده إلى زمانه ومكانه.
فالمعنى، مثل السمكة، لا يعيش طويلا خارج مائه.
