مروان صباح:
تقف المنطقة العربية اليوم بين نبرةٍ من الخوف ، ومرارةِ الخيبة ، وعتبٍ صامت ينعكس في تحركاتها وتصريحاتها وتحليلاتها ، مشهدٌ يبدو أقرب إلى استجماعِ تحصيلِ الحاصل ، وكأنها تراقب ما يحدث من مرجع المتلقي الوحيد ، وتنتظر ما لا تريد قوله ، أو ربما ما لم تعد تعرف كيف تقوله ، فعندما اندلعت الحرب العراقية-الإيرانية ، في زمن الخميني وصدام ، لكن المفارقة أن بعض الشعوب التىّ ورثت تلك الثنائيات لم تنتج أياً من طرفيها ؛ لم تصنع المارلبورو ولا السيجار الكوبي ، ولا اخترعت الويسكي ولا الفودكا ، ولا صممت الـ«إم-16» ولا الكلاشينكوف ، كل ما فعلته أنها جلست على مدرجات التاريخ ، تشجع هذا المصنع أو ذاك ، ثم راحت تتباهى بانتمائها إلى أحد طرفي المعركة ، بينما لم يكن لها في الأمر كله سوى دور المستهلك الذي يدفع الفاتورة ، وكان الخلاف يأخذ طابعاً وجودياً مضحكاً ؛ فاختيار السيجارة يصبح دليلاً على الوعي ، ونوع الشراب شهادة على الانتماء ، ونوع البندقية برهاناً على السيادة ، كأن من يحمل سلاحاً أجنبياً يصبح فجأة صاحب مجمع صناعي ، وكأن من يشعل سيجارة مستوردة قد شارك شخصياً في اختراعها.
وهكذا تحولت الحرب الباردة ، في أغلب نسخها العربية ، إلى بطولة من نوع خاص : شعوب لم تصنع شيئاً من أدوات الصراع ، لكنها كانت مستعدة للموت دفاعاً عن أفضليّة منتجاته ، يتقاتلون على أصالة الكلاشينكوف والـ«إم-16» كما لو أن أحدهما خرج من مصنع في مدينتهم ، ويختلفون حول الويسكي والفودكا كما لو أن أجدادهم تركوا لهم معامل تقطير لا مزارع فقيرة وأسواقاً مستوردة ، والأكثر سخرية أن المستهلك كان يزداد اعتزازاً كلما ازداد اعتماداً ؛ فبدلاً من أن يسأل : ماذا صنعنا ؟ كان يسأل : أي منتج أجنبي اخترنا ؟ ثم يرفع اختياره إلى مرتبة العقيدة ، ويعود من السوق منتشياً بانتصار أيديولوجي كامل ، محمّلاً بأكياس من منتجات الآخرين ، وفاتورة تثبت ــ بكل وضوح ــ أنه لم ينتصر إلا على محفظته ، ثم تغيّر الزمن ، وتبدلت معه كثير من الرموز والعادات ، انتشر ما سُمّي بـ«نمط الحياة»، ودخلت الرياضة والحميات الغذائية في مواجهة مع كثير من تلك المظاهر ، فتراجعت السجائر والمشروبات والعادات المرتبطة بها في قطاعات واسعة من المجتمعات ، وحده السلاح بقي عصياً على التغيير ؛ بل ظل حاضراً ، وتطورت أدواته ، وتبدلت أشكاله ، فيما بقي منطق القوة مسيطراً على جزء كبير من المشهد ، وبينما كان العالم يدخل تدريجياً عصر التكنولوجيا والمعرفة والاقتصاد الجديد ، كانت الحرب العراقية-الإيرانية تستنزف الخليج والمنطقة العربية بالمليارات وبالخسائر البشرية ، وتستهلك سنوات كان يمكن أن تُستثمر في التنمية وبناء القدرات وتطوير قطاعات الاقتصاد والتعليم والتكنولوجيا ، لم تكن كلفة الحرب في الأموال والضحايا وحدها ، بل في الفرص التىّ أُهدرت أيضاً ؛ فالزمن الذي يُستهلك في الصراع لا يمكن استعادته بسهولة ، بل تلاشت الهوية العربية حتى باتت في مهب الريح .
ومن هنا ربما تكمن إحدى أكثر مفارقات المنطقة إيلاماً : أن دولاً أنفقت لعقود أموالاً هائلة على الأمن والسلاح ، بينما ظلت في قطاعات أساسية تعتمد على المعرفة والتقنية والخبرة القادمة من الخارج ، فالثروة وحدها لا تصنع قوة مستدامة ، والإنفاق وحده لا يبني استقلالاً ، وعندما لا تمتلك الدول قدرة حقيقية على الابتكار والإنتاج المعرفي والتكنولوجي ، فإنها تظل ، مهما امتلكت من موارد ، رهينةً لمن يملك التكنولوجيا والسلاح والمعرفة والقدرة على إنتاج المستقبل ، وإذا كانت الحرب السابقة قد اقتصرت على الحدود بين الطرفين ، فإن ما يجري اليوم من جرّ الأطراف العربية وإيران والميليشيات الموالية لها إلى اصطدام مباشر يبقى محكوماً بحدود معينة ، لكنه سيصيب الجميع دون استثناء ، وهو باختصار ما تبحث عنه إسرائيل ، لأن الاصطدام العربي-الإيراني والطائفي هو المنقذ الوحيد من وحلها العميق ، وللولايات المتحدة بالدرجة الثانية ، طالما أن رئيس البيت الأبيض ، أياً كانت هويته ، يخضع لضغوط المنظمات الصهيونية في أمريكا .
وهنا يجد المراقب نفسه أمام أسئلة ملحّة : ما الذي ينبغي على دول الخليج والأردن فعله في مواجهة استهدافهم من إيران أو الميليشيات الحوثية أو العراقية؟ وهل القواعد الأمريكية في المنطقة مسؤولة عن التصعيد الإيراني ، أي هي التيكىّ تستهدف المنشآت الحيوية المدنية؟ وإذا أكدت المعلومات الاستخباراتية ذلك ، فكيف يمكن التعامل معه دون أن ينزلق العرب إلى حرب مدمرة؟ ، على نقيض ما يقال عن تسخين المياه الجوفية ، أقول بصراحة إن الإخفاق العربي لم يبدأ اليوم ، بل إن العرب لم ينظروا إلى أمنهم القومي باهتمام عملي على الأرض إلا مؤخراً ، ولو عملوا بمسؤولية الدول لكان الأمر مختلفاً ، فكيف نفسر سقوط سوريا لأكثر من 55 عاماً بيد نظام جذّر الطائفية والانفصالية؟ أو كيف تحوّل العراق إلى ساحة مستباحة ، لا يوجد فيه دولة ولا ما يحزنون؟ وكيف يرضون بتقسيم السودان إلى دويلات؟ أو يتركون إثيوبيا تبني سد النيل؟ أو يتحول لبنان إلى قنبلة طائفية دائمة؟ أو تُنفَّذ بحق الشعب الفلسطيني إبادة جماعية تصبح معها حقوقه الوطنية والإنسانية قابلة للانتهاك والإلغاء؟ ، وبالطبع ، إذا قرر العرب الآن مواجهة كل ذلك ، فستتحول المنطقة إلى بحار من الدماء ، لكن السؤال يبقى : كيف يمكن تفكيك هذا الواقع؟ وهل الاصطدام هو الحل الأنسب؟ أم أن شؤون الدول تحتاج إلى تجاوز عقلية الفزعة وإدارة التحديات بعقلية استخباراتية قادرة على تفكيك ملف وراء الآخر؟ ، كما أن فيّ السياسة الخارجية لا يوجد في القاموس ما يسمى خيانة الحليف ، لأن سياسة الولايات المتحدة قائمة على نظرية تشرشل : «ليس هناك عدو دائم أو صديق دائم ، بل مصالح دائمة» ، ومن يتابع تصريحات الرئيس ترمب يدرك أنه لا يعتني سوى بمصالحه السياسية ، فالانتخابات والاستنزاف المالي أولوياته ، لكن السؤال المطروح أيضاً : هل كان باب المندب عسكرياً واستخباراتياً غير متوقع مع وصول جماعة الحوثي إليه؟ بل نذهب أبعد من ذلك : فقد تم اتفاق مسبق بين الحوثي والأمريكي على عبور السفن التجارية والعسكرية دون استهدافها ، واليوم أبرم رجال ترمب الاستخباراتيون سراً اتفاقاً بعدم استهداف السفن في باب المندب مقابل عدم تدخل الولايات المتحدة في الصراع اليمني ، بل نذهب ايضاً لأبعد من ذلك : كل ما يقال عن توفير الحماية للسعودية والخليج بشرط الدخول في اتفاق الإبراهيمية ليس سوى قول مضحك ، كأن الحوثي والإيراني والميليشيات الموالية لإيران وأزمة اليمن كلها حديثة العهد .
إن إدارة الدول لا تتم كما يجري على المسرح أو خلف الشاشات الكبيرة ، فالسياسة الداخلية والخارجية والإقليمية والأمن القومي تُقاس بمعايير محددة من القوة العسكرية والاقتصادية وغيرها ، أما الخلاف على السردية بين الفلسطينية والإسرائيلية ، وتحديداً سردية الفيلم الوثائقي لهند رجب والفيلم الإسرائيلي «نازا»، كما حصل في مهرجان البندقية ، فيحدده التصفيق ، فالتصفيق أمام صوت هند رجب كان تلقائياً من شعور إنساني ، أما ما حصل مع الفيلم الإسرائيلي فهو تصفيق مصنوع ، المراد منه تفوق السردية الإسرائيلية على الفلسطينية ، وهذا ما يحتاج العرب إلى إدراكه .
وفي نهاية المطاف ، الجدل داخل إسرائيل حول مهنية جيش الاحتلال الذي ارتكب جرائم وحشية ليس كثير مهماً ، طالما الحكومة تولّت السلطة عبر انتخابات ديمقراطية ، وبالتالي ، فإن للحوثي وغيره لهم امتدادات واسعة بين الجمهور العربي ، وهو اختراق اعمق مما تتصوره الأنظمة ، كما أنه امتداد يمكن تبسيطه على هذا النحو : لأنهم ببساطة يتبنون الصدام مع إسرائيل ، وإذا كان السؤال : كيف تمكنت إسرائيل من الانتقال من إبادة إلى أخرى بحق الفلسطينيين دون مساءلة ؟ فإن السؤال الأهم : كيف تمكنوا ال 2000 حوثياً مسلحاً من تحييد الحلف العربي حتى وصل إلى باب المندب؟ وهو ما يدفع إلى تساؤل أخطر : إذا اندلعت حرب مفتوحة مع إيران وميليشياتها ، أين ستصل هذه الميليشيات؟ والسلام
See less
Post Views: 5