16 سبتمبر 2026
يتركّز النقاش في سورية اليوم، وبحقّ، على محاسبة من ارتكبوا جرائم القتل والتعذيب والاعتقال، ومن خطّطوا للعنف وأداروا أجهزته. لكن العدالة لا ينبغي أن تتوقّف عند أبواب السجون والمفارز الأمنية. فهناك مساحة أخرى أكثر اتساعاً وأقلّ وضوحاً، يقف فيها موظّفون ومسؤولون وتكنوقراط أمضوا سنوات طويلة داخل مؤسسات الدولة ووزاراتها وهياكل حزب البعث، ويقول بعضهم اليوم: “كنا نؤدي وظائفنا، ونحافظ على استمرار مؤسسات الدولة، ونخدم المواطنين”!لكن هل يكفي أن نقول: “كنت موظفاً”؟
في بلد تحوّلت فيه مؤسسات الدولة، على مدى عقود، إلى جزء من منظومة سياسية وأمنية مُغلقة، لم يكن استمرار تلك المنظومة مُمكناً بالقوّة وحدها. كانت تحتاج أيضاً إلى إدارة، وقرارات، وأوراق، وتوقيعات، ومؤسّسات تعمل كلّ يوم وكأنّ الأمور طبيعية. ولهذا فإنّ الحديث عن المسؤولية لا ينبغي أن ينحصر فقط بمن أصدر أمر الاعتقال أو مارس التعذيب، بل يجب أن يفتح أيضاً سؤالاً أكثر حساسية: ماذا فعل الذين عرفوا، أو رأوا، أو أدركوا، ثم اختاروا الصمت والاستمرار؟
هذا السؤال لا يعني وضع جميع الموظفين والمسؤولين في خانة واحدة، ولا يعني أنّ كلّ من عمل في الدولة شريك في جرائم النظام. المسؤولية يجب أن تكون فردية، وأن تُقاس بالفعل والدور والمعرفة، لا بمجرّد الوظيفة أو الانتماء المؤسسي. لكن في المقابل، لا ينبغي أن يتحوّل “العمل الوظيفي” إلى جدار يحجب أيّ مسؤولية أخلاقية عن الماضي.
السوريون الذين فقدوا أبناءهم، أو عاشوا سنوات في المعتقلات، أو هُجّروا من بيوتهم، وهم لا يحتاجون فقط إلى أحكام تصدرها المحاكم. يحتاجون أيضاً إلى أن يسمعوا كلاماً لم يسمعوه طوال سنوات: نعم، ما حدث لكم كان ظلماً وجريمة، ولم يكن مجّرد خطأ في إدارة الدولة، ولا نتيجة جانبية لعمل مؤسساتها.
لا ينبغي أن يتحوّل “العمل الوظيفي” إلى جدار يحجب أيّ مسؤولية أخلاقية عن الماضي
قد يكون هذا الاعتراف، في بعض الحالات، أكثر أهمية من محاولة الدفاع عن السيرة الشخصية وتبرير كلّ خطوة اتخذها أصحابها.
تخيّلوا مسؤولاً سابقاً يقف أمام الناس، لا ليقول “لم أكن أملك القرار”، ولا “كنت أنفذ التعليمات”، بل ليقول ببساطة: “كنت جزءاً من هذه المنظومة. ربما لم أرتكب الجريمة بيدي، لكنني ساهمت في استمرار نظام كان يؤذي السوريين، وكان يجب أن أرى ذلك بوضوح أكبر وأن أمتلك شجاعة أكبر في مواجهته”.
مثل هذا الكلام لا يمحو جريمة، ولا يعفي أحداً من المحاسبة القانونية حين تتوافر أسبابها، لكنّه يفعل شيئاً آخر بالغ الأهمية: يكسر الصمت.
فالمصالحة لا تبدأ دائماً من قانون جديد أو هيئة رسمية. أحياناً تبدأ من إنسان يقرّر أن يتوقّف عن الدفاع عن نفسه، وأن يعترف بأنّ الصمت له ثمن، وأنّ الاستمرار في مؤسسة ظالمة ليس دائماً موقفاً مُحايداً.
المصالحة لا تبدأ دائماً من قانون جديد أو هيئة رسمية. أحياناً تبدأ من إنسان يقرّر أن يتوقّف عن الدفاع عن نفسه، وأن يعترف بأنّ الصمت له ثمن
والاعتذار الحقيقي ليس جملة بروتوكولية ولا محاولة لتلميع الماضي. قيمته في مقدار ما يحمله من صدق ومسؤولية، وفي قدرته على الاعتراف بألم الآخرين قبل البحث عن الأعذار.
لا تحتاج سورية اليوم إلى انتقام جماعي، لكنها تحتاج إلى شجاعة فردية. تحتاج إلى أن يقول بعض الذين كانوا جزءاً من النظام السابق: أخطأنا، ونفهم اليوم ما فعلناه وما سمحنا باستمراره.
فقد تكون المحاكم قادرة على محاسبة الجناة، لكن المجتمع يحتاج أيضاً إلى شيء آخر: الحقيقة، والاعتراف، واستعادة الكرامة. ومن هنا يبدأ بناء الثقة بين السوريين، لا بإنكار الماضي ولا بتبرئته، بل بمواجهته بشجاعة، حتى لا ينتقل من جيل إلى آخر في صورة جديدة.
فالاعتراف ليس هواناً، ولا إدانة للذات من أجل الإدانة؛ إنّه شجاعة في مواجهة الماضي، وتسديد لدَين أخلاقي تجاه وطن دفع السوريون جميعاً ثمن انهياره. ومن دون هذه الشجاعة، قد نحاكم بعض الجرائم، لكنّنا لن ننجح في تجاوز الثقافة التي سمحت لها بأن تحدث.
