سعاده عبد الرحيم:
مقدمةيظل مفهوم الحقيقة من أكثر المفاهيم الفلسفية إثارة للتأمل والجدل، حيث تتباين المدارس في تعريفها بين مثالية وواقعية ومادية. في هذا السياق، يقدم كل من أنطون سعاده وجون ديوي رؤيتين ثوريتين ضد المذاهب الدوغمائية والمطلقة، لكن من منظورين مختلفين جوهرياً. بينما يعرف سعاده الحقيقة كقيمة نفسية إنسانية تتجلى نتائجها في المحيط الاجتماعي، يطور ديوي مفهوماً براغماتياً أداتياً لها. يحلل هذا المقال مفهوم الحقيقة لدى كل فيلسوف، ثم يقدم مقارنة معمقة تبرز أوجه التشابه والخلاف الأساسي بينهما، مع إيلاء اهتمام خاص لمسألة “النفع” والإفادة التي تظهر تشابهاً سطحياً بينهما، وانتهاءً بالكشف عن الفارق الجوهري في الرؤية السياسية والاجتماعية لكل منهما.
1. مفهوم الحقيقة عند أنطون سعاده: الحقيقة كقيمة نفسية-اجتماعية
ينطلق سعاده في تعريفه للحقيقة من منظور إنساني ديناميكي واجتماعي، مؤكداً أن الحقيقة ليست قولاً استبدادياً مطلقاً، بل تقوم على شرطين أساسيين: الوجود والمعرفة [1]. فهو يرى أنه “في العقائد التي تمتّ إلى الإنسان الحر بصلة لا يمكن الاستناد إلى أي قول استبدادي مطلق لتقرير حقيقة إنسانية أو لها علاقة بالإنسان المجتمع. فلا بد لقيام الحقيقة من شرطين أساسيين: الأول الوجود بذاته أي أن يكون الشيء موجوداً؛ والثاني أن تقوم المعرفة لهذا الوجود. والمعرفة هي التي تعطي الوجود قيمة لا يمكن أن تكون له بدونها” [1].
يؤكد سعاده أن “الوجود يجب أن يصير معرفة ليكون حقيقة”، أي أنه “يجب أن يعرف إما من قبل الإنسان وإما من قبل الله. لا يمكننا أن نتصور وجوداً بلا معرفة، فلا يمكننا أن نقول إنّ لأي وجود مفترض، غير مدرك بالمعرفة، قيمة الحقيقة، لأن الحقيقة قيمة إنسانية نفسية والإنسان هو وحده الذي يميز بين الحقيقة والباطل بالمعرفة” [1]. وهذا يقودنا إلى استنتاج: الوجود متغير والمعرفة متغيرة، إذا لا وجود لحقيقة مطلقة أو ثابتة.
من هذا التعريف، تتشكل عدة مبادئ أساسية تمنح رؤيته طابعه المميز:
· النسبية والتغير: الحقيقة ليست كياناً ثابتاً أو مطلقاً، بل هي متغيرة بتغير شرطيها الأساسيين: الوجود (الواقع المتغير) والمعرفة (الفهم المتطور للإنسان).
· الطابع النفسي والإنساني: الحقيقة مرتبطة بالعقل والإدراك البشري والقيم الإنسانية، فهي “قيمة إنسانية نفسية”.
· البعد الاجتماعي: سعاده لا يفصل قيمة الفكر عن محيطه الحيوي، بل يرى أن “قيمة عقل الإنسان في مقدار تفكيره ونوعه، والدليل على نوع هذه القيمة وأهميتها يظهر في نتائج التفكير المتجلية في الحياة الاجتماعية” [2]. وبما أن “حياة الفرد مستمدة من حياة المجموع”، فإن الأفكار – ومنها الحقائق – لا تكتمل قيمتها إلا من خلال تأثيرها في إصلاح وتقدم أحوال المجموع. وهو يطبق هذه الرؤية على وجود الأمة نفسها، فيقول: “لكي نكون موقنين بوجود أمتنا، نحتاج إلى معرفة حقيقة هذا الشخص أو هذه الأمة أو هذه البلاد” [1].
هكذا، فإن الحقيقة عند سعاده هي رحلة استكشافية إنسانية مستمرة، وغايتها الاجتماعية هي شرط لتحقق قيمتها الكاملة.
2. مفهوم الحقيقة عند جون ديوي: الحقيقة كأداة نافعة في التجربة
يُعد جون ديوي أحد أبرز وجوه الفلسفة البراغماتية، وقد طور مفهومًا للحقيقة يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالتجربة والعمل والفاعلية، منطلقاً من نظرته الطبيعية التي ترى المعرفة نابعة من التكيف النشط للكائن البشري مع بيئته.
في هذا الإطار، تُفهم الحقيقة كصحة وتكيف؛ فهي ليست تصوراً مطابقاً لواقع خارجي ثابت، بل هي فكرة أو نظرية تثبت صحتها من خلال النتائج العملية المترتبة عليها. الحقيقة هي “ما ينجح” في حل المشكلات وإعادة التكيف مع البيئة [5]. هذا يقود إلى مفهوم “الأداتية”، حيث أن الأفكار والحقائق هي أدوات لحل المشكلات، مثلما تكون المطرقة أداة للطرق. فقيمتها تكمن في فاعليتها ونجاعتها العمليتين، وليس في مطابقتها لـ”واقع مطلق”. تنتج الحقيقة وتتطور من خلال التجربة والاستقصاء العلمي داخل التجربة الإنسانية، وهي عملية مستمرة لا تنتهي [6].
بعبارة أخرى، الحقيقة عند ديوي هي حل ناجح ومؤقت لمشكلة معينة في سياق تجريبي محدد، وهي مقيمة دائماً بقدرتها على إدامة الفعل الناجح والتجربة المثمرة.
يجدر بنا أن نشير، من باب الإنصاف، إلى أن ديوي لم يكن مجرد فيلسوف أداتي ضيق؛ بل كان يرى في الديمقراطية “أكثر من مجرد شكل من أشكال الحكومة”، ويربطها بمفهوم “الإرادة العامة” بوصفها نتاجاً للتواصل والمشاركة والتفاهم المشترك [8]. فهو يرى أن الديمقراطية تتطلب “مشاركة كل إنسان بالغ في تشكيل القيم التي تنظم معيشة الناس معاً” [5]. كما أنه آمن بأن “الوسيلة الديمقراطية” هي “القوة الذكية المنظمة” التي تحل النزاعات عن طريق المناقشة العلنية والحكم الجماعي [7]. وكان يرى أن “المجتمع الضخم” (ذا الكتلة البشرية الهائلة والمؤسسات البيروقراطية المعقدة) يمكن أن يتحول إلى “المجتمع النبيل” (ذا المشاركة الحقيقية والوعي الجمعي والديمقراطية الحية) من خلال تحسين وسائل الاتصال ونشر المعرفة [5]. غير أن هذه التطلعات، كما سنرى، بقيت في دائرة التنظير الأخلاقي دون أن تترجم إلى آلية عملية واضحة للتغيير.
3. تحليل التقارب السطحي والخلاف الجوهري: “الإفادة الاجتماعية” مقابل “النفعية الأداتية”
قد يبدو للقارئ أن هناك تقارباً بين الفيلسوفين، لا سيما عند النظر إلى مقولة سعاده في رسالته إلى محاميه حميد فرنجية، وهي مثبتة في المحاضرة الثالثة من المحاضرات العشر: “العلم الذي لا يفيد كالجهالة التي لا تضر” [9]. فهذه المقولة، شأنها شأن البراغماتية، ترفض المعرفة المجردة العقيمة وتشترط “الإفادة”. غير أن هذا التقارب سطحي ويخفي تحته اختلافاً جوهرياً في المنطلقات والأهداف.
3.1 مفهوم “الإفادة” عند سعاده: اجتماعي وغائي وقيمي
عند تحليل مقولة سعاده في ضوء نص “التفكير العملي والإصلاح الاجتماعي” [2]، نجد أن “الإفادة” هي معيار اجتماعي قيمي. العلم “المفيد” هو الذي تظهر نتائجه في إصلاح ونهضة “الحياة الاجتماعية” للمجموع. وبناء عليه، فإن معنى “الإفادة” عنده يتسع ليشمل أبعاداً تتجاوز المنفعة المادية المباشرة؛ فهو يشمل:
· إفادة النفس الإنسانية في سموها وقيمها.
· إفادة المجتمع والأمة في بنائهما وتماسكهما ونهضتهما.
· تحقيق غاية سامية، هي نهضة الكيان الاجتماعي القومي.
3.2 مفهوم “النفع” عند ديوي: إجرائي وتجريبي وأداتي
في المقابل، ينطلق ديوي من أن المعرفة هي أداة لحل مشكلة محددة في تجربة محددة. لذا فإن معنى “النفع” عنده إجرائي محض، يتمثل في:
· النجاح العملي الملموس في التكيف مع البيئة.
· الحل الفعّال لمشكلة قائمة.
· التحقق التجريبي المباشر لفكرة ما.
الغاية هي التكيف والنمو المستمر في التجربة بمعناها العلمي والعملي، دون بالضرورة غاية اجتماعية أوسع أو قيمية متعالية.
3.3 مثال توضيحي: دراسة التاريخ
· بحسب معيار سعاده: دراسة التاريخ “مفيدة” إذا كانت تُغذي الشعور بالهوية والانتماء الحضاري، وتستخرج الدروس والعبر من التاريخ البشري، وتساهم في بناء مشروع نهضوي اجتماعي. والدليل على ذلك أن سعاده نفسه أتى بكتابه “نشوء الأمم” الذي يُعد استخلاصاً لسنن التطور البشري التي تخدم النهضة من التاريخ، وليس مجرد تأكيد للشعور القومي. فائدتها تُقاس بمدى تجلي نتائجها الإيجابية في حياة الأمة الاجتماعية. إن لم تفعل ذلك، فهي “كجهالة لا تضر”، حتى لو كانت دقيقة أكاديمياً.
· بحسب معيار ديوي: دراسة التاريخ “مفيدة” إذا قدمت نماذج لحلول عملية لمشاكل الحاضر (كاستخلاص استراتيجيات سياسية أو اقتصادية ناجحة)، أو إذا طورت مهارات تحليل قابلة للتطبيق في سياقات أخرى. فائدتها تكمن في نجاعتها الأداتية المباشرة لحل إشكاليات.
4. إشكالية الفرض والحقيقة: لماذا تتعثر البراغماتية في الحقائق الكبرى؟
يكمن الخلاف الأعمق بين سعاده وديوي في مسألة التمييز بين الفرض والحقيقة، وهي نقطة تكشف عن ثغرة منهجية في البراغماتية الديوية.
يرى ديوي أن الفكرة تبدأ كفرضية أو تخمين، وعندما تنجح في حل مشكلة عملية، تتحول إلى حقيقة [6]. لكن سعاده يرفض هذا الاختزال، مؤكداً أن الانطلاق من الفرض يعني البقاء في دائرة الفرض، لأن الحقيقة تقوم على شرطيها الأساسيين: الوجود والمعرفة [1].
وفي حوار شهير بين سعاده وأستاذ جامعي أمريكي – أحضره الدكتور شارل مالك ليعرّفه بسعاده – سأل الأستاذ سعاده: “لو فرضنا أن جبلاً انهدّ على سطح القمر، هل هذا حقيقة أم لا؟”، فأجاب سعاده بحسم: “انطلقت من فرض، فكل إجابة عنها ستكون فرضاً أيضاً. لا تستطيع أن تقول عن أي جواب إنه حقيقة، لأنه يفتقر إلى شرطي الحقيقة الأساسيين: الوجود (الواقع الملموس) والمعرفة (الإدراك القائم على ذلك الواقع).” [يُذكر هذا الحوار من رواية مأخوذة عن الأعمال الكاملة لأنطون سعاده، ويحتاج إلى التحقق من النص الحرفي في المصدر الأصلي]
هذا الرد يكشف عن منهجية سعاده الصارمة: الفرض يبقى فرضاً حتى يُختبر في الواقع، وحتى يرتبط بوجود حقيقي. أما ديوي، فيخلط بين الفرضية والحقيقة عملياً، إذ يمنح صفة “الحقيقة” لأي فكرة تنجح في سياق تجريبي محدود، دون أن يضمن أن هذا النجاح يعكس حقيقة وجودية أعمق. مع أن ديوي نفسه ميّز بين “القضية” (proposition) باعتبارها عنصراً افتراضياً لا يحمل التزاماً وجودياً، وبين “الحكم” (judgment) الذي يحمل التزاماً وجودياً بعد التحقق [6]، إلا أن هذا التمييز النظري لم يمنعه من منح صفة “الحقيقة” لما ينجح في التجربة، وهو ما يعتبره سعاده خلطاً بين الفرض والحقيقة.
وهنا تبرز قصور البراغماتية: إنها تصلح لاختبار الفرضيات الجزئية (كيف نصلح آلة، أو نحسّن إنتاجاً)، لكنها تفشل عندما تواجه الحقائق الاجتماعية الكبرى، كالهوية، والنهضة، وسنن التطور البشري من التاريخ، ومصير الأمم. فكيف يمكن لديوي أن “يختبر” حقيقة أن أمةً ما تمر بمرحلة انبعاث، أو أن نظاماً اجتماعياً قد بلغ ذروة أفوله؟ هذه حقائق كلية تحتاج إلى معيار يتجاوز التجربة المباشرة، وهو ما يوفره البعد القيمي والتاريخي عند سعاده.
5. النظام الاقتصادي العادل: بين التوزيع والاشتراكية والإنتاج السعادي
من الفروق الجوهرية التي تميز فلسفة سعاده عن البراغماتية الديوية، أنه لم يكتفِ بالتنظير الأخلاقي، بل وضع برنامجاً اقتصادياً واضحاً يُجيب عن سؤال العدالة الاجتماعية. هذا البرنامج يتجلى في المبدأ الإصلاحي الرابع الذي ينص على: “إلغاء الإقطاع وتنظيم الاقتصاد القومي على أساس الإنتاج وإنصاف العمل وصيانة مصلحة الأمة والدولة” [3][4].
إن سعاده يرفض النموذج الرأسمالي القائم على الاستغلال، لكنه في الوقت نفسه لا يتبنى الاشتراكية الماركسية التي تقوم على توزيع الثروات كحلٍ سحري (المستمدة من ماركس). بدلاً من ذلك، يقدم رؤية مغايرة:
أولاً: الغاء الإقطاع بوصفه تهديداً للسيادة القومية:
يرى سعاده أن الإقطاع ليس مجرد ظلم اجتماعي، بل هو تهديد للسيادة القومية والوحدة الوطنية. فالإقطاعات الكبيرة، بحسب تحليله، “تؤلف جزءاً لا يستهان به من ثروة الأمة”، لكنها تبقى وقفاً على “بكوات إقطاعيين يتصرفون بها أو يهملونها كيفما شاؤوا، مهما كان في ذلك من الضرر للمصلحة القومية” [3]. والأخطر أن بعضهم يهمل هذه الإقطاعات إلى حد “يوقعها في عجز مالي ينتهي بتحويل الأرض إلى المصارف الاجنبية ، الرأسمالي الأجنبي” [3].
ثانياً: تنظيم الاقتصاد على أساس الإنتاج لا التوزيع:
يؤكد سعاده أن “تنظيم الاقتصاد القومي على أساس الإنتاج هو الطريقة الوحيدة لإيجاد التوازن الصحي بين توزيع العمل وتوزيع الثروة” [3]. فكل عضو في الدولة يجب أن يكون منتجاً، وفي ظل هذا النظام “يتوجب تصنيف الإنتاج والمنتجين، بحيث يمكن ضبط التعاون والاشتراك في العمل على أوسع قياس ممكن، وضبط نوال النصيب العادل من النتاج، وتأمين الحق في العمل والحق في نصيبه” [3].
ثالثاً: الإنتاج المشترك كحق عام:
يذهب سعاده إلى أن “الإنتاج المشترك هو حق عام لا حقّ خاص، والرأسمال الذي هو ضمان استمرار الإنتاج وزيادته هو، بالتالي، وبما أنه حاصل الإنتاج العام، ملك قومي عام مبدئياً” [3]. غير أنه لا يلغي دور الأفراد، بل يعتبرهم “قائمين على تصريف شؤونه بصفة مؤتمنين عليه وعلى تسخيره للإنتاج” [3]. وهو يوضح أن “الاشتراك في الإنتاج، اشتراكاً فعلياً، شرط للاشتراك في الحق العام” [3].
رابعاً: العدل الاقتصادي شرط للنهضة القومية:
يربط سعاده بين الإصلاح الاقتصادي والنهضة القومية، قائلاً: “إنّ الحزب السوري القومي الاجتماعي يريد وحدة قومية متينة، قوية تثبت بها الأمة السورية في معترك الحياة والتفوق. وهذه الوحدة القومية القوية لا يمكن أن تحصل ضمن نظام اقتصادي سيىء، فإقامة العدل الاجتماعي – الحقوقي والعدل الاقتصادي – الحقوقي أمر ضروري لفلاح النهضة السورية القومية الاجتماعية” [3].
6. الديمقراطية: بين الشكل البراغماتي والجوهر السعادي
إذا انتقلنا إلى المجال السياسي، نجد أن الفرق بين الرجلين يتجلى بوضوح في مفهومهما للديمقراطية وآلية تحقيقها.
6.1 ديوي: تطلعات دون آلية
ديوي، كمنظر براغماتي، وضع تطلعات إنسانية نبيلة تجاه الديمقراطية، داعياً إلى المشاركة والتعاون والنمو الإنساني [5][7]. فقد أكد أن الديمقراطية تتطلب “مشاركة كل إنسان بالغ في تشكيل القيم التي تنظم معيشة الناس معاً” [5]، ورأى أن “الوسيلة الديمقراطية” هي “القوة الذكية المنظمة” التي تحل النزاعات عن طريق المناقشة العلنية والحكم الجماعي [7]. كما أنه ميّز بين وسائل الديمقراطية (كالاقتراع والانتخابات المتكررة والأغلبية) وجوهرها، معتبراً أن هذه الوسائل “ليست جوهر الفكرة الديمقراطية” [5]. وكان يرى أن “المجتمع الضخم” يمكن أن يتحول إلى “المجتمع النبيل” من خلال تحسين وسائل الاتصال ونشر المعرفة [5].
غير أنه، وللأسف، لم يضع أي آلية عملية لتحقيق هذه التطلعات. ظل أسير النموذج الليبرالي الغربي، متمسكاً بالديمقراطية التمثيلية (ديمقراطية الصندوق) التي تحولت في الواقع إلى لعبة سياسية دورية، تغذيها المال والنخب، وتفقد روحها الأصلية. لم يقدم ديوي مشروعاً لتجاوز هذا الشكل، بل اكتفى بالوعظ الأخلاقي والإصلاح التدريجي داخل النظام القائم، دون أن يحدد كيف يمكن التغلب على العقبات الهيكلية التي تقف في وجه ذلك.
واللافت أن ديوي لم يرفض فكرة “الإرادة العامة” بل تحدث عنها بوصفها نتاجاً للتواصل والمشاركة، لكنه ظل في إطارها النظري دون أن يقدم صيغة مؤسسية لتحقيقها تتجاوز الديمقراطية التمثيلية التقليدية.
6.2 سعاده: التعبير عن الإرادة العامة بدلاً من تمثيلها
إن الابتكار الأعمق في فلسفة سعاده السياسية هو طرحه لمفهوم “التعبير عن الإرادة العامة” بديلاً عن فكرة “تمثيل الإرادة العامة” التي لم تعد تصلح للأعمال الأساسية لحياة جديدة [4]. هذا الطرح يجسد الرؤية السورية القومية الجديدة التي تضع أمام العالم اليوم فكرة التعبير عن الإرادة العامة، بدلاً من تمثيلها الذي أصبح شكلاً ظاهرياً جامداً [4].
فالتفكير السوري القومي الجديد هو إيجاد طريقة جديدة اسمها “التعبير عن إرادة الشعب”، وقد يكون هذا التعبير بواسطة الفرد أو بواسطة الجماعة حسبما يتفق أن يوجد. وهذا هو الاكتشاف السوري الجديد الذي ستمشي البشرية بموجبه فيما بعد. وهو دستور سورية الذي يُعمل به لجعل البلاد دائماً كما تريد الأمة [4].
والفارق جوهري: التمثيل هو دائماً أهون من التعبير، لأن التمثيل شيء جامد يتعلق بما قد حصل، أما التعبير فغرضه الإنشاء وإدراك شيء جديد [4]. فالتمثيل يعكس إرادة سبق التعبير عنها في الماضي (عبر صناديق الاقتراع)، أما التعبير فيستصحب الإرادة الحية المتجددة للأمة في كل لحظة. هذا هو الخلل الاجتماعي الذي يريد التفكير السوري الحديث أن يصلحه: تفهم إرادة الشعب وإعطاؤها وسائل التنفيذ الموافقة [4].
فالإرادة العامة إذا لم تجد “التعبير” الصحيح في فكرة واضحة وقيادة صالحة، تصبح عرضة لأن تقع فريسة للمطامع والمآرب “التمثيلية”. والأمم كلها تريد الخيرعن والفلاح، ولكن المشكل هو في إيجاد التعبير الصالح هذه الإرادة [4].
6.3 سعاده: رؤية متكاملة وآلية واضحة
أما سعاده، فيختلف جذرياً لأنه يرفض الفصل بين التنظير والآلية. إنه لا يكتفي بالدعوة إلى ديمقراطية جديدة، بل يضع شروطاً وآلياتٍ محددة لتحقيقها، من خلال بناء تنظيم سياسي – اجتماعي متكامل، أسسه في دستور الحزب السوري القومي الاجتماعي [4]، ومن خلال نخبة تثبت بالقول والفعل أن ما يهمها هو الخير العام، وتمتلك رؤية واضحة للمستقبل، وتعمل على تحقيقه وفق شروط تضمن وصولها إلى السلطة. هذه الآلية تمنع انقلاب الديمقراطية إلى أوليغارشية أو فوضى، وتضمن استمرارية المشروع النهضوي عبر الأجيال.
7. المقارنة النهائية: أوجه التشابه والخلاف الأساسي
7.1 أوجه التشابه
· النسبية ورفض المطلق: يرفضان معاً فكرة الحقيقة المطلقة والثابتة.
· الديناميكية والتطور: يرون الحقيقة عملية مستمرة (قمم أخرى عند سعاده، واستقصاء لا ينتهي عند ديوي).
· التركيز على التجربة الإنسانية: يضعان الإنسان وفعاليته في صلب عملية المعرفة.
7.2 الخلاف الجوهري: طبيعة الحقيقة وغاية المعرفة
هنا يكمن الفرق الأعمق، وهو فرق في المنطلق والغاية:
· أنطون سعاده: ينطلق من إنساني قيمي واجتماعي غائي. الحقيقة “قيمة نفسية” وشرط اكتمالها هو ظهور أثرها في “الحياة الاجتماعية”. الغاية هي نهضة الإنسان والمجموع في إطار مشروع حضاري. يضع آلية واضحة لتحقيق هذه الغاية عبر نظام اقتصادي عادل يقوم على إلغاء الإقطاع وتنظيم الاقتصاد على أساس الإنتاج [3][4]، ونخبة واعية، وشروط لوصولها إلى السلطة، ومفهوم “التعبير عن الإرادة العامة” بدلاً من تمثيلها [4].
· جون ديوي: ينطلق من طبيعي تجريبي وأداتي. الحقيقة “أداة ناجحة” لحل مشكلة داخل التجربة. الغاية هي التكيف الناجح والنمو العملي المستمر. وضع تطلعات إنسانية للديمقراطية والمشاركة [5][7]، لكنه لم يقدم آلية عملية لتحقيقها، وبقي في إطار الديمقراطية التمثيلية التقليدية ولم يقدم بديلاً عن فكرة “تمثيل الإرادة العامة”.
بعبارة أخرى، بينما يسأل ديوي: “هل هذه الفكرة ناجعة وعملية؟” مع بقائه في دائرة التنظير، يسأل سعاده: “هل هذه الحقيقة تثري النفس الإنسانية وتخدم نهضة المجتمع؟” ويضع الآليات لتحقيق ذلك. كلا السؤالين يرفضان العقم النظري، لكن الأول يبحث عن الفاعلية الإجرائية، بينما الثاني يبحث عن المعنى والقيمة الاجتماعية الغائية، ويترجم ذلك إلى مشروع نهضوي شامل.
7.3 نقطة الانطلاق ونطاق الاختبار: الفرد والمجتمع والبيئة المعرفية
ثمة فارق إضافي لا يقل أهمية عما سبق، يتعلق بنقطة الانطلاق في عملية المعرفة ونطاق البيئة التي تُختبر فيها الحقيقة. فهذان البعدان المتلازمان يكشفان عن عمق الاختلاف بين الفيلسوفين، ويفسران سبب نظر كل منهما إلى الحقيقة من زاوية مغايرة.
أولاً: نقطة الانطلاق – الفرد مقابل المجتمع:
ينطلق ديوي من الفرد بوصفه “فاعلاً معرفياً” يواجه مشكلة في بيئته، ثم يمتد تأثيره إلى المجتمع عبر “مجتمع الاستقصاء” [5]. فالفرد عنده هو نقطة البداية، والمجتمع هو سياق التحقق، لكن الفرد لا يختفي من المعادلة. أما سعاده، فينطلق من المجتمع بوصفه الكيان الأصلي الذي تنبثق منه القيمة والمعنى. واللافت أن سعاده لا يغفل دور الفرد، بل يعترف بأن الحق قد ينطلق من فرد واحد، غير أنه يضع شرطاً صارماً لاكتمال قيمته: استمراره بعد رحيل ذلك الفرد واتباعه، وانتشاره انتشاراً لا حدود له في المجتمع [صياغة لفكرة سعاده، وليست نصاً حرفياً]. فهذا الانتشار والاستمرارية هو الدليل على أن الفكرة قد تجاوزت حدود ذاتيتها، وتحولت إلى حقيقة اجتماعية لها وزنها وقيمتها.
ثانياً: نطاق الاختبار – البيئة الضيقة مقابل البيئة الواسعة:
وهنا يكمن الفرق الأعمق. فديوي يختبر الحقيقة في بيئة ضيقة، محكومة بالتجربة المباشرة والمشكلات الجزئية (كالمدرسة، أو المصنع، أو الحي السكني)، حيث يكون التحقق عملياً وسريعاً نسبياً. وهذا يفسر تركيزه على الحقائق الأداتية التي تصلح لحل مشكلات عابرة ومحدودة. أما سعاده، فيرى أن الحقائق الإنسانية والاجتماعية الكبرى (كالهوية، والنهضة، وسنن التطور البشري من التاريخ، ومصير الأمم) لا يمكن اختبارها في هذه البيئة الضيقة، بل في بيئة واسعة هي المجتمع والتاريخ الممتد. فمعيار الحقيقة عنده ليس النجاح العابر، بل الاستمرار والانتشار بعد رحيل الأفراد، وترسيخها في وعي الأمة عبر الأجيال.
ثالثاً: أثر ذلك في مفهوم الحقيقة:
هذا الفرق في نقطة الانطلاق ونطاق الاختبار يُحدث أثراً بالغاً في مفهوم الحقيقة ذاتها:
· عند ديوي: الحقيقة تولد من تفاعل الأفراد في بيئة محدودة، وتظل مرتبطة بهم وبقدرتهم على تجديدها وتحسينها. فهي نتاج جماعي مستمر، قابلة للاختبار المباشر، ومؤقتة بحدودها التجريبية.
· عند سعاده: الحقيقة قد تنطلق من فرد، لكنها لا تثبت إلا عندما تتجاوز فرديتها وبيئتها الضيقة، وتصبح ملكاً للمجتمع، وتستمر بعد رحيل أصحابها. فهي قيمة اجتماعية تاريخية، لا يُختبر صدقها في مخبر أو مشروع عابر، بل في رحم التاريخ واستمرارية الأمة.
وعليه، فإن سرعة التفاعل المجتمعي أو خموله ليست سبباً لهذا الخلاف، بل هي نتيجة لضيق أو سعة الأفق المعرفي الذي ينطلق منه كل فيلسوف. فديوي فيلسوف الحقيقة الجزئية (التي تصلح للبيئة الضيقة)، بينما سعاده فيلسوف الحقيقة الكلية (التي لا تثبت إلا في البيئة الواسعة للتاريخ والمجتمع).
خاتمة
على الرغم من اشتراك أنطون سعاده وجون ديوي في هجومهما على الجمود الفلسفي والدوغمائية، وتأكيدهما على نسبية الحقيقة وديناميكيتها، إلا أن الفرق بينهما جذري. يقدم ديوي فلسفة أداتية تختبر الحقيقة بنجاحها العملي المباشر في بيئة ضيقة، لكنه يخلط بين الفرض والحقيقة، ويعجز عن اختبار الحقائق الاجتماعية والوجودية الكبرى. كما أن ديمقراطيته، رغم قيمتها الإجرائية، سرعان ما تتحول إلى شكل فارغ إذا لم تُربط بروح جماعية ونهضة شاملة، واكتفى بالتطلعات الأخلاقية دون وضع آليات لتحقيقها.
في المقابل، يقدم سعاده فلسفة غائية اجتماعية صارمة، تختبر الحقيقة بقدرتها على إفادة الكيان الإنساني والاجتماعي الشامل في بيئة واسعة هي التاريخ والمجتمع، وتشترط لتحققها وجوداً حقيقياً ومعرفة راسخة [1]، ويدعو إلى ديمقراطية جديدة تحافظ على الروح لا الشكل [4]. إنه يضع مشروعاً متكاملاً يجيب عن السؤال الأصعب: “كيف ننتقل مما نحن عليه إلى ما نطمح إليه؟”، عبر نظام اقتصادي عادل يقوم على إلغاء الإقطاع وتنظيم الاقتصاد على أساس الإنتاج [3][4]، ونخبة واعية، وشروط لوصولها إلى السلطة، ومفهوم “التعبير عن الإرادة العامة” الذي يعد ابتكاراً سورياً قومياً يتجاوز الجمود التمثيلي [4].
إن التفكير الحاضر قد دخل في طور الشيخوخة في العالم كله، والبشرية بأسرها تنتظر تفكيراً جديداً تنال به سعادتها وراحتها وحريتها. وهذه البضاعة الجديدة سيخرج أكثرها وأفضلها من سورية، بلاد العبقرية والنبوغ [4]. فالخلاف ليس على مبدأ “النفع” من حيث المبدأ، بل على طبيعته ومداه: نفع إجرائي وتكيفي في بيئة ضيقة عند ديوي، مقابل إفادة قيمية، تاريخية، ونهضوية في بيئة واسعة عند سعاده.
