الحلم الجماعي في زمن القهر:قراءة في بيداغوجيا المقهورين …

مروان صباح: 

الحلم الفلسطيني لن يموت! (كاريكاتير) -بالعربية       ثمة لحظات تاريخية تنكسر فيها المرايا ، فلا تعكس الوجوه ، بل تعيد إنتاج الكوابيس ، في تلك اللحظات ، حين يغدو الواقع سمّاً والجدران عالياً ، يلجأ البشر إلى ملجأ أخير لا تملك السلطة مفاتيحه : الحلم ، ليس الحلم الفردي الهروبياً ، بل الحلم الجماعي ، ذلك الفضاء الموازي حيث تعيد الجماعات بناء وجودها المهشّم ، وتستعيد صوتها المسلوب ، وتؤثث عالماً بديلاً لا يقهره سجان ولا تحدّه جدران ، هذه الظاهرة ، التىّ تبدو للوهلة الأولى انسحابية ، هي في جوهرها نتاج عضوي للقهر ، ومرآة تعكس تشوّه العلاقة بين الفرد والدولة في الأنظمة الاستبدادية ، ومحاولة مقاربتها تستدعي استدعاء أطروحات المفكر البرازيلي باولو فريري ، خصوصاً في كتابه المؤسس “بيداغوجيا المقهورين”، لفهم كيف يمكن لهذا الحلم أن يتحوّل من ممارسة سلبية إلى أداة تحرّر ، أو أن يظلّ أسيراً لدائرة الوهم التىّ يعيد إنتاجها .

في قلب النظام الاستبدادي ، حيث تختلط البيروقراطيا بالطبقية ، ويُفقد الفرد أي مساحة حقيقية للفعل السياسي أو الاجتماعي ، يتحوّل الحلم من نزوة فردية إلى ضرورة جماعية ، لم يعد الأمر مجرد هروب ، بل صار وسيلة للبقاء النفسي ، وطريقاً مختصراً لاستعادة كرامة مهدورة في عالم لا يعترف بوجودك إلا كرقم في ملف أمني ، في هذه المساحات الخيالية ، يعيد المقهورون تشكيل علاقاتهم ، ويخطّطون لمشاريعهم ، ويُصمّمون مدناً وحدائق وحوارات ، لا لأنهم يرفضون الواقع فحسب ، بل لأنهم يبحثون عن بديل إنساني لعلاقات اجتماعية تحوّلت إلى طقوس فارغة ، وهنا تكمن المفارقة العميقة : في غياب الديمقراطية ، يصير الهمس نوعاً من النقد ، وتتحوّل النميمة إلى بديل عن المواجهة ، وتصبح الشوارع كئيبة لأنها خالية من الفعل الإنسانيّ ، بينما تمتلئ العقول بالصور والحكايات التىّ لا تجد سبيلاً إلى الخارج ، لكن الأهم مما سبق هو أن هذه المساحات الخيالية لا تخضع لمنطق السلطة ؛ فلا رقيب فيها ، ولا مخبر ، ولا معتقل ، إنها مناطق حرّة بالضرورة ، وإن كانت متخيّلة ، وهذه الحرية الوهمية هي ما يمنح أصحابها انتعاشاً نفسياً مؤقتاً ، لكنها تحمل في طياتها بذور جمودها ، هنا يدخل باولو فريري ليفكّك لنا هذه المعضلة ، في “بيداغوجيا المقهورين”، يؤسس فريري لفكرة جوهرية : المقهور ليس مجرد ضحية ، بل هو حامل لإنسانية مشوّهة ، يحتاج إلى استعادتها عبر وعي نقدي يفضي إلى فعل تحرّري ، هذا الوعي ، في نظر فريري ، لا يتحقّق في العزلة أو في الحلم المنفصل عن الواقع ، بل في الممارسة العملية ، والحوار الجدلي ، والمواجهة النقدية للظروف ، لكن الحلم الجماعي ، كما نصفه هنا ، يبدو أقرب إلى الوعي السحري الذي يتحدث عنه فريري ، حيث يُسقط المقهور على واقعه تفسيرات خيالية بدلاً من تفكيك أسبابه الحقيقية ، إنه يشبه طالباً يحفظ الدرس دون أن يفهمه ، أو محكوماً يهرب من سجنه بإعادة دهان جدرانه ، دون أن يفكّر في كسر القضبان ، وهنا يكمن الخطر الاستراتيجي الذي ينبّه إليه فريري : الحلم ، إذا لم يكن ممهداً بفعل نقدي وجماعي ، يتحوّل إلى ممارسة تعيد إنتاج القهر ، لأنها تُفرغ الطاقة الجماعية من محتواها السياسي ، وتُحوّل الاحتجاج إلى تأمّل ، والمعارضة إلى أسطورة ، والتغيير إلى أمنية .

غير أن الحلم وحده لا يكفي ، كما أن اليقظة وحدها لا تنقذ ، هناك أداة وسيطة يغفل عنها الكثيرون : المنطق ، فالإنسان يحتاج إلى تنظير عقله وتنظيم فكره ، وإلا ظلّ أسير التناقضات ، ونحن هنا نستذكر مقولة الغزالي الشهيرة : “من لم يدرس المنطق ، لا يُوثق بعلمه”، ليس لأن المنطق غاية في ذاته ، بل لأنه آلة التمييز بين الصحيح والسقيم ، والطريق من المقدّمات إلى النتائج ، في غياب المنطق ، يصير الحلم فوضى ، وتختلط الرغبات بالأوهام ، وتصير المخيلة سجناً جديداً بدل أن تكون متنفّساً ، لكن السؤال الأعمق : كيف يمكن للفرد أن يمارس المنطق في مجتمع يمنع النقاش ويحجر الحوار؟ هنا يأتي الدور الثاني للحلم : فهو لا يكون ملجأً فحسب ، بل يكون مسرحاً للتجريب العقلي ، حيث يمكن محاكاة الحجج واختبار الأفكار في غياب الشريك الحقيقي ، لكن ثمن ذلك باهظ : فهذه النقاشات الخيالية “مكلفة الاستحضار ومرهقة الانحياز”، لأنها تبقى حبيسة الذهن ، ولا تجد ما يبلورها في الخارج ، فالإنسان، مهما كان شأنه العلمي ، يبقى محدود المعرفة ، وحتى لو تمكن من معرفة واسعة ، يبقى إنتاجها شيئاً مختلفاً ، ولهذا فإن كل منتج لها فهو صاخب بالمنطق ، وهذا المنطق هو ميزان العقل الذي لا يصحّ بدون احتكاك حقيقي بالواقع والآخرين .

هنا يبرز السؤال المحوري : كيف يمكن الخروج من هذه الدائرة المفرغة؟ إذا كان فريري يرى أن التعليم الحقيقي هو الذي يخرج الإنسان من “ثقافة الصمت” إلى “الكلمة الأصيلة”، فإن الحلم في السياق الذي نناقشه يقع على حافة هذا التحوّل ، يمكن للحلم أن يكون استهلاكياً ، يعيد إنتاج الواقع بصور مكرّسة ، أو أن يكون تمرّداً خصباً ، يفتح آفاقاً جديدة للفعل ، المطلوب إذنً ، كما يوحي نص فريري ، هو تحويل الحلم الجماعي من حالة انفعالية إلى مشروع سياسي-تربوي ، حيث يصير الحلم أرضاً للتدريب على الحرية ، ومختبراً للوعي النقدي ، لا بأس أن نحلم ، بل لا بد أن نحلم ، لكن الأحلام التىّ لا تفضي إلى أسئلة ، وإلى نقاشات جماعية ، وإلى خطط عملية ، هي أحلام تُستهلَك كمسكّنات ، لا كقنابل موقوتة تحت أسوار القهر ، فالتحرر ، في فلسفة فريري ، لا يتم بمعزل عن الآخرين ، ولا بخيال منفرد ، بل بفعل جماعي حوارى يعيد بناء الوعي والواقع معاً .

في نهاية المطاف ، يبقى السؤال الأكثر إلحاحاً : هل الحلم الجماعي في مجتمعاتنا المعاصرة هو علامة ضعف أم جنين قوّة؟ الجواب يتوقّف على ما نصنع به ، إذا ظلّ الحلم في شرنقته الفردية ، ولم يتحوّل إلى حوار جماعي ، ولم يُختبر بمنطق العقل ونقد الواقع ، فإنه سيظلّ صدى لليأس ، لا طليعة للأمل ، أما إذا استطعنا ، كما يدعونا فريري ، أن نجعل من الحلم ممارسة بيداغوجية تنقل المقهور من حالة الوعي السحري إلى الوعي النقدي ، فإنه قد يكون الباب الضيّق الذي تمرّ منه إرادة التغيير ، وحينها فقط ، سيتوقّف الحلم عن كونه بديلاً عن الحياة ، ليصبح بدايةً لحياة جديدة ، وحينها فقط ، سيكون بمقدورنا أن نقول إن الجماعة التىّ تحلم هي ذاتها الجماعة التىّ بدأت تتعلم كيف تفكّر ، وكيف تسأل ، وكيف تقاوم … والسلام  

Weniger anzeigen

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *