«لا درزية ولا علوية ولا شيعية… سوريا دولة سُنّية»: ناقوس الخطر!!

الطائفية انتحار  ما دفعني إلى كتابة هذه الكلمات ليس هتافًا عابرًا قيل مرة وانتهى، بل تكرار شعارات طائـ.ـفية في تجمعات وحشود داخل سوريا، من نوع: «لا شيعة، لا علوية، لا درزية»، وصولًا إلى اختصار بلد كامل بعبارة: «سوريا سُنّية».

المشكلة بالنسبة لي ليست فقط في بشاعة هذه الشعارات، بل في أنها تتكرر، وأحيانًا بحضور عناصر من الأمن أو الجيش، بل ونرى في بعض المشاهد عناصر يشاركون في مثل هذه الهتافات، من دون أن نرى محاسبة حقيقية تتناسب مع خطورة الأمر.
وهنا لم تعد القضية قضية مجموعة متعصبة تصرخ في الشارع.
القضية أصبحت قضية دولة.
فالطائـ.ـفية لا تبدأ دائمًا بالرصاص. تبدأ بكلمة، ثم تصبح هتافًا، ثم نعتاد سماعها، وبعدها يصبح الآخر غريبًا أو خائنًا أو عدوًا لمجرد أنه ولد علويًا أو درزيًا أو شيعيًا أو من قومية مختلفة.
وسوريا تعرف جيدًا نهاية هذا الطريق.
لكن لدي سؤال مباشر لمن يهتف «سوريا سُنّية»:
من فوّضكم أصلًا بالتحدث باسم السُّنة؟
السُّنة السوريون ليسوا كتلة فكرية واحدة، ولا جماعة سياسية واحدة. بينهم مدارس واتجاهات دينية مختلفة، وهناك حضور صوفي وطرق كالنقشبندية وغيرها، وهناك عدد كبير من السُّنة الذين يرفضون هذا الفكر أصلًا، ولا يرون في دينهم وسيلة لإقصاء شركائهم في الوطن.
ثم هل السُّنة عندكم عرب فقط؟
أين الكورد السُّنة؟
أنا كوردي سوري ومن بيئة مسلمة، وأقولها بوضوح: هذا الفكر لا يمثلني، ولا يحق لأحد أن يستخدم انتماءنا الديني لكي يتحدث باسمنا.
تعصبكم المذهبي لسنا طرفًا فيه.
آمنوا بما تريدون، ومارسوا شعائركم كما تريدون، وعلى الدولة أن تحمي هذا الحق لكم ولغيركم. لكن مؤسسات الدولة ليست ملكًا لعقيدة أو مذهب أو جماعة.
العسكري عندما يرتدي لباس الدولة ليس ممثلًا لمذهبه، بل لسوريا.
والشرطي سوري.
والقاضي سوري.
والدولة يجب أن تكون سورية، لا سُنّية ولا علوية ولا تابعة لأيديولوجيا جماعة.
وهنا أصل إلى مسؤولية سلطة أحمد الشرع.
كم مرة يجب أن تتكرر هذه المشاهد حتى نرى موقفًا واضحًا؟
إذا شارك عنصر أمن أو جيش في خطاب طائـ.ـفي، لماذا لا يُحاسب؟
وإذا قيلت شعارات تستهدف مكونات سورية بحضور من يمثل الدولة، لماذا تمر وكأنها مجرد حماسة أو تفصيل صغير؟
بالنسبة لي، هناك احتمالان، وكلاهما خطير:
إما أن السلطة لا ترى في هذا الفكر خطرًا حقيقيًا، ولذلك تتسامح معه، وهذه كارثة؛ لأن السكوت سيجعل هذا الخطاب يكبر ويشعر أصحابه بأن ما يفعلونه مقبول.
وإما أن السلطة ترفضه فعلًا، لكنها عاجزة عن ضبط العناصر والجماعات التي ما زالت تحمل عقلية الفصائل، وهذه مصيبة أكبر؛ لأنها تعني أن الدولة لم تستطع حتى الآن فرض منطق المؤسسة على من يحمل اسمها وسلاحها.
وهنا أسأل أحمد الشرع وسلطته:
كيف تريدون من العلوي والدرزي والمسيحي والكوردي وغيرهم أن يثقوا بهذه الدولة، إذا كانوا يسمعون خطابًا يستهدفهم، وأحيانًا بحضور من يحمل سلاح الدولة، ثم لا يرون حسابًا؟
لا يكفي أن نقول إن سوريا لكل السوريين.
نريد أن نرى ذلك في سلوك الدولة.
قيمة الدولة لا تظهر فقط في حماية الأكثرية؛ بل في أن يشعر أصغر مكوّن فيها بأن كرامته وحياته وحقوقه مصونة مثل أي مواطن آخر.
وهذا ليس منّة من أحد، بل أبسط معنى للمواطنة.
ما هكذا تُبنى الدول.
وأستعير هنا، بتصرف، عبارة للأستاذ ناصر أبو المجد، حفاظًا على الأمانة: من أقذر العورات التي يمكن أن يكشفها أي مجتمع الطائـ.ـفية والعنـ.ـصرية والإرهـ.ـاب.
والمؤلم أن سوريا دفعت من الدم ما يكفي حتى نتعلم خطورة هذه العورات، ومع ذلك ما زال البعض يتباهى بها وكأن شيئًا لم يحدث.
العلوي ليس بشار الأسد.
والدرزي ليس مشروع انفصال.
والكوردي ليس مواطنًا ناقصًا.
والسُّني ليس ملكًا للمتشـ.ـددين حتى يتحدثوا باسمه.
حاسبوا المجرم على جريمته، لا الإنسان على طائفته.
وأقولها لأصحاب هذا الفكر وللسلطة التي تصمت عنه:
سوريا ليست غنيمة لطائفة انتصرت على طائفة.
لم نتخلص من استبداد حتى نستبدله باستبداد مذهبي جديد.
سوريا ليست سُنّية، وليست علوية، وليست درزية، وليست عربية بمعنى إلغاء الكورد وغير العرب.
سوريا هي سوريا، لكل السوريين.
لا أحد فيها صاحب البيت والبقية ضيوف.
وإذا كانت السلطة الحالية جادة فعلًا في بناء دولة جديدة، فلتبدأ من هنا:
حاسبوا من يحرّض طائـ.ـفيًا، وخصوصًا من يرتدي لباس الدولة ويحمل سلاحها.
وإلا فلا تحدثونا كثيرًا عن «دولة لكل السوريين»، بينما يمر خطاب يقسم السوريين إلى أصحاب وطن وضيوف فيه من دون حساب.

ولات بكر

Weniger anzeigen

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *