هل لانزال شعوب الشرق الأوسط فكريا ومسلكيا في مرحلة البداوة ؟؟ , أو أنها تخطت البداوة ووصلت الى التحضر !, على الجواب أن يكون بمنأى عن المزايدات والتفاخرات والعنتريات , فمن يقول الحقيقة ليس أقل استعرابا من الذي يخاتل ويفخر ويعنتر ويزمجر ويبني القصور على الرمال, وما هي قيمة التفاخر العروبي ؟وهل يرفع التفاخر بالعورة من شأن الانسان ؟.
العروبة والاستعراب عورة أعمت بصر وبصيرة العديد من ضحاياها , انها لعنة كما عبر عن ذلك الشاعر نزار قباني , وهل اللعنة والعورة فخر ؟,تعيش الشعوب المرارة والألم والجوع والحسرة والاستغراب من وجود تخلف تمتد جذوره الى ماقبل 1440 سنة ,بالرغم من ذلك تهيمن البدوية بحلتها القديمة لحد الآن على الوعي الجمعي , المتجلي بسطوة الماضي البعيد المتجمد على حاضر عليه أن يتطور حفاظا على ذاته من الانقراض .
لا يرتبط تطور الانسان بالدرجة الأولى وفي معظم الحالات بارادته , وانما بظروف حياته , التي تمليها البيئة والطبيعة بشكل رئيسي على بعض الشعوب والجماعات المعرضة لها , فالبدوي تواجد صدفة وليس بخياره وارادته في الصحراء , توازن القوى في تفاعله مع الصحراء كان ولا يزال لصالح الصحراء , لذا ليس له الا تغيير نفسه كي يتأقلم مع أوضاع بيئوية لاسبيل له الى تغييرها, لذلك تزاوجت عند البدوي شمائل كحماية من يلجأ اليه مع رزائل مثل الفظاظة والتوحش والغلو بالدين , ثم الاعتماد على الغزو والنهب في تغطية مصاريف حياته (اقتصاد المغازي) , فالصحراء لاتقدم سبلا لممارسة العمل في الزراعة مثلا ,التي تصقل العقل والعضل بخواص الانتاج والعيش من المنتج , للتفاخر بالحسب والنسب اسبابه البيئوية العائلية القبلية ايضا , وللنظرة الدونية للمرأة , التي لاتتمكن من ممارسة السطو على القوافل التجارية ونهبها كالذكر علاقة مع البيئة الصحراوية وضرورة الغزو , تحول الثأر الى رادع كالعقوبة عند القضاء المعاق , اذ أن تأسيس قضاء عادل يتطلب الانصياع لقوانين هذا القضاء العادل , الذي يتضارب وجوده مع وجود زعيم القبيلة ,الذي يعمل أيضا كقاضي بأحكام نزواته ومصلحته الشخصية .
نظرا لعدم وجود مصدرا للرزق كالزراعة , اصبح السطو والنهب مصدرا للعيش , والسطو يتطلب رجالا أشداء في ممارسة الحروب , والحرب تعني قتال واقتتال , لذلك فان مهنة البدوي هي القتل وممارسة الحروب , وعندما لايجد البدوي عدوا خارجيا يتحارب داخليا ويتقاتل ذاتيا , الشغف بالقتال كان ولا يزال من أبرز معالم الشخصية البدوية , التي لم تعرف في الجاهلية الأولى وفي الجاهلية الثانية أكثر من ممارسة الحروب .
لا تشترط البدوية لبس الجلابية , فهناك الكثير من عقليات البدوية عند الذين يرتدون البدلة الرسمية , المهم كان العقلية وليس الكسوة الخارجية ,البدلة ممكنة في المدينة والبقاء في العقلية البدوية عموما ممكن ومريح , لأنها لاتحتاج الى جهود التطوير , فالتطوير عسير في الصحراء البدوية ,ثم أنه شبه مستحيل بدون امكانية التفاعل والاحتكاك مع الغير , وكيف يمكن ممارسة التفاعل مع الغير المتغير المتبدل باستمرار بسبب ضرورة التنقل من مكان لآخر طلبا للماء والكلأ ,لذا لاتبني البدوية المدن , التي تعرف الثبات في المكان .
البدوية امية , ولا نعرف عنها كتابة كتابا واحدا , أي أن “ثقافتها ” شفهية , والثقافة الشفهية لاتؤمن التفاعل والاحتكاك مع الغير كما فعلت الثقافة اليونانية -الرومانية , تترافق الشفهية والأمية مع عدم التمكن من التعرف على ماهو جديد عن طريق القراءة , والقراءة تتطلب وجود كتب والكتب لم تكن موجودة , وحتى بعد مجيئ مطبعة نابليون قبل مئات السنين الى مصر ,لايزال عدد الكتب المطبوعة المنشورة في منطقة الشرق الأوسط اقل بدرجات من عدد الكتب التي تطبع في اسرائيل , المستعرب المتبدون يقرأ في هذا العصر صفحتين سنويا , بينما يقرأ الاسرائيلي 50 كتابا سنويا ويقرأ الألماني او الهنغاري أو البرتغالي ما يقارب الخمسين كتابا سنويا , رفعت الثقافة الشفهية من أهمية خطب المشايخ وأهمية القنوات التلفيزيونية وبالتالي توسعت دائرة الجهل بين الناس .
للثقافه الشفهية البدوية علاقة وثيقة مع ممارسة العقل لوظائفه ومهماته , اعتماد العقل على الثقافة الشفهية يحوله الى عقل على قدر كبير من المقدرة على تحمل الاعوجاج باستسلامية مميزة ومذهلة ,لايتمكن العقل المستسلم من التعرف على الهمجية وبالأخص على معالجتها , ولايتمكن من ادراك الفوضى والتمكن من ازالتها , ولا يتمكن من ايجاد افق جديدة مثل افق بناء المجتمعات القادرة على التعامل مع مفهوم الدولة الحديثة ,التي تقوم على ثقافة افراد في مجتمع وليس جماعة الأفراد كالقبائل .
تعرف ثقافة جماعة الأفراد منهجية الاعتماد على الفرد مثل “بطل الأمة” ,الذي نعرفه من خلال معايشتنا للبطل والبطولات الفردية في هذه المنطقة ,لا أكثر من الأبطال بين البدو العرب وبين المستعربين , بينما لاوجود للبطل الفرد في اليابان او الصين او المانيا وغيرهم , المجتمع هو البطل في الدول المذكورة , لم تكن جيوش الفتوحات سوى جماعات من الأفراد الذين اتحدوا بهدف غنائم الحرب ,ولكل منهم كانت حصة اربعة أخماس الغنائم التي سرقها , ولكل قائد من قياداتهم مدينة يستغلها فلشرخبيل مدينته ولخالد ابن الوليد مدينته الخ , وللخلافة حصة خمس الغنائم , من يتعرف على كتاب ادارة التوحش لأبي بكر ناجي يجد فصلا موسعا عن فهم داعش لموضوع المحاربين و غنائم العرب وحصص الدواعش من السبايا والغنائم وحتى مشاريع اقامة ما يسمى دولا , حروب الفتوحات كانت الى درجة كبيرة شبيهة بحروب داعش !.
يعيش المستعربون في هذا العصر كجماعات من الأفراد الى جانب بعضهم البعض وليس مع بعضهم البعض , أي أنهم لم يشكلوا مجتمعا , وهذا كان أحد أهم أسباب الفشل العربي وفشل داعش في اقامة دولا , وكل تلك الفشل كان بشكل عام ترجمة لفشل البداوة , التبدون حول بلادنا الخضراء الى صحراء ….
Post Views: 6