سعاه عبد الرحيم:
في عالم لا تزال فيه النزعات القومية تتراوح بين التطلع إلى التحرر والسيادة من جهة، والانزلاق إلى التوسع والهيمنة والإقصاء من جهة أخرى[1]، تبرز نظرية أنطون سعاده القومية كبديل مختلف يتحدى كثيراً 2 المسلمات السائدة. فبينما تقوم معظم النظريات القومية الكلاسيكية والمعاصرة على أسس عرقية[2] أو دينية أو لغوية[3] تحمل في جوهرها منطقاً توسعياً (نحن الشعب المختار، أو نحن حاملو الحضارة الحقيقية، أو نحن أسياد الأرض، أو الناطقون بالعربية وحدهم تشكّل أمتهم، أو الأمة الإسلامية الجامعة)، يبني سعاده نظريته على مفهوم مختلف تماماً: الاشتراك الفعلي في الحياة ضمن بيئة جغرافية محددة بالعوامل الطبيعية، في مسار تاريخي مستمر[4].
هذا البحث يسعى إلى استعراض نظرية سعاده القومية كما وردت في كتابه “نشوء الأمم” ومؤلفاته الأخرى، وبيان خصوصيتها مقارنة بالنظريات القومية السائدة، كما يناقش الإشكاليات التي تثار حولها محاولاً تقديم قراءة نقدية متوازنة تنطلق من داخل النظرية لا ضدها.
—
الفصل الأول: أسس نظرية سعاده القومية – من العصبية إلى الاشتراك في الحياة
“نشأت الأمة من تفاعل النازلين في البيئة الجغرافية فيما بينهم وتفاعلهم مع الأرض في مجرى الزمن.” [5]
“وعي تاريخ هذه الأمة ووحدة حياتها ومصيرها ومصالحها العليا هو الوعي القومي.” [6]
1. الأمة: من العضوية العرقية إلى الاشتراك الجغرافي-التاريخي
يرفض سعاده التعريفات التقليدية للأمة التي تقوم على وحدة الدم أو الدين أو اللغة وحدها. فالأمة عنده ليست نتاجاً بيولوجياً ولا ثابتاً ميتافيزيقياً، بل هي نتاج تاريخي ملموس ينبثق من “الاشتراك الفعلي في الحياة” ضمن بيئة جغرافية محددة. وهذا الاشتراك يشمل: الصراع والتفاعل الاقتصادي، والتواصل الاجتماعي، والتداخل السكاني، والمخاطر المشتركة، والآمال المشتركة[5].
يوضح سعاده في شرحه للمبدأ الأساسي الرابع من مبادئ الحزب السوري القومي الاجتماعي أن الأمة السورية – كنموذج – لم تتشكل من فراغ، بل من آلاف السنين من التفاعل بين سكان الهلال الخصيب، الذين تبادلوا المنافع والمشاعر والأفكار، وعاشوا معاً تقلبات التاريخ من فينيقيين وآراميين وكنعانيين وآشوريين وبابليين ويونان ورومان وعرب وصليبيين ومماليك وعثمانيين، وأنتجوا في النهاية نسيجاً اجتماعياً واحداً، وإن ظلت فيه تنوعات داخلية. هذا الفهم يجعل الأمة مزيجاً سلالياً أو سلالة تاريخية (كما يقول بوضوح)، وليس نقياً عرقياً.
2. الحدود الطبيعية: عامل التوحيد وعامل الانقطاع النسبي
من أكثر ما يميز نظرية سعاده هو ربط وجود الأمة بالحدود الطبيعية. فالحدود عنده ليست خطوطاً سياسية مرسومة بمزاج القوى الاستعمارية، بل معطيات جغرافية قائمة: الأنهار عامل توحيد (تربط مناطق الحياة بعضها ببعض)، والبحار والجبال العالية والصحاري عوامل انقطاع نسبي (توقف دورة الحياة الاجتماعية والاقتصادية وتجعلها ترتد إلى الداخل وتحمي التفاعل الداخلي)[4].
هذا التصور يحمل نتيجتين حاسمتين:
· الأولى: الأمة لا يمكن أن تمتد خارج حدودها الطبيعية. إن خرجت دولتها عنها، تتحول إلى دولة إمبراطورية[7] لا دولة قومية، والإمبراطورية – في تحليله – كيان مؤقت مصيره الزوال أو التحول. وهذا موقف نادر في النظريات القومية، إذ يضع حداً نظرياً صارماً للتوسع.
· الثانية: الحدود الطبيعية “قائمة إن أرادت الدول الاستعمارية أم لا”. الجغرافيا تنتظر، والسياسة قد تتجاهلها مؤقتاً، لكن العوامل الجغرافية تعيد تشكيل الوحدة أو الانفصال على المدى الطويل.
3. المزيج السلالي والتنوع الداخلي
يؤكد سعاده أن “كل أمم العالم مزيج سلالي”، وسورية من هذه الأمم[8]. لكن الخط الحضاري السوري ظل مستمراً رغم الهجرات والاستعمارات المتعاقبة. هذا يعني أن التنوع العرقي والديني داخل الإطار الجغرافي ليس عيباً أو تهديداً، بل واقع تاريخي زاد من فاعلية الأمة، يجب قبوله كنوع من التنوع يحتاج إلى تنظيم لا إلغاء.
في الدولة القومية وفق فهمه للأمة، لا وجود لأقليات بل تنوع. كل المواطنين متساوون بالحقوق والواجبات، والدولة تقوم على فصل الدين عن الدولة (لا عن المجتمع)، وتعتبر الدين علاقة بين الفرد وخالقه. اللغة الرسمية هي العربية وسيلة التواصل المشترك، مع رعاية اللغات الأخرى الخاصة بفئات من الشعب، ورعاية الثقافة وتنوعها العام باتجاه وحدة الشعب التي هي نتاج الاشتراك في الحياة. من لا يقبل هذا الإطار يعتبر “أجنبياً مقيماً” – أي أن له حقوقه الأساسية لكنه ليس جزءاً من الأمة بالمعنى السياسي الفاعل. هذا يختلف جذرياً عن مفاهيم “الأقلية” التي تنشئ فئات قانونية وسياسية خاصة، ويرفض مفاهيم “التطهير العرقي” التي تنكر التنوع.
4. العروبة الواقعية مقابل العروبة الوهمية
يميز سعاده بين نوعين من العروبة: عروبة وهمية تقوم على الشعارات العاطفية والانتساب العرقي واللغوي المجرد[9]، وعروبة واقعية تقوم على المصالح المشتركة والتعاون بين الأمم العربية المستقلة ضمن حدودها الطبيعية. هذا التمييز يتيح له أن يكون قومياً سورياً (بالمعنى الإقليمي التاريخي) وفي الوقت نفسه عروبياً (بالمعنى الجامع القائم على التعاون وليس الاندماج أو الهيمنة). العلاقة مع الجيران والأمم العربية الأخرى ستقوم على التعاون والمصالح المتبادلة.
—
الفصل الثاني: مقارنة مع النظريات القومية المعاصرة
1. القومية العضوية الألمانية (الرومانسية)
تقوم على مفهوم “الروح الشعبية” (Volksgeist) والدم[2] والتراث اللغوي[3] الأسطوري، وتحمل في جوهرها منطقاً توسعياً (Lebensraum – حيز الحياة). سعاده يختلف:
· رفض العرق كأساس، والتأكيد على الجغرافيا والمزيج السلالي والتاريخ المشترك.
· رفض فكرة الشعب “النقي”، والتأكيد على المزيج السلالي.
· وضع حدود طبيعية مانعة للتوسع، بدل الدعوة إلى التوسع.
2. القومية الصهيونية[10]
تقوم على أسس دينية عرقية (الشعب المختار، أرض الميعاد)، وتنطوي على تهجير السكان الأصليين وتوسع استيطاني. سعاده يختلف:
· العلمانية الجذرية (فصل الدين عن الدولة).
· ربط الأمة بالإقليم الفعلي لا بالوعد الديني.
· مبدأ المساواة الكاملة بين جميع المواطنين بغض النظر عن الدين أو الأصل أو اللغة.
3. القومية الفرنسية (النموذج الجمهوري)
تقوم على اللغة والثقافة والقيم الجمهورية[11]، وتتبنى سياسة استيعابية تجاه الأقليات. هناك تقارب مع سعاده في العلمانية والمساواة النظرية، لكن الاختلاف في:
· أن النموذج الفرنسي فرض ثقافته استيعابياً أحياناً، بينما سعاده يرى أن التغير الثقافي يأتي بالحجة والإقناع والنخبة المثقفة القدوة، وليس بالإكراه، وتبقى الأمة قائمة على الاتحاد بالحياة مهما تغيرت ثقافتها.
· أن سعاده يقر بالتنوع داخل الأمة كحقيقة إيجابية، بينما النموذج الفرنسي الكلاسيكي كان يميل إلى طمس الخصوصيات لصالح الهوية الجمهورية الموحدة. النظرة الفرنسية بقيت تنظر وتعمل على قاعدة أكثرية وأقلية، في حين ألغى سعاده ذلك بالنظر إلى الواقع على أساس أنه تنوع الاتحاد في الحياة.
4. القوميات الإمبريالية (الاستعمارية)
تستخدم خطاباً قومياً لتبرير الهيمنة على شعوب أخرى، وهذا التبرير توفره النظرة القائمة على العصبيات العرقية واللغوية والدينية. سعاده يرفض ذلك جذرياً: الأمة التي تخرج عن حدودها الطبيعية تفقد شرعيتها القومية وتصبح إمبراطورية.
5. القومية العربية التقليدية (الناصرية والبعثية)
تركز على الوحدة العربية الشاملة التي تقوم على عصبية اللغة والعرق والدين[11]، مما سمح لها بتصور التوسع ليشمل الصومال وجزر القمر، وتعتبر الحدود القائمة “اقتطاعاً استعمارياً” يجب تجاوزه. سعاده يختلف:
· يرى أن لكل إقليم عربي حدوده الطبيعية وتاريخه الخاص، وأن الوحدة العربية ينبغي أن تكون تعاوناً بين دول قومية مستقلة يتطور.
· يعتبر “العروبة الوهمية” خطيرة لأنها تطلق أحلاماً توسعية غير قابلة للتحقيق، وتهمش الخصوصيات الإقليمية.
6. القومية التركية (الكمالية والطورانية)
يجب التمييز هنا: فقد نشأت القومية التركية في أواخر العهد العثماني كحركة طورانية تهدف إلى توحيد جميع الشعوب التركية لغوياً وسلالياً من الأناضول إلى آسيا الوسطى، وكان أتاتورك أحد أعضائها في بداياته. لكنه بعد وصوله إلى السلطة، قدم نفسه للغرب بشكل محسن وكتم شعارات التوسع العلنية، معتمدا قومية أناضولية إقليمية ظاهرياً. ومع ذلك، فعندما سمحت الظروف الدولية، لم تتردد تركيا في التوسع: فضمت كيليكيا ثم لواء إسكندرون (1939)، واستمرت في سياسات الضغط على الأقليات (الأرمن، الأكراد، السريان) وإنكار هوياتهم. وقد أشار سعاده بوضوح عام 1948 في خطابه بحلب إلى أن الدولة التركية ستتوسع باتجاه لبنان إذا تركت دون رادع، وجاء أردوغان لاحقاً لينفذ توسعات إضافية في سورية والعراق واليونان. وهذا يثبت قاعدة سعاده: القوميات القائمة على العصبية العرقية أو اللغوية تميل حتماً إلى التوسع متى ما توافرت الظروف المواتية.
خلاصة المقارنة: بينما تختلف القومية التركية مع سعاده في رفضها للتنوع الداخلي (فهي تنكر الأقليات لا تدمجها) وفي توسعها خارج حدودها الطبيعية، فإن سعاده يقر بالتنوع ولا ينفي وجود الآخرين بل يدمجهم في إطار المواطنة المتساوية على أساس التنوع، ويضع الحدوداً الطبيعية مانعة للتوسع.
—
الفصل الثالث: إشكاليات ومناقشات نقدية من داخل النظرية
1. إشكال الحدود الطبيعية: هل هي “طبيعية” حقاً؟
قد يقال إن مفهوم “الحدود الطبيعية” يحمل قدراً من الاجتهاد، فالأنهار قد توحد وقد تفصل حسب السياق، والجبال حاجز نسبي. لكن سعاده لم يترك الأمر للتأويل؛ فالحدود الطبيعية عنده ليست نظرية رياضية بل تقييم لواقع الحياة الاجتماعية والاقتصادية عبر تاريخ طويل. الأنهار الكبرى (كالنيل، دجلة والفرات، الأردن) شكلت عوامل توحيد تاريخية، والبحار والجبال العالية والصحاري الواسعة شكلت فواصل نسبية لكنها غير مطلقة (فجبال الألب لم تمنع توحيد إيطاليا لكنها ساهمت في تحديد شكلها ومنعتها من تجاوزها). التطبيق العملي يحتاج إلى دراسة كل حالة بمعطياتها، وسعاده قد حدد بالتحديد “القطر السوري الطبيعي” بالهلال الخصيب، رغم وجود مناطق خلافية قليلة
2. إشكال الأقليات: من “أقلية” إلى “تنوع”
نظرية سعاده تحل الإشكال نظرياً: لا أقليات بل تنوع، قانون واحد، مساواة كاملة. والتساؤل العملي عن الانتقال من مجتمع متنازع إلى هذا النموذج يواجه بشرطين: تغيير ثقافي تدريجي عبر النخب المثقفة بالحجة والإقناع حول الهوية، وبناء دولة قوية قادرة على فرض القانون وحماية الحقوق.
يمكن القول إن نظريته تقر بوجود التنوع وتراه يضيف لوناً جديداً للنسيج الاجتماعي ويغنيه لا يضعفه، تقبل أن تكون هناك مركزية قومية . فالتحول من “أقلية” إلى “تنوع” لا يحدث إلا عندما ترفض الهوية القومية أن تقوم على عصبية أحد المكونات. وأما من يرفض هذا الإطار رفضاً قاطعاً، فيعتبر “أجنبياً مقيماً”. هذا ليس خلق “مواطن من الدرجة الثانية”، بل تطبيق لمبدأ الإرادة الحرة في الانتماء: فمن يرفض الانتماء إلى الأمة اختياراً لا يمكن إجباره على التمتع بحقوق المواطنة الكاملة التي تستوجب التزامات متبادلة. الأجنبي المقيم له حقوقه الأساسية، لكنه ليس جزءاً من الأمة بالمعنى السياسي الفاعل، وهذا اختياره هو.
3. إشكال الدولة القهرية والشدة الأولى
سعاده لم يكن مثاليًا ساذجًا. الدولة لها طبيعة قهرية تختلف شدتها بين مجتمع وآخر وبين مرحلة وأخرى. السؤال ليس “دولة أم لا دولة”، بل “أي دولة وبأي قوانين وبأي ضمانات؟”. دولة سعاده تقوم على هوية الاشتراك الفعلي في الحياة، والقانون القائم على هذه الهوية، وفصل الدين عن الدولة، والمساواة، والعدالة الاجتماعية. هذا الإطار يضع قيوداً على القهر.
لكن من النزاهة الاعتراف بأن تطبيق هذه النظرية في مجتمع هش وممزق بالعصبيات القديمة سيلاقي معارضة حتمية من القوى التي تستمد شرعيتها من تلك العصبيات. لذلك، لابد من وجود “شدة أولى” في مرحلة التأسيس: دولة قوية تستخدم القوة القانونية لحماية الوحدة الوطنية وتطويق الفتنة وتفكيك هياكل العصبية، شريطة أن تبقى هذه الشدة مؤقتة ومقيدة بالقانون وليست هدفاً بحد ذاتها، وأن يكون الهدف النهائي هو بناء مجتمع قائم على الاشتراك الفعلي في الحياة، لا على الإكراه الدائم. هذه الشدة ليست “ديكتاتورية قومية” بل أداة انتقالية ضرورية كأي عملية بناء دولة بعد انهيار. الفارق الجوهري أن القهر عند سعاده ليس موجهاً ضد فئة معينة بهويتها، بل هو أداة لضمان النظام والقانون لصالح الجميع، ويتراجع تدريجياً كلما ترسخ الوجدان القومي الجديد.13
4. إشكال الاختبار العملي: أين التجربة؟
نظرية سعاده لم تُطبق بعد على أرض الواقع إلا في الإطار الحزبي، وكانت ناجحة طيلة عقود في الحفاظ على وحدة أعضاء من خلفيات متنوعة. أما في إطار المجتمع السوري الكامل فلم تطبق لعدم قيام الدولة السورية القومية الاجتماعية. وهذا يبقى نقطة ضعف أي نظرية سياسية.
لابد من الإشارة إلى بعض التقارب مع النموذج الصيني في الشأن الاقتصادي فقط، حيث اعتمدت الصين سياسات اقتصادية ناجحة في بناء الدولة، غير أن هذا التقارب لا يعني تطابقاً أو تبنياً لفكر سعادة في الشأن القومي أو الاجتماعي. فالصين لم تتبنَّ الحدود الطبيعية كمانع للتوسع، ولم تنف القومية العرقية بالكامل، ولم تطبق نموذج سعاده في العلاقة مع الأقليات (التبت، الأويغور). لذا، يظل القول إن نظرية سعاده لم تختبر بعد. وهذا ليس نقداً قاتلاً، بل دعوة لانتظار التطبيق أو تطويرها.
—
الفصل الرابع: دور النخبة والإقناع في التغيير الثقافي وضرورة الشدة المؤقتة
قال سعاده بوجوب تغيير النظرة إلى الهوية القائمة على عصبية العرق واللغة والدين، إلى هوية تقوم على الاشتراك الفعلي في الحياة، وبناء الوجدان القومي[13] و مفهومه للأمة[14]. وهذا يحتاج إلى تغيير ثقافي عميق. لكنه لم يقل إن التغيير الثقافي يتم بالقهر، بل بالحجة والإقناع، وقدوة النخبة المثقفة، ثم بتجربة الحياة المشتركة تحت سقف دولة واحدة تحمي التنوع وتوحد المصير.
هذا يضع مسؤولية ضخمة على عاتق المثقفين والسياسيين الذين يتبنون فكره. وكما يقول المثل الشعبي: “الناس على دين أوليائها”. إذا كانت النخبة فاسدة أو متسلطة أو منغلقة، لن يتحقق النموذج. أما إذا كانت النخبة واعية ومخلصة وقادرة على بناء مؤسسات تحترم القانون والتنوع، يمكن أن يتحقق النجاح، مع الأخذ بعين الاعتبار ضرورة مرحلة انتقالية تتسم بشدة مؤقتة لتفكيك العصبيات القديمة التي ترفض التغيير ، تماماً كما تحتاج أي عملية زرع كبرى إلى عناية مركزة أولاً.
الحزب السوري القومي الاجتماعي، في تجربته التاريخية، ضم منذ البداية أعضاء من مختلف المكونات السورية: بدو، أكراد، أرمن، مسلمون، مسيحيون، دروز، علويون… هذا يشير إلى أن التطبيق الأولي للنظرية لم يكن إقصائياً. لكنه لم يصل إلى السلطة بعد، لذا يبقى الاختبار قادماً.
—
الخاتمة: نظرية سعاده كبديل عملي في زمن القوميات المتوحشة
في عالم تتصارع فيه القوميات على الموارد والهوية والذاكرة، وتتحول كثير منها إلى أدوات للهيمنة والتهميش، تقدم نظرية أنطون سعاده نموذجاً مختلفاً: قومية بلا عرق، بلا تفوق سلالي. قومية تقوم على الجغرافيا والتاريخ والمصير المشترك، وتضع حداً للتوسع، وتعترف بالتنوع كأصل وليس عيباً، وتفصل الدين عن الدولة، وتدعو إلى التعاون بدل الهيمنة.
هذه النظرية ليست طوباوية، بل عملية بشروط: تحتاج إلى نخبة واعية تؤمن بها، وإلى دولة قوية قادرة على تطبيق “شدة أولى” مؤقتة لحماية الوحدة، وإلى ظروف دولية مناسبة ترفع فيها القوى الكبرى يدها عن المنطقة. صعوبات التطبيق معترف بها، لكن المبدأ صحيح، والإرادة قادرة على تجاوز العقبات إذا ما توافقت العوامل.
سؤال النهاية: هل يمكن لدولة سعاده أن تتعايش بسلام مع جيرانها وأقلياتها؟ نظرياً، نعم، شريطة أن تلتزم بمبادئها: حدود طبيعية مانعة للتوسع، ومواطنة متساوية للجميع، وتعاون عربي حقيقي. عملياً، المعركة ما زالت مفتوحة، والاختبار الحقيقي سيظهر مع الزمن، حين يسقط التدخل الخارجي وتستيقن النخبة السورية من أن لا خلاص إلا بالوحدة القومية الاجتماعية.
