ممدوح بيطار , جورج بنا :
من الصعب تقييم الوضع العسكري الحربي الحالي في لبنان , قبل أن تنجلي غبار المعارك وتعرف نتائجها , التي غلفت في المرحلة الحادة من الصراع العسكري بأغلفة مختلفة , منها غلاف النصر وغلاف الهزيمة , ثم ممارسة مشتقات التكفير مثل مشتق تخوين من يبدي برأي آخر بدون أقنعة النصر او الهزيمة , لم يعد الاحجام عن ابداء الرأي الصريح الواضح الجريئ سوى خيانة للعقل , أو بالأحرى خيانة للحقيقة, ولكن ما هي الحقيقة ؟, وهل يمكن اكتشافها بسهولة ؟ , أو هل يمكن تبسيطها بشكل يلغي ما كمن فيها من تناقضات نسبية او مطلقة .ليس من السهل تلوين الحقيقة بلونين , او اعتبارها اما سلبية او ايجابية , على سبيل المثال لايعني انتصار طرف بالتأكيد هزيمة الطرف الآخر, فمن النادر اكتشاف انتصارات حاسمة في هذا العصر , أنه من الممكن أن تكون بعض الانتصارات باهتة أو جزئية , وقد تتمثل نتيجة الحرب بهزيمة كل الأطرف أو بشكل آخر انتصار كل الأطراف , أو تكون النتيجة لا غالب ولا مغلوب , وفي بعض الحالات تتكون النتيجة من جمع غير متجانس للنقاط السلبية والايجابية , وبذلك يقال ان جهة انتصرت بالنقاط , اضافة الى ذلك هناك علاقة لتعريف النصر بالهدف , يشعر الأصوليون دائما بالنصر عندما يستشهدوا وينتقلوا بذلك الى جوار ربهم , بينما لايعترف آخرون بمفهوم الشهادة , ويصنفون قتلاهم في مصنف الخسارة البشرية , مصنف الشهادة رحب وكبير ومتناقض في ذاته , اذ سيصل الأصولي الى جوار خالقه قاتلا او مقتولا, له الجنة عندما يقتل كافرا , وله الجنة عندما يقتله كافر !, قد تنتصر جهة في السجال الحربي , ولكنها لم تصل الى اهدافها , لذلك يمكن اعتبارها مهزومة ,أو انها انتصرت تكتيكيا عند تحقيق الحد الأدنى من الأهداف , او عندما تحقق الحد الأدنى من الأهداف ولكن بخسائر كبيرة جدا , كما هو حال الدول الفقيرة , التي لا تتحمل التكاليف العالية , بينما الدول الغنية تستطيع تحمل تلك التكاليف.
يسبح العقل العربي في بحر من الخصوصيات الغير مفهومة بشكل واضح , احدى تلك الخصوصيات كانت ولا تزال شعوره بالانتصار لمجرد أنه حارب, وبغض النظر عن النتائج , يبقى منتصرا حتى ولو مات قتلا في الحرب , وحتى هروبه من ساحة القتال أو حتى تشرده ونزوحه وارغام مئات الألوف من البشر على النوم على أرصفة الشوارع ,حتى لو جاع واستجدى يعتبر نفسه منتصرا , وهذا ما لاحظناه في مقابلة صحفية مع شخص ينتمي الى حزبالله في مدينة بعلبك اللبنانية الذي طالب بالاستعداد لرفع رايات النصر في آخر ربع ساعة من الحرب الدائرة الآن .
لاتقتصر الخصوصية العربية على الانسان البعلبكي أنما تشمل الغالبية العظمى من الجنس العربي , المتصف بالحلمية والبعد عن الواقعية , ثم ميوله الجامح للانكار واستنجادة الدائم بالمؤامرة , يستفزغيره ويقع في مطب الحرب معه بدون تحضير أو حسابات , يخسر كل شيئ ,وبالرغم من ذلك يبقى منتصرا مفتخرا او منتفخا , أحيانا يبتكر مفردات خشبية لتوصيف النتائج المرة والمخيبة للأمل في كل الحالات تقريبا , كأن يصف حرب ٤٨ بأنها كانت ” نكبة ” , وحرب ٦٧ بأنها كانت ” نكسة”, وطوفان الأقصى كان ” نصرا ” الهيا بالرغم من مقتل وجرح مئات الألوف من الغزاوييين, وبالرغم من الغاء وجود غزة , انتصرت فتح عام ٨٢ في لبنان بالرغم من الغاء وجود فتح في لبنان وبالرغم من شحن جماعة فتح وقائدهم عرفات بالسفن الى المنفى التونسي , لا لزوم هنا للحديث عن انتصارات صدام في أم المعارك وبالتفسيل عن انتصارات السنوار , الذي الح قبل مقتله على وقف اطلاق الناار , بالرغم من انتصاراته في المعارك الحربية النارية, فمن ينتصر دائما على طريق نيران الحروب لايطلب اغلاق هذا الطريق.
نستنتج من ما ذكر باختصار بأن العرب لايدركون المعنى الحقيقي للانتصار وللهزيمة, ولا يدركون معنى النجاح في الحياة , وبذلك يختلفون بشكل اساسي عن الواقعية اليابانية , التي دفعت القيصر الياباتي للاستسلام بعد القاء القنابل الذرية على هيروشيما وناغازاكي , ويختلفون بشدة عن المانيا التي استسلمت بعد دخول الحلفاء الى برلين ,وعن فرنسا بعد دخول الجيش الألماني باريس ,ما فعله اليابانيون والالمان والفرنسيون بقيادة الجنرال فيشي كان العكس مما فعله العرب بعد النكبات والنكسات وبعد تعرضهم للمؤامرات كما يدعون دائما !, أخذ اليابانيون والألمان بوسائل نجاح من هزمهم, ومارسوا القطيعة مع الماضي , بعد بعض السنوات وصلوا المهزومون الى قوة من هزمهم , لابل تقدموا على من هزمهم , أما العرب فقد أصروا على احياء الماضي من جديد وعلى تجنب التلوث بالحداثة , فالحداثة بدعة وكل بدعة زندقة , الديموقراطية زندقة , والعقل مهلكة الايمان ,والايمان يسمح بمطالبة السماء بالتدخل لنصرتهم ,انغلق العرب على الماضي بينما انفتح المنهزمون في الحرب العالمية الثانية على المستقبل, اقاموا المدارس , بينما حرص العرب على تحفيظ القرآن , حتى انهم بعد لجوئهم الى أوروبا حاولوا نشر مدارس التحفيظ بشكل سري ومخالف للقانون مما دفع العديد من الدول خاصة هولندا الى ترحيلهم.
تجلت انتصارات العرب بمحاولة الحفاظ على الثوابت أي بالغاء التطور, تجلت انتصاراتهم بتكريس التخلف والانسداد واغلاق كل معابر الانتقال الى العصرنة, حرصوا على الحفاظ على القيم العربية الأصيلة , وهل كانت تلك القيم جيدة وملائمة للعصر ؟ كانت القيم بدون شك “أصيلة” ولكنها لم تكن لها من مهمة عصريا سوى “تأصيل ” الخراب الأخلاقي والوطني والاجتماعي , مثل العادات والتقاليد البدوية البدائية , لم يكن في هذه القيم ” الأصيلة” اي انقاذ او علاج لأمراض المجتمعات مثل الادمان على التحارب ثم الفساد والتعفيش , التي تمتد جذورهم الى حوالي ١٤٠٠, أي الى الجزية والعهدة العمرية وغنائم الحرب .
الحديث عن العقل العربي كان مختصرا جدا , فالمجال لايتسع للمزيد من التفصيل , واقعيا لايمكن انكار التأخر , لذلك يجب الاعتراف بتأخر العقل والمنهج ,الدعاء … اللهم زلزل الأرض من تحت مؤخراتهم الخ , ونظرية المؤامرة وغير ذلك من الفقاعات البلاغية لايقود الى الانتصار , العرب هم سبب تأخر العرب, لذلك على الخالق زلزلة الأرض من تحت مؤخرات العرب !
Post Views: 592
