ضعفت الشعبوية في اوروبا بعد الحرب العالمية الثانية وقويت في الشرق الأوسط , بما يعني انكفاء نماذج بشرية مثل ستالين وهتلر وموسوليني واشباههم في اوروبا , وانتشار نماذج بشرية سلطوية في المشرق مثل اردوغان وعبد الناصر والقذافي وأشباههم من ما يسمى اللاهوت السياسي , الذين تبنوا مضامين قومية بالدرجة الأولى , وغطوا بهذه المشاريع خططا أخرى مثل خطط تأبيد الحكم ثم صناعة الزبانية وتدجين الفساد , وبذلك اختلفوا عن الشعوبية الأوروبية , التي تضمنت عنصر الديموقراطية مثل مارغريب تاتشر الى جانب الديكتاتورية سابقا مثل هتلر وستالين وأشباههم , برهنت كل تلك التباينات ان الشعبوية مصطلح ذو أوجه متعددة ومختلفة وليست مفهوما متجانسا.
تميز الشعبويون عموما بنوع من الكاريزما بدرجات مختلفة من زعيم لآخر حسب الزمان والمكان , هؤلاء تحدوا المؤسسات التقليدية في اوروبا وامريكا , بعكس الشرقيين كالعرب بشكل خاص , الذين مارسوا التقليدية عمليا ولكنهم ناصبوها العداء نظريا , في اوروبا كان بالامكان الحفاظ على التعددية في معظم الحالات , أما في المشرق العربي فقد تم وأد التعددية بشكل عام وبدرجات مختلفة , هاهو اردوغان يصرخ بصوت عال “نحن الشعب , ومن انتم ؟” والقذافي سأل من تمرد عليه وحاصره في المجرور “من انتم !” من الدلالات على أن الشعوبية كانت مصطلحا ولم تكن مفهوما , كان ذلك التباين بين شعبوية أمريكا اللاتينية , التي استوطنت في ديار اليسار , مقارنة مع استيطان الشعبوية في ديار اليمبن في اوروبا , أما في بلاد العرب فقد كان الشخص موطن الشعبوية كعبد الناصر وصدام وغيرهم , من الذين اختذلوا الوطن والشعب بشخصهم .
تنطلق الشعبوية العربية المنتشرة خاصة بين الزعماء من منطق احتكار الشعب واختذاله بشخص الزعيم , المؤيد للزعيم هو الشعب , والمعارض ليس من الشعب, يتمثل في الشعبوية الزعامية في الشرق العربي الزعامي كون الزعيم القائد الى الأبد , الملهم والمفكر والقدوة , والشعب عموما ميال للانقياد له وورائه , لأن الشعب لم يعرف طوال ١٤٦٠ سنة سوى الانقياد , الذي كان لفترة ما قسري , ثم تحول الى شبه غريزي فطري تجذر في الوجدان الشعبي العربي ,لقد أصبح الانقياد الأعمى غريزة والتقديس غريزة أخرى , ومن الغرائز كانت هناك غريزة التقوقع والعزلة , التي كانت نتيجة لشيطنة الغير وشيطنة التلوث به , هنا تعلق الأمر ولو جزئيا بالغير , الذي لم يتمكن من خلق بيئة احتكاك وتفاعل مجدية مع العرب, الذين ابتلوا بمفهوم ” الخصوصيات ” العربية , الذي اعاق العرب في فهم الغير , وأعاق الغير من فهم العرب .
اهم ما في الشعبوية كانت ثقافة الغاء الآخر ,الذي لاينتمي الى خير امة , التي انعكست على الداخل بشكل الغاء المواطن الآخر او الحزب الآخر , كل ذلك توافق لاشعوريا مع نشوء ثقافة الزعامة الأبدية المتوارثة , بحيث يجب طرح السؤال التالي , هل تستطيع شعوب من هذا النوع من العيش مع الديموقراطية الانتخابية ؟ أو انها مرغمة غريزيا قطريا وبفعل الاعتياد على الديكتاتورية المزمنة على تفريخ هذه الديكتاتورية وتناسلها باستمرار ؟.
هل الديكتاتور هو من اغتصب ارادة هذه الشعوب ؟, أو أن الشعوب هي التي اغتصبت الفرد وحولته الى ديكتاتور , لا تتمكن الشعوب , التي تمارس ثقافة تكرار التاريخ وثقافة اجترار الأمس وثقافة اعادة انتاجه الا في التعامل مع القائد الشعبوي الآتي من الماضي ,الذي يبرر الاجترار بكون الماضي كان مجيدا ,ويبرر تقديسه بكونه جزءا من فطرة الانسان العربي , ومن أجل تكريس ثقافة الاجترار كانت هناك قوى شعبية مؤسسة على مبدأ اجترار الماضي مثل الاخوان والعروبيين , الذين مثلوا لحوالي قرنا من الزمن اكثرية شعبية , وتقاسموا الحكم والارادة والادارة والقرار بين بعضهم البعض , لقد كانوا فعلا الشعب , الذي اقام الأصنام اي الديكتاتوريات بملئ ارادته ورغبته , لم تعرف شعوب هذه المنطقة طوال ١٤٦٠ عام سوى الطاعة والانصياع والتبعية , ولم تذوق طعم الحرية , لذلك تحولت طبيعة هذه الشعوب الى طبيعة العبيد ,التي تستلزم حسب المثل الشعبي المقرف العصا .
لربما تتمكن نظريات الفيلسوف الجزائري مالك بن نبي حول القابلية للاستعمار , وفرضيات الفيلسوف الفرنسي غوستاف لو بون في كتابه سيكولوجيا الجماهير من توضيح بعض جوانب هذا الوضع الغريب المؤلم !. للبحث تتمة