جورج بنا , ربا منصور :
كيف يصعد التيار الاخونجي ؟, وكيف ينحسر التيار القومي أو بالعكس ؟, مع العلم انه لافكر في عقل التيار الاخونجي , ولا فكر في عقل التيار القومي العربي , القصد بانعدام الفكر هو انعدام الشكل “الايديولوجي” عند الاثنين , فالايديولوجيا هي علم الأفكار, الذي يدرس مدى صحة أو خطأ الفكر الذي يحمله الانسان , وعليه تبنى نظريات وفرضيات تتناسق مع تطوير الحياة الى الأفضل , لذلك لاتستقيم الثوابت القومية أو المذهبية مع العلم الايديولوجي , فالثوابت ليست ايديولوجية لأنها لاتخضع للشك بكونها خاطئة أو صحيحة , انها صحيحة دائما بنظر من يحملها من العنصريات القومية والمذهبية .
الاستخدام المألوف والدارج لمفردة “الفكر ” الديني , ولمفردة “الفكر” القومي العربي , هو استخدام مجازي , يعتمد الأول على الأساطير الغيبية التي نقلها جبريل , والثاني على الأساطير الساكنة الغير متبدلة أو القابلة للتطوير كالخاصة الديموغرافية الثابتة الساكنة، ثم المعالم التراثية الماضية مثل اللغة والتاريخ وتشابه العادات الى آخر المعالم والخواص التي سميت قومية , لايحتاج الغيبي الى تفكير انساني , لأن الله فكر وأرسل أفكاره مع جبريل الى ابن عبد الله , ثم ان الساكن الغير متحول لايحتاج الى تفكير ,فماذا نفكر بخصوص اللغة المشتركة والتاريخ المشترك وغير ذلك من الخصائص الجاهزة من الماضي , في كل من االتعبيرين يتجاوز الانسان بكلمة “فكر” ديني أو قومي عربي الواقع , ويستدل بالكلمة على ما لاتدل عليه .
ليس من المستغرب صعود التيار الديني على أنقاض التيار القومي, الذي لم ينجح بدوره الا بالصعود على انقاض التيارالديني , الذي فشل في تسويق عملية التحرر من الاستعمار, في حين نجح التيار القومي بذلك , ومن المتظر ان يصعد تيار جديد ومن جديد , لربما القومي مجددا على أنقاض التيار الديني ,الذي توقف صعوده , وذلك بعد فشل التيار الديني في التعامل مع اشكاليات ومشاكل الشعوب ,نجاح مؤقت ونسبي لتيار على انقاض فشل الآخر !,وهكذا يتم التناوب في الحلقة المعيبة!
كلهم فشلوا في تقديم مراجعة نقدية لأوضاع العالم العربي، كلهم فشلوا في ابتكار فكر جديد منتج , ولم ينجحوا الا في أمر واحد كان افشال التطور الاجتماعي والاقتصادي والسياسي في هذه البلدان ,وكل بدوره ,والأدوار تدوم عادة عقودا من الزمن ..
لنأخذ مثالا من الواقع , فصدام حسين اشترك مع حافظ الأسد في تنقية الأجواء السورية والعراقية من كل ثقافة سياسية ,تملكوا الأوطان وما عليها من أهل وماشية , وقاموا بتوريثها الى الأبناء والأحفاد حلالا زلالا , ضربوا القوى الديموقراطية ومحقوها عن بكرة أبيها , والآن يتباكى مؤيدوهم من الزبانية السلفية السياسية القومجية لعدم وجود خلف سياسي فهيم وذو خبرة لهم ,يتباكى أخرون على عدم وجود معارضة تستطيع انقاذ البلاد , واين يمكن لهذه المعارضة أن تنبت وتنمو في دول جرت صحرنتها سياسيا ؟ , ومن أين تأتي المعارضة ذات الخبرة الكافية لقيادة البلاد ؟, بعد أن قضى كل معارض حياته في السجن , منهم من قضى نحبه , ومنهم من تشوه جسديا ونفسيا ومنهم من ينتظر .
كلهم قتلوا وسحلوا من خالفهم بالرأي , ونصبوا لذاتهم التماثيل على الهضاب والجبال , ماعدا عبد الناصر , وكلهم سطوا على مقدرات البلاد المادية , وسطروا المليارات المسروقة في البنوك الأجنبية , أيضا ماعدا ناصر,لربما لأن موته المبكر لم يكن بالحسبان,كلهم طبلوا وزمروا للوحدة , وما قاموا به لم يكن الا تكريس الشرذمة والتفتت ٠
حققت العسكرية السورية الوحدة الاندماجية مع مصر , وحزب الوحدة والحرية والاشتراكية فصم الوحدة مع مصر , ثم انقلب عام 1970 على الانفصاليين , ليمارس سياسة أكثر انفصالية , ثم جاء دورالجفاء العراقي- السوري , واندلعت الحروب بين رواد الوحدة والحرية والاشتراكية ,ارسل كل طرف للطرف الآخر الارهاب والارهابيين والمتفجرات ,لالزوم للحديث عن الحرية والاشتراكية , فحتى المصاب بالعمى يرى أنه لاحرية ولا اشتراكية ولا وحدة في بلدان الاشتراكيين الوحدويين .
مارسوا جميعا الطنطنة بالشعارات القومية والخطب التهريجية , حاربوا التيارات الدينية ظاهريا , ليس بسبب بعدهم عن االنهج الديني , وانما بسبب خوفهم من لعق التيار الديني لمكاسب السلطة , ففي العام الذي أعدم به عبد الناصر سيد قطب , ادخل في الدستور المصري كل مطالب الجماعة الاخوانية , لم يفعل الأسد غير ذلك , فحين تزامن الهجوم على بعض مكونات التيار الديني (الاخوان), تمت تلبية رغبات مكونات دينية أخرى, لذلك اقيمت مدارس تحفيظ القرآن واقيمت فضائية دينية , وجاء قانون أحوال شخصية مفصل ومقصوص على قد النهج الديني , كل ذلك تم في ظل المادة ٤٩ من قانون العقوبات , التي رأت عقوبة الموت شنقا لمجرد العضوية في جماعة الاخوان .
لم يشعر المواطن في أي لحظة بوجود تباين بين السلطة التي تسمي نفسها علمانية مدنية وبين التيارالاخونجي في الشؤون الداخلية والخارجية , خارجيا لايوجد مثل أقبح من المثل السوري , حيث لم يبق للسلطة من صديق الا الملا الايراني -العراقي والامام اللبناني وأنصار الله من حوثي اليمن ,كلهم كانوا حلفاء السوري “العلماني” , الذي لايفترق عنهم الا بربطة العنق ,حلف طائفي بامتياز! , أما الحليفة السابقة حماس فقد كان عليها أن ترحل ورحلت , لأنه ليس من منطق المذهبية وجود السني في العرين الشيعي, عادت حماس مؤخرا الى الحضن الايراني للعديد من الأسباب المادية بالدرجة الأولى !
من انكى صور التوافق القومجي – الديني , الذي يتناوب على تخريب البلاد , كانت الصورة التي تبرر بها السلطات “العلمانية ”السورية تواطئها مع المكون الديني ,فالسلطة تدعم البرامج التلفيزيونية الدينية والبرامج الاذاعية الدينية وتعطي التسهيلات الدعائية لرجال الدين ,وضعت السلطة” العلمانية”السورية كل الوزارات تحت اشراف وزير الأوقاف , ثم الغتت الاتحاد النسائيوأعطت القبيسيات ترخيصا بالعمل الخ , قائلة انها تريد بذلك شرح الدين بشكل صحيح , وهل يوجد دين صحيح ودين غير صحيح ؟ ,فالصحيح وغير الصحيح نسبي , ومنذ 14 قرنا تعتبر بعض الفئات الدينية بعض الفئات الدينية الأخرى غير صحيحة في دينها او تدينها ,تطور الأمر في العديد من الحالات الى حروب دموية بينهم .
تتناغم السلطات القمعية القومجية مع التيارات الدينية , التي تؤمن بالقطعية , ولما كان للتيار الديني الهه , وجب على التيار القومجي خلق اله له ,وابتكار الآلهة كان أمرا سهلا , اننا نجده بأوضح صوره في شعار “الله ..سورية ..بشار ..وبس ” ففي الشعار تناظر موقع بشار مع سوريا ومع موقع الله , وبالتالي أصبح بشار الها ايضا .
لم يتمكن التخاصم الظاهري بين التيار القومي والتيار الديني من التمويه على البنية الدينية الالهية للنهج القومجي , فالعداء للعرعور الذي يريد سرقة السلطة , قابله التوافق مع البوطي والحسون , الذي قبل بتقاسم السلطة,يدا بيد من أجل تخريب البلاد بالتناوب ,الآن القومجي وغدا الأصولي وبالعكس , وهكذا تدور الدائرة ويضيق الخناق على الوطن , الذي فقد الوعي قبل أن يموت نهائيا ويعطيكم عمره .
معظم فئات الشعب , خاصة الفئات الصامتة , ملت من هذه المناوبات ونوبات التخريب , الا انه لاحول ولا قوة لها , لاتملك البندقية الوهابية ولا تملك مدفعية الملالي, لاتملك المال الوهابي , ولا مال الملالي , ولا يعرف الا من يجلس في السماء كيف ستتطور أمور الأرض , التي تدور عليها المعارك , قد يكون من حظ الأكثرية الصامتة أن تصاب الديوك المتقاتلةوالمهيمنة بالاعياء قبل أن ينزف الوطن كامل دمه, للأسف كل الديوك لاتزال نشطة وتعتقد انها تستطيع التهام كامل الكعكة , وهذا ما يجعل الشعوب بعيدة عن أي حل , وقريبة جدا جدا من الانحلال .
