ثلاثية البدوية الذهنية , قبيلة , غنيمة , غلبة !

ممدوح بيطار , سمير صادق :

خلف الكواليس - إعلامكم الكاذب وصل الفضاء و صور تحطم المركبة اليهودية و عجز عن تصوير بلالين غزة الحارقة و المتفجرة ... لعب التضليل الإعلامي دورا كبيرا في حروب العصر الحديث مستغلا    لقد كان مفهوم “الوطنية ” نتاجا لتطور أشكال الحكم القديمة , المؤسسة على مبدأ “الغلبة”, الذي تطور ومر بأشكال مختلفة الى أن وصل الى الشكل الحالي في المجتمع المدني , القائم على العلاقات التعاقدية بين السلطة والمجتمع , فمفهوم “الغلبة ” هو مفهوم سابق لمفهوم المواطنة , مفهوم متشعب ومظهر من مظاهر التكوين الشخصي والذهني لبعض الجماعات , في سعيها للتعريف بنفسها , حتى لو كان التعريف بالنفس بخواص ومعالم سلبية كالعنف والتخريب والقتل ,هناك من يتفاخر ويتبجح بكل هذه الخصائص والمعالم .
يمكن التعرف على خاصة الغلبة عن طريق دراسة الشخصية البدوية الممثلة لثالوث القبيلة , الغنيمة , والغلبة , فمعالم هذه الشخصية البدوية المفرزة للقبلية وللغلبة والغنيمة كانت محصلة تراكمات مجتمعية وتأئيرات بيئوية , لينتج عنها نمط معيشي ومسلكي حياتي متعضي ومتجذر باعماق النفس ,معالم تبفى ثابتة بالرغم من التحضر والعمران والتحديث الاستهلاكي , تسكن العقلية البدوية أحيانا في ناطحات السحاب البعيدة عن الصحراء , الا أن السكن في ناطحة سحاب لايطال البنية التحتية للعقلية البدوية لساكن ناطحة سحاب , يبقى بدويا بدون ناقة أو جمل , البنية التحتية للعقلية البدوية , هي الحصن الذي يجب اختراقه , عندما تريد الشعوب طرد هذه البدوية من كيان الشخص أو المجتمع ,تتجذر البدوية المنتجة لمفهوم الغنيمة,الغلبة والقبيلة في عمق اللاشعور , كنظام وثقافة مايسمى البدوية الذهنية ,
البدوية الذهنية هي حالة ثقافية ونظام رمزي وقيمي شديد التأثير على السلوك البشري بشكل عام , وكون البدوية الذهنية ثقافة بشكل عام يجعلها صعبة الاقتلاع عن طريق قوانين ومراسيم ,تتميز البدوية الذهنية بكونها عصية على التأقلم والتجانس مع منظومات كالدولة والقانون والمؤسسات , فما يهم البدوية الذهنية بشكل رئيسي وعام هو مفهوم “الغلبة” ,فمنصب أو كرسي الفرد المصاب بالبدوية الذهنية في الدولة هو تمثيل ونتاج لغلبة قبيلته , لذا يتعامل هذا الفرد مع المنصب بارتجالية وغوغائية وفوقية كما تتعامل قبيلته مع القبائل التي أخضعتها لهيمنتها , مطبقا نظام القبيلة , ومتجاهلا منظومة الدولة, الادارة هي غنيمة جاءت عن طريق الغلبة أي غلبة القبيلة أو العائلة , لذلك ينقل السيد المدير قبيلته ومصالحها وحتى شخوصها الى الادارة , فالحاجب من قبيلته والكاتب من قبيلته والمحاسب من قبيلته الغالبة , ولو لم تكن قبيلته غالبة لما كان له هذه الادارة .
لاتنحصر الغلبة على المشاعر والمعنويات ,فللغلبة قوة تنفيذية , تحرص على اختلاق وتأسيس الهيمنة وتطبيقها, وعلى السيطرة واستفرادها , ترفض المنافسة السلمية , وتكره بذل الجهد خارج ساحات الوغى واستعمالات السيف والعنف , قليلة الحماس للعمل والانتاج , وكثيرة الشغف بالسطو وتجميع غنائم الحرب , فالمنصب السياسي ليس منصب الفرد لكفاءته , وانما منصب قبيلته وعائلته وطائفته , لذلك يصبح هم الفرد الموظف ضمان أقصى مايمكن من الريعية والخدماتية والمنافع المادية لقبيلته وعائلته , وهكذا تنتقل قرية بكاملها الى الوزارة او الى القصر , بمجرد تحول أحد أفرادها الى مسؤول أو وزير أو زعيم , الزعيم لايحكم لوحده, انما تحكم قبيلة معه , انه بذلك البدوي الأول .
تأسس مفهوم الفتح على مفهوم الغلبة ,وعلى مفهوم الحق عند البدوية الذهنية في تملك البلاد المفتوحة , فالبلاد المفتوحة تتحول الى غنيمة حرب, حلال زلال لمن تمكن من الانتصار بالسيف واحتلالها بالغزوة وبأداة الغلبة , فتملك بلاد الغير هو حق بدوي , وكم من دماء سالت على الأرض المفتوحة , لقد دفع الفاتحون ثمن الأرض بدمائهم الطاهرة !!!!! , أو بالأصح بدمائهم العكرة , لذلك لايعتبر الاخونج العروبي الأرض المفتوحة أقل من أرضهم التي اشتروها بالدم وعرق الجبين ,ومن كان هنا البائع ؟وهل اتفق الشاري مع البائع على السعر المكون من الدم وعرق جبين الغزاة .
بخصوص مفهوم التملك بالسيف وعرق الجبين , اصطدمت ثقافة الفتح مع ثقافات بقية البشر على هذا الكوكب ,مما دفع عصبة الأمم في بداية القرن الماضي على اتخاذ موقف من موضوع الفتح , فبعد الحرب العالمية الأولى وشيوع مبادئ الرئيس الأمريكي ويلسون الأربع عشر, تم الاتفاق في عصبة الأمم على الغاء وتجريم حق الفتح , الى جانب الغاء مفهوم الفتح , اعلنت عصبة الأمم رفض الاستعمار والتملك عن طريقه ورفض الاستعباد , ثم اعلاء مفهوم الوطن والمواطنة وحصانة الوطن , تحول الاستعمار والاستعباد الى ممارسات ممقوتة ومرفوضة منبوذة حتى في سياقها التاريخي , اذ لايجوز الالتفاف على رفض الاستعمار عن طريق مفهوم السياق التاريخي , الاستعمار والاحتلال والفتح ممنوع اينما كان وفي أي زمن كان وفي أي حالة كانت , لقد قضي على ثقافة الفتح كما قضي على نموذج ماقبل الدولة المدنية , فلا تبرير للحروب ولا تبرير لاحتلال القدس أو فتحها من قبل عسكر ابن الخطاب , الاحتلال والفتح ليس تحرير ,انما استعمار ممنوع قانونيا ومرفوض أخلاقيا , لاتبرير عن طريق تلفيقة التحرير , ولا يمكن أن يكون الفتح تحريرا من استعمار موجود , عندما يحل “المحرر” الجديد مكانه كمستعمر ويبقى مكانه كمستعمر ومستبد جاهل وبربري لعشرات القرون .
لقد كان العرب حقيقة من أكثر المستفيدين من هذا التطور , المتمثل بانهاء حق أو مفهوم الفتح , واقرار حق تقرير المصير , الذي فسح المجال للعرب من أن يصبحوا أحرارا, وأن ينتهي استعمارهم من قبل الفاتح العثماني , الا أن العرب أحرقوا أوراقهم الرابحة عن طريق ازدواجيتهم وانفصاميتهم , التي دمرت سمعتهم ومصداقيتهم وأخلاقهم ومنطقهم , لايمكن للمنطق السليم تحمل تفاخر العرب بفتوحاتهم التي امتدت من ريف باريس الى حدود الصين , وفي نفس الوقت استنكار احتلالات غيرهم لأراضيهم .
الغاء حق الفتح كان مناسبة جيدة لأنسنة الوعي السياسي والانساني لشعوب هذه المنطقة , الغاء مفهوم الغلبة المكثفف لمفهوم حق القوة , كان مناسبة جيدة لتعلم اساليب التداول السياسي السلمي , وبالتالي تجنب العنف الذي قضى على العديد من الدول العربية ,من اليمن الى ليبيا الى سوريا والعراق والحبل على الجرار , الغاء مفهوم الغلبة كان من مصلحة الجهة التي لاتتمكن من التغلب , لكن يبدو وكأن المنطق البدوي لايسمح بالانحياز للتحضر, انه مدمن على مفاهيم الغالب والغلبة , دون التمكن من التغلب في هذا العصر بسبب ضيق الحال ,أمة صوتية تتغلب بالضجيج والزعيق والسباب, وفي ساحات الوغى هروب !

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *