من العروبية الى السورية !

ممدوح بيطار ,  عثمان لي :

 العروبة المتعبة.. – syriano   لايمكن النظر الى الفشل العربي دون التساؤل من أين أتى ذلك ؟هذه الشعوب لم تنجح للعديد من الأسباب , وذلك بالرغم من كون عوامل النجاح الموضوعية متوفرة , الدول مستقلة والامكانيات المادية متوفرة , ولا لزوم لخوض غمار التجارب القاسية , اذ يمكن الاستفادة , ولو جزئيا, من نتائج تجارب الآخرين .

أحد أسباب التردي والعنانة التي أصيب التقدم بها , كانت العلاقة المرتبكة بين الماضي وبين الحاضر , واصرار بعض الفئات على استحضار الماضي بقضه وقضيضه الى الحاضر , ثم استزراعه في الحاضر , يصرون على عدم التعرض للماضي تفكيكا وتحليلا , وينصحون بالتوجه نحو المستقبل , فتفكيك الماضي يولد الفتنة , التي تقود الى التشرذم والقتل , التلويح براية الفتنة ليس سوى تهديدا بممارسة العنف .
كيف نفهم نصيحة ضرورة التوجه الى المستقبل , عندما يكون الناصح ماضوي بامتياز , ينهون عن نبش القبور أي عن التحليل والتفكيك !, ويريدون  في نفس الوقت استحضار هذا الماضي بكليته وزرعه في الحاضر؟, أي أنه علينا تفاديا للفتنة الاستسلام لمشيئتهم ونزواتهم , وعدم مقاومة عملية تهريب الماضي الى الحاضر أو بكلمة أخرى تسلل الماضي الى الحاضر , يريدون ممارسة النقل فقط دون اجتهاد أو اجهاد نفسهم في التفكير ومحاولة اكتشاف أفق جديدة , انهم انصياعيون للنص والحديث والآية ولمبدأ الصلاحية لكل زمان ومكان , أي لعطالة العقل الأبدية.
حقيقة لايصر هؤلاء على ترك الماضي وشأنه , انهم يقدسون هذا الماضي بجرائمه ومذابحه وعدوانيته وانحطاطه , وبذلك لايتركوه وشأنه , انما يريدون بعثه من جديد واعطائه الشأن والأهمية , الماضي قدوة وخطة وحل خلاصي لكافة العوائق والمشاكل , انهم يريدون منا غض النظر عن نشاطاتهم , لكي يتمكنوا من اقامة الخلافة ونحن صاغرون , يريدون او بالأحرى يحلمون بالفتوحات , فقط فتوحاتهم لأنها مقدسة , أما فتوحات الغير فهي مدنسة , هنا علينا أيضا التعايش مع هذه الازدواجية ونحن صامتون , والا تنهال علينا سيول من السباب والشتائم والتخوين والتكفير والتهديد حتى بالقنل أوحتى ممارسة القتل ايضا .
للانطلاق نحو المستقبل الأفضل , لابد من التزود بخبرات مفيدة , هذا يعني لابد من فرز الخبرات وتنقية الوعي الجماعي تجاه التاريخ السوري وتاريخ العرب , يجب اعادة القراءة وفهم آلية تواجد البدو في بلاد الشام , لماذا أتوا ؟ وماذا فعلوا ؟, أي توخيا للوضوح , فهذه الشعوب بحاجة الى تقوية لكي تتمكن من النهوض , ولاقوة بدون وضوح , فعدم الوضوح والتجاهل وممارسة اللفلفة , قاد الى الفشل والسقوط في مطبات الظلام , ثم اللجوء الى مفاهيم تكرس التأخر مثل مفهوم المؤامرة , كتبرير للفشل , تبرير صالح لكل زمان ومكان .
فالمؤامرة هي دواء مهدئ عمومي لكل نكبة أو قصور أو اشكالية , انها تعبير عن وجود أيادي خفية تتربص بالمهزوم , دواء المؤامرة مريح مبدئيا وواسع الطيف في تأثيراته , مهمته تخفيف الشعور بالتقصير , دواء جيد لأنه متوافق ومنسجم مع المفاهيم الدينية السالبة للارادة , قوة المتآمر لاتقهر كقوة الخالق , وشرور المؤامرة لاتفوق شرور الخالق , المؤامرة مناسبة جدا لعقول ارتشحت بالتفكير الديني الداعي الى الاتكالية والقدرية , المؤامرة مريحة لأنها تسهل عملية التنصل من المسؤولية , ولا نجاح دون الشعور بالمسؤولية , المؤامرة في شرقنا هي ورقة التوت التي تستر العورات وتسمح بالتفسيرات الباهتة الساذجة الاعتذارية السخيفة الضارة .
كل ظاهرة سياسية او اجتماعية تتطلب مخزونا معرفيا لتحليلها وفهمها , عموما يميل الانسان الى التبسيط والتسطح والى مقاومة ماهو جديد , فالجديد يحرج مسلكية عقول اعتادت على نمط تفكيري معين كالخرافة مثلا , الخر افة تحولت بسبب الازمان الى جزء من العقل , والعقل تحول بسبب ذلك الى عقل خرافي , من خصائصه المقدرة على كل شيئ ما عدا النجاح , انه عقل الخوف والهلع , وامتيازية هذا العقل تكمن في غرابته وخرافاته وعدم موضوعيته,
هل معارك هذه الشعوب سياسية فقط ؟؟؟؟, وهل تقويم الوضع السياسي الأعوج كاف ؟ , المعركة ليست سياسية بمعظمها , انها معركة ثقافية وتاريخية واجتماعية , وبما يخص المعركة التاريخية يجب التأكيد على أن هذه المعركة تهدف الى الانتصار على القراءة المشوهة للتاريخ , الذي كتب من جهة واحدة , التعامل مع المحور السياسي والثقافي والتاريخي هو تعامل كلي نقدي تراكمي , ولا يمكن الفصل بين المحاور , كالادعاء بأن اسقاط الديكتاتورية هو مفتاح الفرج الاقتصادي الوحيد , لاحاجة لهذه الشعوب بمفتاح واحد ,انما للعديد من المفاتيح , والمفتاح التاريخي كان ولا يزال من أهم هذه المفاتيح ,تاريخيا يمكن الاستفادة من الماضي , ولكن عن طريق التعرف على ايجابياته وسلبياته , الايجابيات بزرعها في الحاضر, والسلبيات بالابتعاد عنها في الحاضر .
هناك اشكالية الهوية , فالهوية أداة توجه , لها رمزية وفاعلية بنسب مختلفة , هناك هويات مرفوضة سلفا على مستوى الدولة السياسية كالهوية الدينية , التي تريد الغاء الأوطان والغاء مفهوم الوطن , وتعتبر الدين وطن كما رأى حسن البنا , وكما رأى بعض السوريون في أوائل القرن العشرين في الهوية القومية العربية وطنهم , وضع السوريون هذه الهوية كدين في رؤوسهم واندمجوا معها واندمجت معهم , تحملوها وحملوها وفشلوا بها ومن أجلها , ففي ظل هذه الهوية العربية انتهت سوريا كدولة , لقد كانت الهوية العربية -الدينية  فاشلة ومشرذمة لأنها عنصرية نابذة واقصائية , ففي ظل هذه الهوية ولدت انقسامات وانشقاقات ثم تأخر وتردي لم يكن تصور كل ذلك سابقا ممكنا.
فشل العروبة –  الدينية قاد الى بروز البديل القطري , أي السورية في سوريا , والمصرية في مصر , والعراقية في العراق …الخ , هذه الهويات تساوي بين المواطنين في كل دولة من الدول القطرية , الهوية السورية مثلا تواصلية , لا تتنافس مع الهويات الثانوية الأخرى ولا تخون سوريا , بعكس العروبية التي تعتبر سوريا القطرية شوكة في خاصرتها

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *