لم تعد الحداثة والتمنهج بها خيارا من عدة خيارات , انها الخيار الوحيد , الذي لابديل له بالنسبة لمن يريد الحياة ويحترمها , الحداثة اجتماعية -سياسية وقيمية , الحداثة تعني المساواة بين الجنسين , وتعني المساواة بين مختلف الانتماءات, ان كانت روحية او سياسية او عرقية اثنية , الحداثة تعني المدنية ,المواطنة, انتخابات نزيهة, ثم تداول سلمي للسلطة , واحترام حقوق الانسان والقوانين الدولية المنظمة لها , الالتزام بأحكام حقوق المرأة والطفل والانسان بشكل عام مسلكيا وقيميا .
تتطلب الحداثة القطيعة الكاملة مع قيم ومسلكيات في معظمها ماضوية , ولم تعد منسجمة مع قيم ومسلكيات العصر او المستقبل , من ضمن ما تتطلبه الحداثة الانتقال من التسلط الديكتاتوري الفردي الى الديموقراطية , والانتقال من الفساد الى دولة القانون , فهم التفاوت الطبيعي بين الرجل والمرأة وبأنه لايمثل اعلاءا او تخفيضا لقيمة أي منهما بالنسبة للآخر , الانتقال من أحكام النقل الى أحكام العقل , ومن الولاء والبراء المخرب لمفهوم الوطن الى مفهوم دولة ووطن وشعب وحدود , الانتقال من مفهوم الفرقة الناجية والفرق الهالكة , وما يسببه ذلك من خلافات وتشنجات تصل الى حد الحروب , ادراك الاختلاف على أنه جزء من طبيعة الانسان , ثم ادراك الاختلاف كضرورة لابد منه من أجل الأبداع وترقية الحياة , والاختلاف لايعني الخلاف , الا اذا تم فهم القضية بشكل خاطئ , الانتقال من الطاعة والانصياع الى الثورية والتمرد ,الانتقال من الايمان المطلق واليقين الأعمى الى الشك والتساؤل الديكارتي -الرشدي, الانتقال من المطلق الى النسبية , ومن المقدس الى البشري !
هناك من يعمل باتجاه متوافق مع الحداثة , وهناك من يعمل باتجاه متعارض معها , فالتعليم الديني في كل الدول العربية باستثناء تونس متعارض مع الحداثة وقيمها , لأنه مؤسس على القراءة التعبدية الايمانية المطلقة للنص والحديث الديني , على القراءة التي تستبعد العقلانية , التي لاتقبل من النص الديني سوى ما توافق مع أحكامها , الغير متضاربة مع العقل والعلم والمصلحة وروح العصر , كما عبر عن ذلك ابن رشد بقوله لايمكن لله ان يعطينا عقولا ويفرض علينا شرائع مخالفة لما تريده هذه العقول , ليس فقط ابن رشد , انما المعتزلة ايضا , التي رفضت ان يكون الانسان قدري غير مسؤول عن حاله , انما خالق لأفعاله ومسؤولا عنها , وليس خاضع لأفعال الغير وارادتهم … أي للقدر!!
يعتمد التعليم الظلامي الديني على تلقين النص والحديث , وعلى تحريم التفكير بالمادة الملقنة ,تحفيظ النصوص مثلا , الذي لايقر ولا يسمح بدور للعقل والشك , وبذلك يوقع الانسان في مطب القسرية والأسر الديني النصي , الذي يعتمد الترهيب والترغيب مبدأ, لاعقل في المحفوظات , التي تمثل نصوصا عدوانية غرائزية , لاتسمح سوى لتأهيل الناس الى ممارسة الارهاب , الذي تحول الى فضيلة والى الطرق الأمثل لدخول الجنة والتمتع بالحوريات والغلمان وأنهار الخمر والعسل, صناعة البؤس العقلي والمادي والنفسي عند جمهور بائس ومعاق .
يخلق الحفظ النصي حاجزا نفسيا بين الوعي الديني وبين الحداثة والأنسنة , ويحول الانسان بالتالي الى فصامي, يتأرجح بين مكة والمدينة وبين الفكرة ونقيضها , والآية وضدها , بين الفضيلة والرزيلة , بين تمجيد المرأة واحتقارها, انها حياة الاعاقات والتناقضات والفصامية ,التي تعود الى ترسيخ الضديات في نفس العقل ونفس الانسان ونفس مبادئه , فصامية بخصوص تكريم أهل الكتاب من جهة ثم اعتبارهم كفرة يجب القضاء عليهم من جهة أخرى, بين الدعوة الى التسامح وبين ممارسة الثأرية الخ , تعود فصامية المخلوق البشري في هذه الحالة , الى فصامية المواد والقيم التي يخزنها في دماغه, ليست الصفحات ال ٦٠٠ حمالة أوجه فقط , انما من يتلقنها أيضا يصبح فصاميا مثلها !
Post Views: 1,071