ممدوح بيطار ,ميرا البيطار :
تتراوح المواقف بخصوص الفتوحات بين تمجيدها وبين رفضها , حتى عصبة الأمم المتحدة كان لها بعد الحرب العالمية الأولى موقفا مستنكرا ومانعا لاستخدام مفهوم الفتح في العلاقات الدولية , ذلك لأن الفتح كان شكلا مخاتلا اجراميا وأكثر انحطاطا من اشكال الاستعمار الأخرى , الفتح ليس احتلال استيطاني فحسب , انما تملكي بشكل دائم فوق كل ذلك , يسمح الاحتلال التملكي لممارسيه بالاعتداء على كل شيئ في البلاد المفتوحة , مثلا تغيير لغة البلاد وتغيير معتقدات أهل البلاد , ثم ارغامهم على دفع الجزية وممارسة سبي نسائهم وبناتهم , انه استعمار مطلق لم تعرف البشرية مثيلا له .
الهدف من المقال هو تنوير البشر وحضهم على بذل جهود اضافية للتخلص من عواقب هذه الفتوحات , التي لاتزال جزئيا مهيمنة بشكل تراث , او حتى بشكل تحكم احفاد الغزاة الفاتحين بالسلطة والتسلط على البشر الى هذا اليوم وفي هذه المنطقة .
هناك من يستشيط غضبا وينفجر عاطفيا , عندما يذكر بموقف الشعوب المفتوحة الرافض للفتوحات والرافض لمفهوم “التحرير” , الذي ألصق بالفتوحات , والذي يراد به التمويه على العمل الشرير البربري التوحشي المناقض للحد الأدنى من المنطق والأخلاق ومن حقوق الانسان ؟.
من يغضب وينفجر ليسوا احفاد قريش المباشرين كالسعوديين , انما اذيال وعملاء القريشية من سكان البلدان المفتوحة , انهم سوريين اسما وشكلا ومساكنة , ولكنهم يريدون حقيقة ان يكونوا استمرار للفتح , الذي ضمن للفاتحين كل الحقوق , ومن أهمها حق التسلط والاستغلال والهيمنة , هؤلاء ليسوا سوى استعمار داخلي باسم استعمار خارجي, نجح في القرن الماضي في استلاب السلطة بوسائل وأكاذيب انطوت على الغير , الا أنها توضحت وتتوضح أكثر وأكثر كل يوم .
بغض النظر عن الكثير من الخلل ومن الشوائب في فرضية التحرير , وفي فرضية نشر الحضارة وتلبية نداء السماء في ضرورة نشر الرسالة , يبقى الاحتلال او الفتح اعتداءا وسرقة , هذا اضافة الى التناقض بين فرضية التحرير وواقع الاستعباد وتذبيح الناس الذين ” تحرروا !” على يد خالد ابن الوليد وغيره من مجرمي الحرب , لقد سقط مفهوم “التحرير” بسبب استمرار تواجد الغزاة كسلطة مثلت الشكل الأعظم من الديكتاتورية ومن الوحشية ومن اخصاء الشعوب , التي تم تحريرها أي عمليا استعبادها , فالشعب السوري الذي انجز كما هائلا من الحضارة والابداع منذ بداية التاريخ , توقف بعد الفتح عن التطور والابداع , ولا يزال متوقفا , باستناء استمراره بممارسة التوحش , الذي زرعه وجذره الغزاة , ان كانوا عربا او عثمانيين , في نفوس السوريين ,من ينظر الى سوريا يكتشف بسهولة نتائج ذلك الاخصاء الحضاري المريع , الذي مارسه الغزاة , الذين لم يتركوا من آثار سوى الخراب وسوء الأخلاق والتبدون , الذي تمثل باستمرار العشائرية -القبلية , وهيمنه هذه البدوية على كيان الانسان السوري النفسي والمسلكي , التاريخ لم يعرف أروع من الحضارة السورية ماقبل ١٤٠٠ سنة , ولا يعرف أبشع من البدوية الجزيرية المهيمنة منذ ١٤٠٠ سنة , عن سوريا قبل ١٤٠٠ سنة , كتب أحد المؤرخين ” لكل انسان وطنان , وطنه الذي يعيش به , ثم سوريا وطن الانسانية السلمية ” , التي ابدعت قبل قدوم الغزاة , كانت وطن الانسانية , حولوها الى زريبة للحيوانية , وأفقدوها صفة الوطن .
الى جانب تلفيقة التحرير التي تقمصت بشكل استعمار مريع , هناك تلفيقة بخصوص السماء واله السماء , الذي أمرهم بنشر الرسالة الجديدة بالسيف , ولكنه اسقط الوحي بالعكس من ذلك , اذ قال لا اكراه في العقيدة , الذي تحول الى لا اكراه سوى بالعقيدة الجديدة , اما الايمان الجديد او دفع الجزية عن يد وأنت صاغر او الحرب , وحتى الايمان ودفع الجزية لم يكن واقيا من الحرب والنهب , هذا ماعبر عنه الوالي ابو المهاجر دينار في شمال أفريقيا , والذي أكد للخليفة بأن الأمازيغ آمنوا ولا لزوم بعد ذلك للجزية او الحرب , هنا صححه الخليفة ونبهه الى ضرورة الغنائم قبل ضرورة الايمان ,بعد ذلك تم طرد ابو المهاجر دينار وتعين عقبة بن نافع بديلا عنه, بديلا مهتما بالغنائم , التي كانت هم وهدف الخليفة يزيد .
حتى في ذلك السياق التاريخي قبل أكثر من ١٤٠٠ , لم يكن نشر الايمان بالسيف مألوفا , اذ قيل “دع سيفك في غمده , فمن يأخذ بالسيف , بالسيف يؤخذ ” فعلا لقد أخذ الخلفاء بالسيف وأخذوا بالسيف ايضا , فالمعتقد حجة لاتحتاج أصلا للسيف , لابل يمثل السيف واستخداماته نكسة انسانية كما عبر عن ذلك المؤرخ حتي , عموما السيف لاينقذ احدا ولا ينقذ المعتقد .
لقد أخطأ الفاتحون بحق غيرهم وبحق أنفسهم ايضا , لم يستفيدوا من مجتمعات الحضارات التي غزوها , ولم يقتبسوا من المجتمعات المتحضرة مافيه فائدة لهم , اكتفوا بأوهام تحضيرهم لمن هم متقدمون عليهم حضاريا بدرجات , لابل جلبوا الانحطاط لهذه المجتمعات المستقرة , جاؤا بالعشائرية والقبلية والأخلاق البدوية , ثم مفهوم الحق البدوي , ومفهوم العنف , ثم مفهوم الافتخار والثأر والفساد المتمثل بغنائم الحرب , الذي لايزال مستمرا لحد الآن بشكل تعفيش, ناهيكم عن ممارسات احتقار العلم حتى الغائه وحرق المكتبات والكتب , اذ من المنطقي أن يحرق الأمي الكتب لانه لايقرأ, ومن المنطقي أن يحتقر الجاهل العلم والعلماء لأنه لايفهمهم , لقد تم القضاء على العلماء والمتنورين , الذين اتوا من الحضارة الفارسية بشكل رئيسي , وجدت البدوية بابن تيمية والغزالي هدفها ومبتغاها كبديل .
لم يستفيدوا من حضارات غيرهم , لابل أفسدوا , ولحد الآن تعاني الشعوب التي بقيت تحت سلطتهم وسلطانهم حتى نهاية الحرب العالمية الأولى كبلاد الشام , من تخلص من الفاتحين قبل ذلك , ترقى وتقدم كاسبانيا ودول شرق اوروبا والهند وغيرهم , الهدف من تشريح الفتوحات هو تشجيع الناس للابتعاد عن تراث العسكرة والاحتلال , ثم القيام بعملية المصالحة مع التاريخ , التي تتضمن الاعتذار من الشعوب التي عانت من هذه الفتوحات!