النشيد واختلال المعاني والدلالات والقدوات …
ممدوح بيطار , مها بيطار :
عرفت البلاد السورية تحت الانتداب الفرنسي في اواخر الثلاثينات عددا كبيرا من الأناشيد الوطنية , حتى أن بعضها كان عثماني المصدر , تعدد الأناشيد كان دافعا للبحث عن نشيد موحد او واحد وطني , لذلك اعلن عن مسابقة لتقديم نماذج من الأناشيد كاقتراحات , وللفائز بأفضل نشيد خصصت جائزة, الا أن حضور الشاعر خليل مردم بك ابطل ضرورة المسابقة , فالشار الكبير قادر على صياغة نشيدا كبيرا , وهكذا تمت الموافقة سلفا على كل ما سيكتبه مردم بك لاحقا , وكان النشيد الحالي , الذي اكتسب لاحقا اسم نشيد حماة الديار .
هناك أصول لصياغة نصوص الأناشيد الوطنية , منها شرط اهتمام النص بالوطن أولا وأخيرا , ثم ابتعاد النص عن النواحي الحزبية الفئوية أو العرقية وعن الأشخاص خاصة , ولكن للأسف لم يراع الشاعر هذه النواحي , ولا نعرف سببا اكيدا لعدم اهتمام الشاعر بشروط الأناشيد الوطنية , لربما عاد ذلك لضعف في استيعابه لمفهوم الوطن , فالثقافة العامة كانت في ذلك الزمن بما يخص مفاهيم الأوطان ضامرة , بسبب طول حالة الاستعمار , الذي لم يهتم بتكريس “الوطنية ” لابل حاربها , عموما لا يؤاخذ خليل مردم بك على ذلك , ولا يلام الشعب السوري على عدم اهتمامه الكبير بالنشيد ودلالاته ومعانيه , لقد وجد النشيد تقبلا من معظم السوريين , باستثناء قلة لاتزال تلاحق هذا النشيد بالنقد منذ ولادته عام ١٩٣٨ وحتى اليوم , النقد بدأ على بدايه النشيد بالسلام على حماة الديار , فالأناشيد الوطنية بدلالتها الحضارية لاتقتصر على القاء السلام على حماة الديار , أي على العسكر , لأن حماية الديار أو الأوطان هي مهمة كل مواطن يقوم بواجباته ويحرص على حقوقه, الوطن ليس عسكر فقط .
بعد السلام على حماة الديار انتقل خليل مردم بيك فورا الى النفوس الكرام التي أبت أن تذل , لمن تعود هذه النفوس الكرام ؟ وماهي الخلفية النفسية التي ألهمت الشاعر لتشخيص اذلال النفوس الكرام؟ التي أبت أن تذل , وكأن النشيد اراد بلورة فكرة المظلومية , هذه الفكرة التي لازالت تلاحق الانسان السوري الى اليوم , فالانسان السوري مظلوم ومعرض للاذلال !!!!!! , ليست مهمة الأناشيد الوطنية معالجة هذه الاشكالية , المظلومية في ارتباطها بتحقيق أهدافا سياسية عابرة ومتغيرة, بعكس الأناشيد الغير عابرة او متغيرة , وعليها أن تكون صالحة لكل زمان الوطن , الأناشيد الوطنية تعبير عن آمال الشعب وطموحاته في النواحي الايجابية مثل الحرية والتقدم والانسانية , وليس في التنويه الى المظلومية التي هي سياسية في هدفها , وقد تنقلب الى عكسها , فمن يعاني من المظلومية قد يسببها لخصمه في زمن ما , على فكرة , هناك فرق كبير بين الظلم والمظلومية , فالظلم هو مفهوم قضائي قانوني , بينما المظلومية هي مفهوم سياسي يتنقل من فئة لأخرى حسب الظروف …! .
أما عن الركاكة في الصياغة والفئوية في المعاني والدلالات , أظن أنه من الصعب التفوق على الشاعر بهذا الخصوص , عرين العروبة بيت حرام وعرش الشموس حمى لا يضام ! وما هو مقصد الشاعر بعرين العروبة , ولماذا سوريا عرين العروبة ؟ ومؤخرا تم اشتقاق مفهوم قلب العروبة النابض من عرين العروبة , قلب توقف عن النبضان عروبيا , وماذا نفعل بعرين العروبة في النشيد بعد أن توقف قلبها عن النبضان ؟ ولماذا حشر الشاعر ثقافة او قومية معينة في النشيد, الذي عليه ان يعبر عن كل الثقافات والقوميات؟؟؟؟, هذه كانت الفئوية , التي قادت الى خراب الوطن , ثم أين هو ذلك العرين ؟ هل هو في السعودية مثلا أو في قريش أو في دمشق , للتذكير النشيد هو نشيد الجمهورية السورية وليس نشيد العروبة او نشيد مكة السعودية , أونشيد بني أمية او غيرهم .
البيت الحرام هو بيت ديني من صنع ابراهيم واسماعيل , وهو بيت مخصص للعبادة في مكة , واين هي مكة من دمشق ! ودمشق ليست مركزا أو هدفا للحج والعمرة , ثم أن الحج الى البيت الحرام لم يخص كل السوريين , ففي ذلك الوقت كان جزء كبير منهم مهتم بالحج الى اماكن أخرى وليس الى مكة , لغويا ومفهوميا لاوجود لبيت حرام انما “البيت الحرام” .
أخيرا دعى النشيد للاقتداء بابن الوليد والرشيد , هؤلاء قريشيين أولا , ولا علاقة لقريش بالجمورية السورية , فقريش تقع خارج حدود سوريا , وعن القدوة وسوء أخلاق هؤلاء فحدث ولا حرج , القدوة ابن الوليد ذباح من الطراظ الأول , والقدوة مغتصب نساء من الدرجة الأولى , انه وحش بكسم البشر , يذبح الزوج ويغتصب زوجته في نفس الليلة, القدوة لون مياه الأنهار بلون دماء مذابيحه من السوريين والعراقيين , ثم علينا الاقتداء بمن ذبحنا!.
أما عن القدوة الآخر أي الرشيد , صاحب قضية خراج الغيوم ,والممارس للغزو سنة وللحج في السنة الأخرى , فحدث ايضا ولا حرج عن التوحش , وكيف دخل بغداد , ورأس خصمه المبتور مرفوعا على ذروة رمحه , الا أن النقطة الأهم في سيرته الشخصية كانت ملكيته لأكبر كرخانة في التاريخ , يقال بأن عدد جواريه بلغ٤٠٠٠ جارية , ويقال على أن الفحل وطأهم جميعا ..ويا للفخر بالفحولة , هل كان هذا النكاح فعلا خليفة السماء على الأرض ؟ , وما هو هذا الخالق الذي اختار كرخنجي لخلافته ؟؟؟ اليس لدى سوريا والسوريين رموزا تاريخية أفضل للاقتداء من الوليد والرشيد ؟…
Post Views: 627