ممدوج بيطار , سمير صادق :
على الماضي الذي يريد أن يكون محترما , أن يمثل عملية تحرير متبادلة مع الحاضر , على الماضي الذي يريد البقاء جزئيا ضروري أن يتخلص من مفهوم “المنافسة ” مع الحاضر , فالحاضر لايتصالح مع منافسيه الذين يريدون الحلول محله بعد الغائه ,في التزاحم والمنافسة تكمن “الضدية” المنتجة للرفض والعدوانية , وكل ذلك ينتج العنف , الذي يهيمن على تفاعل الأضداد مع بعضهم البعض ,تحول الناس في البلد الواحد الى اضداد .
يعني التحرير المتبادل بين الماضي والحاضر , تحرير الماضي من معايير الحاضر ,كالاعتراف بما يسمى السياق التاريخي , وتحرير الحاضر من الماضي باعطاء الحاضر سياقا تاريخيا خاصا به , أي استقلالية كل من الماضي والحاضر , التصالح مع الماضي يعني انهاء حالة الصدام مع الماضي , عن طريق محاكمته أو تقييمه واطلاق الحكم المناسب عليه ثم تنفيذ الحكم ليتحول الماضي بعد ذلك الى بريئ , الحاضر يتبرأ من الأجزاء السيئة من الماضي , وبالتالي يستنكرها ويستنكف عن ممارستها في الحاضر.
يجب على الحكم والأحكام احقاق الحق , مما يعني ممارسة التعويض المادي والمعنوي للاساءة للغير في الماضي , هذا مافعلته المانيا مع نفسها , لقد استنكرت الجوانب السيئة من الماضي , واستنكفت عن ممارستها حاضرا , ووعدت بعدم ممارستها مستقبلا , ثم عوضت عن الأضرار التي الحقها الماضي بالذات والغير , معنويا عن طريق الاعتذار الأهم مقارنة مع التعويض المادي , حررت المانيا نفسها من أثقال “الذنوب ” واللعنة , وتفرغت لبناء حاضرا ومستقبلا يليق بشعب أخطأ واعتذر ثم تعهد بعدم تكرارا الخطأ وبالتالي تحرر من أثقال الخطيئة والاجرام ,التي مارستها الهتلرية والقيصرية الألمانية , هل تمكنت خير أمة من الاعتذار من الشعوب التي استعبدتها وذبحت مئات الألوف من ابنائها وفرضت على الباقين منهم احكام العهدة العرية الشنيعة وغير ذلك !.
أما العرب بثقافة خير أمة وثقافة الحق البدوي, ثم انعدام أو على الأقل ضمور ثقافة الاعتذار , فلم يتمكنوا لحد الآن من تحرير الحاضر من أثقال الماضي, لقد تم احتلال اسبانيا لحوالي سبعة قرون , بالرغم من ذلك لازال هناك من يدافع عن الاحتلال , ويعتبره نعمة للاسبان, وكان عليه أن يستمر , وللأسف لم يستمر!!!!! , لم يستمر العطاء البدوي الحضاري في اسبانيا , وكأن البدوية كانت تملك شيئا من الحضارة لتعطيه , التي يمكن للشعوب الأخرى الاستفادة من فائضها , الذي أنتجته الصحراء الأمية القاحلة , بقدرة قادر تمكنت اللاحضارة من تحضير الاسبان وأهل الشام والفراعنة وبلاد فارس , التحضير التكاذبي أمتد الى الهند والى حدود الصين , وعندما تسأل من أين أتى البدو بتلك الحضارة التي استوردتها شعوب الحرف في بلاد الشام , ثم شعوب القانون الروماني وشعوب الفلسفة الهيلينية وشعوب التحضر البيزنطي, تجد نفسك بقدرة قادر مختنقا ومرجوما بوابل من الاتهامات , كحاقد على العروبة وكاره للدين !
لقد قضت القبائل الجرمانية المتوحشة على روما وانهت وجود الدولة الرومانية , عليك ياعزيزي القارئ بسؤال احفاد القبائل الجرمانية عن قعلة هذه القبائل قبل حوالي 1500 سنة , سوف يجيبك 100% منهم بأن الفعلة كانت انحطاطية , وهذه الفعلة لاتمنعنا من أخذ العديد من معالم الحضارة الرومانية المغدورة , لقد أخذوا القانون الروماني , وأسسوا حضارتهم الحالية على هذا القانون , ولم يؤسسوه على حضارة القبائل الجرمانية التي لاتختلف عن حضارة قبائل الجزيرة العربية بالكثير من المعالم .
تأسست الحضارة العالمية الحالية على الهيلينية التي امتدت من القرن الرابع قبل الميلاد الى القرن الخامس بعد الميلاد , كانت حضارة عملاقة سياسيا وثقافيا وفنيا وفلسفيا, من خصائصها كان الانفتاح والعلوم كالهندسة والأدب (الاليازدة والأوديسة) ثم الفكرة الأولومبية والفلسفة , مثل سقراط وأرسطو وافلاطون والمئات غيرهم , الهيلينية ترجمة للحرية التي يحتاجها كل انسان , وهل يحتاج الانسان عموما الى البدوية وغزواتها ؟؟؟, لكي تتقدم هذه الشعوب عليها الانعتاق من العوائق, والبدوية كانت من أهم العوائق .
عاشت بيزنطة حوالي ألف سنة بعد سقوط روما على يد القبائل الجرمانية , ومصير القسطنطينية كان مشابها لمصير روما , وكان على يد قبائل محمد الثاني أو كما يقال الفاتح مديحا , لقد حقق محمد الثاني ما أراده الرسول ومن بعده الخلافة الأموية ثم الخلافة العباسية , وتم انهاء وجود الحضارة البيزنطية كالمعتاد على يد الهمجية عام 1453 , ولكي لانبتعد عن الموضوع علينا أن نسأل البعض من هذا الشعب عن هذه العملية , أظن بأن عدد لابأس به سينتصب مفتخرا بفعلة محمد الثاني باحتلاله القسطنطينية, كما افتخروا بتحويل ايا صوفيا مؤخرا الى مسجد على يد اردوغان , هؤلاء الذين يرون في خطوة اردوغان نصرا الهيا , يرون في تهديد الأقصى من قبل اسرائيل عملا شيطانيا يجب سحقه عسكريا كما حدث يوم ٧-١٠,كان هناك طوفان الأقصى , وماذا عن طوفان أيا صوفيا !!, أما عن التفاخر بالفتوحات ومذابح ابن الوليد وغيره فحدث ولا حرج !
تمثل ازدواجية من هذا النوع أسوء اشكال المصالحة مع الماضي ومع الذات ومع الغير ,النتيجة كما هو متوقع , لا احترام لخير أمة عالميا !!!!
