هشام شرابي وفلسفة سعادة !!

نيسرين  عبود:

    قراءة في فكر أنطون سعاده هل للعقيدة القومية الاجتماعية فلسفة؟

هل للعقيدة القومية الاجتماعية فلسفة؟ لا يوجد جواب نهائي مكتمل على هذا السؤال.
يقول هشام شرابي في محاضره ألقاها في آذار عام 1954: “الحركة القومية الاجتماعية ليست جمعية فلسفية”، “وعندما نقول إن الحركة تقدم نظرة شاملة إلى الحياة والكون والفن، لا نعني أن لدى الحركة نصوصاً فلسفية نقدمها إلى كل من يسألنا عن نظرتنا إلى الفن والكون والحياة”.
ولكن يمكن القول إن العقيدة القومية الاجتماعية فلسفة اجتماعية تتناول الفرد من حيث هو كائن اجتماعي ولا تتناوله كوجود مستقل، مع العلم أن سعاده يقول: “إن ظهور شخصية الفرد من أعظم اللحظات الاستثنائية في التاريخ، لكن تشكل المجتمع هو الأكمل والأعظم فاعلية في الحياة”.
فهي فلسفة اجتماعية تتحدث عن الوجود الاجتماعي الفعال والحي وتفاعله على كل المستويات مع بيئته ومحيطه ومكوناته وبعيداً عن الماورائيه والميتافيزيقية.
وانطلاقاً من القول إن الفلسفة في أحد تعاريفها هي رؤيا وتساؤل متجدد ومستمر، فإنه من الممكن أن نقول إن فلسفة العقيدة القومية الاجتماعية تتحدد بالسمات التالية:
1. العقيدة القومية الاجتماعية فلسفة تبدأ بالمجتمع وتنتهي بالمجتمع، وتنظر إلى الفرد ككائن اجتماعي، وهذا أمر حقيقي عبّر عنه بشكل جزئي أرسطو.
كما يقول جرجي كنعان في هذا الصدد: “إن الفرد لا يصبح إنساناً ولا تتفتح مواهبه الإنسانية ولا تتجدد معارفه وخبراته إلا في المجتمع المنظم. وبغياب الوجود الاجتماعي لا يستطيع الإنسان أن يكوّن حضارة”.
“فاجتماع الناس وتعاونهم وتفاعلهم مع البيئة هو الأساس لنشأة الحضارة”.
ولعل كتاب /نشوء الأمم/ لأنطون سعاده، هو المرجع الوحيد في هذا الشرق الذي يتحدث عن نشوء المجتمع الإنساني وتطوره ونظامه ومعناه الأخير في الحياة الإنسانية، إذا كانت العقيدة القومية الاجتماعية فلسفة اجتماعية لا تهتم بما وراء الطبيعة فإنها لا تهمل النظر إلى الدين كعامل مباشر في حياة المجتمع من الوجهة الاجتماعية السياسية، كما يقول هشام شرابي، وأنطون سعاده هو أول من أظهر وحدة التراث الروحي في سورية في كتابه (الإسلام في رسالتيه). واتهام الحركة القومية الاجتماعية بأنها لا تكترث بالدين كظاهرة اجتماعية هو اتهام صادر عن الجهلة والمغرضين، وإذا كان المجتمع هو ساحة وميزان للعقيدة القومية الاجتماعية فإن باستطاعة القومي الاجتماعي أن يكون مؤمناً مسيحياً أو محمدياً أو غير مؤمن بمذهب ديني وفي الوقت نفسه يكون قومياً اجتماعياً صحيحاً.
ونحن القوميين الاجتماعيين لم نتخلَّ عن رسالة الدين الحقيقية، بل اخترنا إنقاذ هذه الرسالة من الحضيض الطائفي البغيض والمتخلف.
إن المجتمع في العقيدة القومية الاجتماعية هو الغاية، لأنه لا يمكن إنجاز أي نهضة حقيقية إلا بفكرة التضحية، فأتباع القضية الشاملة ينظرون إلى أنفسهم كوسيلة لتحقيق مقاصدهم العليا، وعندما يرتقي الوعي الاجتماعي تنعدم وتذوب الخصوصيات الفردية وتتوحد المقاصد والمثل لتصبح مثل وقيم الحركة الشاملة للمجتمع.
حيث يصبح الفرد إمكانية اجتماعية تتحقق في إطارها الاجتماعي. وهذا ليس محواً للوجود الفردي. وقد شدد سعادة على صفة المفهوم الاجتماعي للفرد وقال: “إن الوجود الأكمل هو الوجود الاجتماعي”.
2. السمة الثانية لفلسفة العقيدة القومية الاجتماعية هي اعتمادها العقل كمرجع وشرع أعلى وله الفعل الحقيقي في حياة الإنسان والمجتمع كما عبر عنه سعادة في المحاضرات العشر صفحة /107/ والعقل هنا خلاصة التجربة والغنى الفكري المتراكم عبر التاريخ وارتقاء درجة الوعي والحضارة الإنسانية، وما نسميه العقل الغربي اليوم ليس إلا خلاصة العقل الجبار منذ نشأته السورية في سومر التي تعود إلى الألف الثالث والرابع قبل المسيح. والعقل هنا أيضاً ليس الفكر والعلم فقط، بل إنه الموقف والمجابهة وكيفية النظر إلى الذات والكون. إنه تعبير عن محبة قصوى في الإنسان.
وسعادة عندما يشدد على أهمية العقل يعني التركيز على النقاط التالية:
* إن ارتقاء العقل وتطوره يؤدي بالضرورة إلى وعي المناقب وسمو الأخلاق والسير قدماً، وبالتدرج على طريق التطور الحضاري، أي إن هناك تفاعلاً حقيقياً بين ارتقاء العقل وسمو الأخلاق. لا بل إن العقل هو مصدر الأخلاق ومنبعها.
* إن تركيز سعادة على العقل يهدف إلى التحريض على التفكير بل على تعلم طرائق التفكير وليس على تعلم الأفكار. فالقواعد التي تركها لنا سعادة هي قواعد لانطلاقة الفكر وليست قوالب نهائية له.
* إن العقيدة السورية القومية الاجتماعية هي عقلانية لأنها علمية وتستند على علوم ثلاثة هي التاريخ والجغرافيا والمجتمع، والعلوم هي الساحة الحقيقة للعقل وتفاعله وإبداعه، وبالتالي فكر أنطون سعاده خطاب موجه إلى كل ذي عقل يفكر ويجتهد ويبدع.
3. السمة الثالثة لفلسفة عقيدة النهضة هي الرسالة المناقبية والبناء الأخلاقي لهذه الفلسفة، والمناقب والأخلاق ليستا رداء أو قوالب أو بريستيج أو مظاهر شكلية أو تقليداً يتم تعلمه بالتلقين والتربية فقط، بل هي وعي عميق وإدراك حضاري يتعدى إلى تمثل المناقب، والعمل بها يتطلب تفاعل العقل والإرادة للتوصل إلى تجسيد المناقب والأخلاق لتصبح جزءاً من الهوية الثقافية الحضارية للمجتمع بشكل شامل والتي تعبر عن موقف مناقبي حياتي منظم.
4. السمة الرابعة الكبرى لعقيدة النهضة هي أنها فلسفة حركة تتفاعل فيها المادة والروح “المدرحية”، وهي ليست فلسفة وقوف وتحجر بل نمو وانطلاق. ويعتقد البعض أن فلسفة الحركة التي تسمى أيضاً “الفلسفة المدرحية” تقدم جواباً لكل سؤال في الفلسفة، والنظرة الشاملة لهذه العقيدة إلى الحياة والكون والفن لا تعني أنها نصوص جامدة متقاعسة محددة يتوقف فيها عمل العقل وينحصر فيها مجهود التفكير والاكتفاء فقط بالدوران حول النفس لتتحول أفكار أنطون سعادة مع مرور الزمن إلى طائفة ذات إيمان متحجر.
بينما هي في الحقيقة أسس ومراكز انطلاق للنهضة الجديدة، تنقذ الإنسان من ألمين، هما ألم التحقيق وألم التعثر الذي يجابهه أثناء التحقيق.
فما أقسى على من أضاء قلبه بنور المثل العليا أن يتعثر في تحقيق ما آمن به.
قد نكون قلةً اليوم وربما سنبقى قلةً غداً، فأتباع الرسالات والقيم والمثل والأفكار العلمية العظيمة في التاريخ كانوا دائماً قلة، ولكنهم كانوا دائماً القلة المؤهلة التي تمتلك المفاتيح وطرائق التفكير التي تجد الحلول عند مواجهة المآزق والمنعطفات. وإذا كنا لم نستطع حتى الآن إنجاز الأهداف السياسية فهذا أمر جزئي مؤقت والأهم هو خلق نهضة وأفكار خلاقة ومنهجيات تواجه الأزمات وتبدع الحلول وتفتح الثغرات في الجدران المغلقة ما دمنا نسعى إلى امتلاك المعرفة والتسلح بالإرادة…
فما أحوجنا الآن لهذا الفكر العلمي الأخلاقي الاجتماعي لإعادة استنهاض المجتمع السوري الذي يتعرض في الظروف للتدمير والتحطيم بشتى أنواع أسلحة التدمير الشامل من إعلام وقتل وتخريب أخلاقي وهدم لمنظومات القيم والأمن المناقبي والمعرفي.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *