لماذا يصرون على سوريا العربية الإسلامية ؟!

March 28, 2018
By

خالد  عمران:

ليست المطالبة بأن تكون هوية سوريا هي سورية خالصة ومجردة من كل الجزئيات إلا من كون التاريخ السوري يفرض هذه الحقيقة ، فسوريا دائما ما كانت مكان للجميع وكانت الجغرافيا عامل ربط بين الاختلافات التي يشكلها الجميع ، الجغرافيا الثقافية خصوصاً ، فليست المطالبة ضرباً من الخيال ، هي حالة صحية لفتح الأفق للإبداع !.
ولكن لما الإصرار على خلق دولة المواطنة ولكن الإبقاء على الهوية الجمعية للجغرافيا السورية تحت العروبة والتي تجلب معها متلازمة هي الإسلامية ، فتصبح سوريا العربية الإسلامية ؟؟!
الموضوع برأيي هو تقويض الهوية وتحجيم الإنسان السوري ضمن هوية لافتعال قطيعة مع علم الأنتروبولوجيا الذي يهتم بدراسة سلوك الإنسان وطريقة تفكيره وكيفية تعامل الدماغ مع المعلومات العلمية المتراكمة من التجارب التاريخية ، وهذا عن وعي أو غير وعي بذلك ولهدف قد يبدو نبيلاً أو خبيثاً ، لنستفيض أكثر ونستقدم علم النفس في الشرح !.
هناك العديد من نظريات علم النفس ، منها النظرية البيولوجية التي تركز على الأسس الحيوية للسلوك إضافة الى تأثير الجينات والتطور عليها.. والنظرية السلوكية حيث في هذه النظرية يتم دراسة الدور الذي تلعبه الخبرات السابقة للشخص في تكوين سلوكه ، وأيضاً المعرفية التي تهتم بكيفية تعامل الدماغ البشري مع المعلومات .
وأيضاً النظرية المعرفية الاجتماعية التي تهتم بتحليل العناصر الاجتماعية والثقافية والدينية المؤثرة في السلوك والتي كان فرويد أول من بدأ العمل بها حيث أنّ تفسير فرويد لا يعود في الحقيقة إلى الأساس البيولوجي، بقدر ما يعود الى الاوضاع الاجتماعية والثقافية والدينية التي صنعت النظام الأبوي ـ البطريركي ، فرويد كان شجاع ومجدد ولابد أن تلامذته هم المحرضين لنظريات جديدة منها ، النظرية الوجودية الإنسانية والنسوية التي تعارض بشدة النظام الأبوي البطريركي ، ولكنني سأخصص الحديث لأهم نظرية والتي برأيي كانت نتيجة لتطور كل النظريات السابقة وهي نظرية مابعد الحداثة “من أجل فهم تفكير الانسان وعقله ، يجب علينا النظر في العمليات الاجتماعية والمجتمعية المتضمنة فيها” ، وهذه النظرية قد فصلت بين ماهو ذاتي وماهو موضوعي عام ولكنها حاولت وضع علم النفس ضمن مجال واضح ولغاية إنسانية ، ولذلك نرى اليوم أن العروبيين أو الإسلاميين يشغلون أنفسهم بما هو محلي وفرعي وهامشي ويدعون أن القيم الإسلامية أصبحت قيم إنسانية وأن الهوية الإسلامية أصبحت رتوش ولا تعني تطبيق الشرع الإسلامي المتحجر وأن العروبة سياق تاريخي نحن بحاجته لتأكيد دورنا في العالم المعاصر الذي مازال يعمل ضمن التحالفات للأقطاب التي تشكلها الشعوب والأمم وحكوماتها ، وبهذا يجعلون المعرفة التي يكتسبها الإنسان ذات طابع زمني ومكاني محدد وتفتقر الى البعد التاريخي والجغرافي ، فهم لا يريدون معرفة معمقة للتاريخ السوري الذي يؤكد أهمية التعددية والحيوية التي أضافتها للثقافة السورية وبالمقابل ماذا فعلت سياستي التعريب والأسلمة من قولبة الهوية السورية وإصابتها بالعقم في الإنفتاح وبالتالي في قدرتها على الإبداع ، فالانفتاح هو القوة الوحيدة التي تقود لتطوير خالي من التخلف أو النكوص ، والانفتاح عصي حتى على مقومات وأدوات الهوية العربية والإسلامية مثل اللغة ، اللغة العربية التي تتعامل مع اللغات الأخرى بنوع من الرجس وتعريبها للمفردات أو الأجهزة التي هي نتيجة للحركة العلمية التي بدأت في أروبا من عدة قرون يحمل في جوهرة تقليل من أهمية الحركات العلمية لكون هذه اللغة لم تصبح يوما لغة بحث علمي ، وهي لغة شعرية تعبيرية تستند إلى كتاب “القرآن” الذي يقيد حتى الحركات التجديدة في الشعر العربي ، فمازلنا نرى أن النثر مازال غير مرغوب في مراجع ومعاجم اللغة ، هو تردي لغوي في نظر القائمين على اللغة وحيوتها ، فليس هم المتحجرين أكثر من كون هذه اللغة لا تستقيم مع اقترابها من الإنسان وخدمته في حياته اليومية ، بل هي قائمة لغاية تمجيد القرآن وصيانته وحفظه وإظهار مدى تفوقه بلغته على جميع اللغات ، لذلك نجد أن تعريب المفردات مثل “التلفزيون” الرائي و” الراديو ” المذياع و “السندويشة ” الفطيرة هي محاولة كبت و إغلاق الانفتاح على الحضارة الغربية التي تسبب إحراج كبير لهذه اللغة بكونها الأداة الأقوى للهوية العربية والإسلامية !!.
وبحسب علم نفس مابعد الحداثة فان التحليل النفسي الفرويدي بحاجة الى اعادة صياغة آيديولوجية على نمط مفهوم ما بعد الحداثة بهدف تطور علم نفس يقوم على ثلاثة محاور هي: التقدم التقني والنقد الثقافي وتطوير آفاق جديدة للتفكير والعمل لخلق بدائل جديدة ذات طابع معرفي شعبي وديمغرافي والتأكيد على اهمية الخبرة الشخصية في الحصول على المعرفة على حساب دور النظرية في تكوين المعرفة، وبالتالي خلق علم نفس تأويلي جديد ، فموضوع الهوية الوطنية الجامعة لأبناء الوطن السوري يجب أن تخلق نوع من آلية التفكير التي تجعلهم على قدم المساواة ، فيشعر الكردي والأرمني والعربي والسني والعلوي والفينيقي المسيحي بأن هناك نوع من الهوية المشتركية ، فلا تطغى هوية جزئية على أخرى وبالتالي تبتلع الاختلاف ، وتجعل هناك نوع من المنع أو الحجب للتجارب الشخصية والخبرات الشخصية لبعض اللاعرب أو اللامسلمين ، فمثلا قضية الكبت التي لها علاقة طبيعية مع قضية الكبت اللغوي والثقافي والتي تعمل الهوية الإسلامية والعربية على خلقها لتخلق بتزايد الكبت ضرورة السلطة العليا التي هي النظام الأبوي ، ولذلك نجد أن تلخيص تكلم اللغة العربية بأن ذلك هوية يجب الخضوع لها ، هو محاولة لترسيخ طريقة تفكير إسلامية عربية تعمل على عدم تخليص الإنسان من عبوديته والتعامل مع المرأة على قدم المساواة وتجعله أكثر انفتاحاً وديمقراطية وبالتالي أكثر قدرة على الإبداع ، فقد أوضحنا مراراً أن تكلم أي لغة لا يعني بالضرورة هو امتلاك هوية ثقافية وطريقة تفكير ، هو جزء من الهوية ، وتعلم أي لغة هو إضافة للهوية الإنسانية الجامعة ، فالمشكلة بأن من يقول بأن اللغة العربية هي اللغة الرسمية ، هو يلغي فرصة التحدث بشكل رسمي في دوائر الدولة في لغات أخرى وهو يمارس نوع من الغلبة على آليات تفكير مختلفة مرتبطة بلغات مختلفة موجودة في المجتمع السوري ، سواء الكردية أو السريانية ، وربما أي معاهد للغات سواء الإنكليزية أو الفرنسية ستتعامل كنوع من الشذوذ الذي يحتاج الترويض أو التحجيم إلى حد الإفناء ، فكيف إن تحدثنا عن عملية إنعاش وتطوير وتجديد للغة السريانية التي يطيب لأغلب السوريين الحديث بها وجعلها لغة رسمية إلى جانب العربية في المؤسسات الرسمية ؟!!
للختام ، ولتقليص الإطالة ، أقول بأن ثقافة المواطنة لا تعني بتطبيق فقط القوانين التي تخلق جو بالمواطنة بين السوريين ، بل هي تقاس على مقياس قدرة الانفتاح لتغادر المحيط الجغرافي والثقافي وتدخل المحيط العالمي والحضاري ، فمن يريد إبقاء الهوية الجامعة للسوريين بأنها عربية أو إسلامية هذا انقلاب على جوهر المواطنة وغايتها ، ولا أظن أنه من مقبول بعد اليوم ممارسة التلفيق ، فلدينا رصيد معرفي يقوم على تجارب تاريخية ، ونعرف ماذا يعني قولبة الإنسان السوري في لغته العربية وأيضاً قولبته في معرفته الثقافية الإسلامية ، فتجميل سياسة الأسلمة والتعريب وإعطائها طابع سلسل خارج سياقها التاريخي العنفي ، لن يغير حقيقة انغلاق الهوية العربية والإسلامية والعقم الذي ترسخه ، فيجب على حامل هذه الهوية أن لا يحصرنا في عقمه أو عجزه ولا يحصر مجتمعنا في عمليات إسلامية وعروبية تجعله مشوهاً وممسوخاً في ردائته ، فيحولنا لحاله وليشعر بنوع من التوازن النفسي والجهل المعمم فيرتاح ولا يشعر بقلق وجودي ، فكلنا بحاجة للانفتاح على الآخر أي كان ، ومساعدة بعضنا لترسيخ قبول إنساني لبعضنا ، وثم العمل على الإبداع في أجواء صحية راقية لا تحمل إلا غاية إنسانية ووطنية وتحيل الاختلافات إلى قوة ، وليس نقطة ضعف أو صدع في الهوية !.

Tags: , , , ,

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Informations

User Login

Featured

  • أهلا وسهلا بالاستعمار الخارجي !

    نيسرين عبود: فن ملتزم ….. ممدوح قشلان !!! لاشيئ يمكن أن يحدث هذه الأيام دون تدخل الآخرين به ..ان كان اقتصاديا أو سياسيا  أو  عسكريا  وحتى اجتماعيا , فالعولمة  أنقصت […]

  • كلكم داعش.. وكلكم مسؤول عن داعشيته

    بقلم: علي الصراف تبدو الحرب التي يشنها بعضنا ضد تنظيم داعش، ظالمة الى أبعد الحدود. إنها حربٌ لا تخلط الحابل بالنابل فحسب، ولكنها تشوّه صورة الواقع أيضا. وحيث أنها تمثل […]

  • بين مجتمع الطوائف وطوائف المجتمع !

    ممدوح بيطار: بعكس ماتدعيه سردية التسامح والتآخي والتفهم, تعاني الشعوب العربية-الاسلامية التي تعيش حقائق التنوع المذهبي والعرقي من اشكالية “الانسجام” , وجود هذه الاشكالية واختلاطاتها الكارثية يؤكد حقيقة فشل العرب […]

  • القائمة السوداء !يا للعار !

     صدرتقرير للأمم المتحدة يتحدث عن قيام القوات السورية بإعدام أطفال في وتعذيبهم واستخدامهم “دروعاً بشرية” خلال عمليات عسكرية ضد معارضين.  ويوم الاثنين الماضي  سقط  أكثر من مئة قتيل بالرصاض في  […]

  • عندما يصبح الحذاء رجلاً

    ديمة ونوس: منذ مشاهد التعذيب الأولى المسرّبة، حرص النظام وأجهزته الأمنية على الإمعان في إهانة الكائن السوري، المواطن، المتمرّد، الثائر، الحرّ. الحذاء العسكري كان الأقوى حضوراً في المشاهد الأولى. لا […]