الثورة وأكل الأبناء !

March 11, 2013
By

يتحدث البعض عن سرقة الثورات, وذلك لأن ثورة ما  اتخذت  اتجاها أو منهجا مخالفا  لما يريده البعض أو يتمنوه , وفي سوريا تحولت الثورة من منهج سلمي الى نهج عسكري واضح تصدرته القوى الاسلامية , والسؤال هنا  هل من الممكن للثورة السورية أن تبقى سلمية , وهل لها  الا أن تتعسكر  ؟, وهل العسكرة  ممكنة دون القوى الاسلامية ؟.

من يتأمل  بنية السلطة السورية  ويبحث في مقدراتها ومقوماتها, يجد على أنها  عسكرية 100%  وعنيفة100%  وخالية من الفكر 100%  ثم انها استبدادية 100% , وهذه البنية  لاتسمح للمعارضة الا أن تتعسكر  ولو جزئيا  ,واستمرار الثورة ونجاحها ليس ممكنا دون العسكر   , ومن يريد اجهاض الثورة عليه  أن يتمسك  بأسس ومبادئ  نظرية   كالسلمية  لمكافحة الأسد ,الأسد يتمنى سلمية الثورة , لأنه بذلك يستفردها  ويقضي عليها في ليلة واحدة  ,وقد  تمنى  الأسد  عسكرة الثورة  , ظنا منه على أنه  الأقوى في ساحة الحرب , لذا فان الأسد كان متيقن من النصر   على الثورة  ان تعسكرت أم لم تتعسكر .

حسابات الأسد بخصوص الثورة السلمية صحيحة ,  ولا توجد عنده أي صعوبة أو مشكلة في زج  مئات الألوف من المعارضين المسالمين في السجون  وتقتيلهم , حيث يقال على أن  عدد الوفيات منهم تحت التعذيب يبلغ يوميا  مئة ضحية  , أحيانا يتسرب خبر مفاده على أن  عمر عزيز  مات أو غيره  تحت التعذيب  , دون أن  يسبب ذلك عند السيد الأسد أي  انزعاج  ..مات ! بحفض الصرماية ,  بل بالعكس فالسيد الأسد يفخر  بموتهم , لانهم ارهابيين !, ومن يحاسب الأسد بسبب موت أحد المخطوفين   , ولو اراد الأسد قتل عبد العزيز الخير  هذا اليوم  , فهل هناك عوائق   أمام قتله  , وما هي عواقب قتله ؟ للأسف لاعوائق ولا عواقب , يقتل من يشاء  وكيفما يشاء ومتى يشاء .

  الثورات بطبيعتها ديناميكية ,ومن  يفهم هذه الطبيعة الديناميكية  , لايجد في  اندماج القوى الاسلامية  في العمل الثوري  الا  تحقيق لحاجة لابد منها , وهي النجاح , ومن يفهم  طبيعة الثورات  يعرف تماما  على  انه للثورة  منعطفات  واعوجاجات  مرحلية  , ويعرف أيضا على أن الثورة قد  تأكل  اولادها , بمعنى  أن الثورة   تقوم بتنقية نفسها من  القوى والتيارات التي أصبحت شوائب فائضة  , والثورة الفرنسية  خضعت كغيرها من الثورات الى هذه القاعدة , ولم يكن تطورها  مستقيما  , وانما شديد الاعوجاج , وصدق الثائر الفرنسي  جورج جاك دانتون  عندما قال  وهو أمام المقصلة “ان الثورة تأكل أبنائها “, من السهال أن تندلع ثورة  , الا أنه من الصعب تحديد مسيرة هذه الثورة , التي تتطور بشكل أو بأشكال  لا تتناسب مع طموحات   ومبادئ الكثير من الثوار , وتنكص الثورة السورية عسكريا  لايمثل خيانة للسلمية , وانما  تناسقا  مع   واقع   يفرض     هذه   العسكرة ,والعسكرة “المفروضة ” تستقطب أولا جماعات من  محترفي القتال أو من الذين يجدون في الجهاد والقتال هدفا  لهم , ودور هؤلاء مرحلي , فعندما تصبح العسكرة “فائض” تكتيكي , يختفي  هؤلاء   وتحل محلهم جماعات  تتناسق مع الوضع الجديد , الذي قد يكون سياسي , ومن يريد منهم  الاصرار على  التعسكر في هذه المرحلة   ويرفض  التطور  , يصبح “فائضا” ثوريا  , وقد يلقى مصير دانتون  أو مصير روبسبيير أو مارا الفرنسي .

يجب   ادراك حقائق أخرى , منها مثلا تقبل وجود الاسلاميين في السلطة ,  انهم يمثلون حيزا من الشعب السوري , ولا يمكن لمن يريد الالتزام  بالديموقراطية حذفهم من الوجود السياسي , ولا يمكن مطالبتهم بالالتزام  بالديموقراطية  , عندما لايلتزم الغير بها  , ثم ان مشاركتهم في السلطة  لايعني  نهاية المد الثوري , ولا يعني التأسيبس  لسلطة استبدادية   أصولية ستستمر عقودا , انما يعني  البدء الصحيح في تحرير المجتمع من الفكر الأصولي الأحادي  , وتحرير المجتمع من الفكر الأصولي لايتم عن طريق ممارسة الأصولية الأسدية  ولا عن طريق السجون والمشانق  , وانما عن طريق الالتزام  المطلق بالديموقراطية والحرية  , التي تسمح بالمفاكرة  والصراع الفكري  السلمي ,الالتزام بالديموقراطية  هو من أكبر الانتصارات على الأصوليات المختلفة الأشكال , هو انتصار على الاصولية الدينية  وعلى أصولية الأسدية , والديموقراطية كبرنامج ومنهج قادرة على التعامل مع بعض البقايا  السلفية والأسدية , بقايا  سوف لن يكون لها  أي تأثير  على المدى المتوسط والبعيد على مجرى السياسة , على المدى القريب  قد يكون لهؤلاءتأثيرا لايتناسب مع قوتهم الحقيقية , على المدى القريب   تسيطر حالة ارتكاسية  نفسية , قد تستمر بعض الأشهر  , وليس أكثر .

يجب ترتيب أهداف الثورة بمنتهى الحرص والمنطقية ,والهدف الأول  والأساسي هو اسقاط النظام الأسدي بكل مكوناته , ليس كرها بهذا  النظام  وليس انتقاما منه  ,وانما حرصا على حاضر ومستقبل البلاد  , وذلك بعد أن خربت الأسدية الماضي والحاضر وجزء كبير من المستقبل , ومن يظن على أن الأسدية ستنتهي بمجرد سقوط الأسد فقد أخطأ ..أسدية تغلغلت في كل جدوانب المجتمع السوري  وغيرت من خصائصة الفيزيائية والنفسية والتربوية  لاتزول خلال أيام  , ونصف قرن من التخريب يلزمه قرن كامل من البناء , هل زالت العقلية السوفيتية  بمجرد سقوط الاتحاد السوفييتي ؟وحتى الشخصيات السياسية الروسية الآن هم  بالأصل سوفيت ..بوتين ..لافروف , أليس حديث لافروف  كحديث غروميكو ؟.

أهم الجبهات  التي تنتظر الثورة السورية هي الجبهة ضد بقايا الأسدية ,فالأسدية سوف لن تستسلم  طوعا  وسوف لن تقر  بهزيمتها ,وستقوم بنشاط انفصالي جغرافي , والجبهة الثانية ستكون ضد بقايا المحاربين ,من الذين  يؤمنون بأن الحياة هي حرب مستمرة , ثم هناك جبهة خارجية   فحزب الله وايران  سوف لن يتركوا بقايا الأسدية وحيدة  , وعلى المستوى العالمي ستكون هناك جبهة ضد الروس  وعملائهم ,لذا  فان السنين الأولى لفترة مابعد الأسد   سوف لن تكون سنين البناء الصرف  , وانما سنين  ازالة بقايا الحرب  وبقايا النظام  وبقايا الفساد , ثم سنين اعادة تأهيل الانسان السوري لكي يستطيع ممارسة المواطنية  دون وسيلة العنف ..ستكون هذه  السنين شاقة ومفرحة بآن واحد  ,الفرح سيكون بالحريات   وحرية الرأي , وعندي الشعور على أن المواطن السوري سوف لن يطالب حكومة الثورة  بعد يوم من سقوط الأسد بمجمل حقوقه  , التي استلبها الأسد , وانما ببعض الحقوق , للأسف سوف لن يكون لأحد منا حظ الحياة في سوريا التي أصبحت طبيعية , لربما أولادنا  ..على كل حال التاريخ  سيسجل  ويرتب ويحكم  , وعن الأسدية سيكتب كما كتب عن النازية ..رموز الانحطاط !

Tags: , , , ,

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Informations

User Login

Featured

  • انها مجزرة كغيرها !

    وقعت يوم أمس مجزرة في جامعة حلب  راح ضحيتها بين 240 انسان بريئ بين قتيل وجريج  , ولست في موقع يمكنني من القول على  ان السلطة  أو  المعارضة المسلحة  قامت […]

  • الى أين سيأخذنا السلاح؟

    تزايدت في الآونة الاخيرة الدعوات لتسليح الحراك الشعبي في سوريا، واستندت تلك الدعوات الى فكرة، ان النظام مستمر في خياراته الأمنية بالتصدي من خلال القوة، للتظاهرات والاحتجاجات المتواصلة في المدن […]

  • بين بداوة “السلفيين” وربطة عنق “الاخوان”

    بين بداوة “السلفيين” وربطة عنق “الاخوان” شكل سقوط حسني مبارك صدمة إيجابية لدى معظم الشعب المصري في نسبة تجاوزت 99% ليس على مقياس الإنتخابات المصرية ابان حكم مبارك،بل وفق المقياس […]

  • الدرس الذي لم يفهمه بشار الأسد!

    بقلم: صالح القلاب حتى بعد مرور عامين على هذه الحرب المدمرة، التي لا تزال مفتوحة على أسوأ الاحتمالات بما فيها احتمال تمزق سوريا وتشظيها وإقامة الدويلة المذهبية والطائفية التي يجري […]

  • القصير , الحدود والوجود !

    بقلم:مهنا الحبيل تطور الهجوم الذي يشنه التحالف الطائفي الإيراني وميلشيا النظام السوري على مدينة القصير بعد المذبحة الشنيعة في بانياس. وهي المعركة التي يعتبرها النظام قاعدة الرحى لتحقيق عودة المبادرة […]