لقد قيل الكثير حول خطاب الرئيس بشار الأسد مطلع هذا العام , هناك من اعتبر الخطاب خطاب نصر وهناك من اعتبره خطاب هزيمة , الا أن أشد ماقيل في مديح الخطاب هو أنه خطاب سيصنع تاريخ العالم , وبعد هذا الخطاب , الذي بذل الأسد جهدا كبيرا في قراءته بسبب اشكالية التشكيل حيث قلب الرئيس احيانا الفاعل الى مفعول به وبالعكس , في اليوم التالي أصبح الخطاب مطبوعا , وأصبح بالامكان التعرف بشكل أفضل على مضامينه وبالتالي تقييمه , هل كان خطابا لصناعة تاريخ العالم أو انه كان خطاب من الخطابات الملقاة على مزبلة العالم ؟. الخطاب ليس للتسلية ومضيعة الوقت , وانما هو عبارة عن رسالة تتضمن مشروعا , والمشروع يتضمن حلا أو خطة طريق لحل مشكلة عالقة…
انقضت أسابيع على خطاب صناعة التاريخ وعلى خطاب النصر ,دون الشعور بوجود اي صناعة للتاريخ , وصناعة التاريح تعني هنا حل المشكلة بشكل ما , ودون الشعور بانتصار طرف على الآخر , وبعد الخطاب الذي تميز بالكثير من التهديد والوعيد تطورت الأمور باتجاه الأسوء , وما قاله السياسي المسن وذو الخبرة الأخضر الابراهمي حول الخطاب , يلخص تأثير هذا الخطاب على تداعيات الأزمة السورية , فالأخضر الابراهيمي قال على انه خطاب مخيب للأمل , خطاب ساهم في تعقيد المشكلة وليس في حلها , وهكذا كان رأي العالم ماعدا روسيا وايران .
بالنتيجة لم يحل الخطاب أي مشكلة , بل سبب مشاكل جديدة , أي انه خطاب خاو وخال من أي مضمون ايجابي , وهذا يعني على أن الخطاب هو ساعة من الثرثرة الضارة , ومن نوعيته تعرف مزابل التاريخ عشرات الألوف .
من المستحسن التنويه الى بعض معالم القمامة في هذا الخطاب , الذي بدأ موصفا حالة الكآبة في البلاد , يتمظهر الرئيس هنا وكأنه مراقب غريب ولا علاقة له بأسباب الكآبة ,مع انه هو شخصيا المشكلة , هو الكآبة ومسبباتها , هو المزور أيضا , الذي قال على أن الصراع ليس بين السلطة والمعارضة , وانما بين الوطن وأعدائه , وهكذا صنف هذا الرئيس من يعارضه , والمعارضة هي أصلا صراع , على انها عدوة للوطن ,أما الأسد فهو الوطن , وهل يمكن لثرثرة أن تكون أفظع من هذه الثرثرة .
بصيغة الجزم قال الرئيس :” قتلوا المدنيين والأبرياء ليقتلوا النور والضياء في بلدنا ” هم قتلوا وهو لم يقتل أحد , هم ..اي المعارضة , الا أنه للجهات القضائية الدولية رأي آخر, وقريبا ستصدر اضبارة الاتهام بحق الرئيس وأعوانه , والتهمه المتوقعة هي تهمة الاجرام بحق الانسانية , القتلة ليسوا “هم ” وانما “انتم” يافخامة الرئيس ,
الرئيس ينتقل الى ممارسة الفصام , حيث يتهيأ له وجود ماهو غير موجود , قال : في البداية ارادوها “ثورة” مزعومة , فثار الشعب عليهم حارما اياهم من حاضنة شعبية أرادوا فرضها بالمال والااعلام والسلاح ..وفشلوا , ومن منكم يعرف شيئا عن الثورة التي اندلعت ضد الثورة “المزعزمة ” والثورة ” المزعومة هي الثورة , التي نحن الآن في سياقها , من قام بهذه الثورة المضادة ؟؟ لربما يقصد الرئيس الشبيحة كثوار ضد الثورة السورية المزعومة ! لا أعرف …من يتحدث عن ثورة مضادة يهذي , وحقيقة من الممل متابعة هذيان الرئيس , والنقاط التي أوردتها هي من مقدمة الخطاب ,لاحاجة للتعرض لكل ماجاء في الخطاب , انه ذات الأسلوب , الذي لايعرف الصدق والحقيقة .
كلمة عن اختيار الرئيس لدار الأوبرا كمكان لالقاء خطابه , هذه الواقعة ذكرتني بأغنية لبنانية تقول في جملة من جملها .. “والعنزة الجربانة مابتشرب الا من راس النبع ” وهل يتلائم انحطاط الخطاب وقارئه وجمهور قارئه من الشبيحة مع سمو الفن والفكر في دار الأوبرا , هل يمكن تصور قطيع قطاع الطرق من الشبيحة في القاعة ,وهم ينطربون على بافاروتي أو ماريا كالاس , أو يشاهدون مسرحية البؤساء لفيكتور هيجو, التي تقول في مقطع قصير منها :
Bring him peace
Bring him joy
He is young
He is only a boy
كل ذلك صعب التصور , كما انه من الصعب تصور امكانية تحول خطاب الانحطاط ..خطاب التهديد والوعيد وخطاب الكذب والتزوير , الى خطاب الحضارة والصدق لمجرد القائه في دار الأوبرا ..انتقاء تعيس لمكان القاء خطاب أتعس
Post Views: 331