الثورة السورية وظاهرة -الانشقاق- آية سياسية !

November 8, 2012
By

انشق  مؤخرا عن النظام السوري العميد مناف طلاس، الضابط في الحرس الجمهوري، وابن العماد المتقاعد مصطفى طلاس، وزير دفاع حافظ الأسد طوال سنوات حكمه تقريبا، ثم وزير دفاع ابنه ووريثه بشار لنحو أربع سنوات. العميد طلاس من جيل بشار الأسد، “الجيل البعثي الثالث”، الذي ولد أفراده في النعمة، وتوزعوا بين مراتب السلطة والمال (الجيل الأول جيل الدعوة، والثاني جيل السلطة). وتظهره صورة له جرى تداولها بعد الانشقاق بمظهر نجم سينمائي أميركي، ببشرة برونزية وشعر مهمل بعناية فائقة، وبسيكار غليظ في الفم.
ليس العميد طلاس أعلى رتبة انشقت عن الجيش السوري، فقد سبقه أكثر من ضابط برتبة لواء، لكن لا ريب أنه الأقوى سلطة والأقرب إلى مراتب النظام الداخلية. في سورية الأسد ليس اللواء دوما أعلى من العميد، ولا المساعد أول أدنى من الرائد بالضرورة، بل يشيع أن يحوز متوسط الرتبة لا يحوز مثلها عميد أو لواء. للأمر علاقة بمراتب سلطة خفية، تبطن المراتب المعلنة وتهيمن عليها. وتنتمي هذه المراتب الخفية إلى عالم السحر الخالص، وقد رفع يوما ضابطا بلغ رتبة المقدم خلال ست سنوات، ولم يخض أية معركة، إلى رتبة فريق، أعلى رتب في الجيش السوري.
وبعد العميد بن العماد بأيام انشق سفير النظام السوري في بغداد، وكان تقلب في وظائف أمنية وحكومية في النظام السوري، قبل تعيينه سفيرا. السلك الدبلوماسي السوري في مثل مرتبة أجهزة الأمن من السوء.
لكن بينما أعلن السفير انضمامه إلى “ثورة الشعب السوري”، فإن عميد الحرس الجمهوري لا يزال صامتا بعد أسبوع من انشقاقه المفترض، ويبدو أنه اليوم في باريس، المدينة الفرنسية المغمورة التي يقيم فيها أبوه المسن أيضا. “كفر نبل المحتلة” التي تمثل ضمير الثورة السورية، قالت إن “كتيبة شارل ديغول” التي يقودها العميد طلاس سيطرت على شارع الشانزليزيه!
وقائع الانشقاق هذه مرشحة للتزايد. تشعر أعداد أكبر من جماعة النظام أن معركته خاسرة، ويفضلون القفز عن قارب يبدو موشكا على غرق أكيد. هذا طيب من وجهة نظر الثورة. كل ما يضعف نظاما على هذه الدرجة من الدموية وانعدام الضمير مرحب به، حتى وإن كان دافع المنشقين النجاة بأنفسهم. لكن الأمر يطرح تحديا على الثورة من حيث أن للمعنيين، وبدرجة تتناسب مع علو مراتبهم في النظام، تاريخ غير مشرف، حين لا يكون قذرا كل القذارة. وإذا كان صحيحا أن الأفسد والأشد إجراما هم الباقين مع النظام، وهو صحيح، فإن هذا لا يسبغ على من انفصلوا عنه براءة وطهرا. وإذا كان هناك سحر يجعل المقدم فريقا، ويجعل الجمهورية ملكا وراثيا، فليس هناك سحر يقلب التابع الفاسد رجلا نزيها، والمتعجرف الأجوف متواضعا كريما، ومن تعود على إذلال عموم الناس واحدا منهم. ليس بخاصة على ظهر ثورة تتطلع إلى قلب مراتب السلطة القائمة، وإعادة الأخلاق إلى الحياة العامة.
وهذا يطرح على الثورة وجوب وضع سياسة بواضحة المعايير في هذا الشأن، بخاصة أن الأمر مرشح للتوسع ليشكل في وقت قد لا يكون بعيدا ظاهرة عامة. كيف يمكن الترحيب بالمنشقين وتشجيع مزيد من مسؤولي النظام على الانشقاق، وفي الوقت نفسه صون كرامة الثورة وقيمها في النزاهة والعدالة والحرية. لم تطرح الانشقاقات الأولى، وقد كانت لعسكريين أساسا، ولبعض الإعلاميين، مشكلة لأن المعنيين لم يكونوا من عظام رقبة النظام، ولأن أكثرهم انضموا إلى الثورة كمقاتلين أو كقيادات عسكرية، أو في حال الإعلاميين إلى منابر وأجهزة إعلامية قريبة من الثورة. لكن الانشقاقات الراهنة والمرجحة تثير مشكلة سياسية وأخلاقية: هل يكفي أن يترك ضابط كبير أو دبلوماسي، أو وزير، النظام كي يعتبر مبرأ من جرائم النظام أو شريكا في الثورة؟
أقل ما يمكن التفكير فيه في هذا الشأن أن يعتذر المعنيون للشعب السوري عن ماضيهم مع النظام، وأن يشاركوا إيجابيا في شأن يفيد الثورة.
من المهم على كل حال فتح نقاش عام في هذا الشأن، فالأمر مُشكِلٌ، وليس التوفيق بين مطلب تشجيع الانشقاق وبين حماية قيم الثورة أمرا بديهيا أو ميسورا. البراغماتية المنفلتة التي ترحب بالانشقاق ولا تأبه بالمبادئ ليست سياسة لائقة بالثورة. ولا كذلك التزمت الذي يجرم رجال النظام مختلفي المواقع والمسؤوليات بالدرجة نفسها، فيخوفهم من الانشقاق.
والحال أن الانشقاق، والكلمة لم تكن في التداول السوري قبل الثورة، ليس مجرد انفصال عن النظام، بل يتضمن بعدا فكريا وقيميا، يحيل إلى إدانته أخلاقيا، والكفاح ضد نهجه في الاستبداد والفساد والعبث الطائفي. هذا البعد هو المرشح لأن يضحى به في هذا الطور من الثورة السورية، وهو ما لا ينبغي أن يضحى به صونا لكرامة الثورة وشهدائها. وفي هذا الشأن لدينا سابقة معروفة. قبل سنوات انشق عبد الحليم خدام، أحد أعمدة نظام حافظ الأسد، والنائب الشكلي لوريثه طوال حمس سنوات. لكن الرجل لم يعتذر للسوريين يوما، ولم يراجع تاريخه مع النظام، وتوحي ظهوراته الإعلامية بعجرفة سلطوية غير منقوصة.
ونقطة الطائفية مهمة في هذا السياق لأنه يرجح لمنحدرين من البيئة السنية أن ينشقوا أكثر من غيرهم، ومن شأن غياب نقاش وسياسة حول الانشقاق أن يترك الموقف من المنشقين تابعا للقرابات الطائفية، فيضعف أكثر بعده الأخلاقي، وربما يوجه رسالة خاطئة لمن قد يفكرون بالانشقاق من غير السنيين، بل وحتى لثائرين ومشاركين في الثورة من غير السنيين.
ولعل في هذا ما يدعو إلى التفكير في سبل الربط بين سياسة حول الانشقاق اليوم وبين مبادئ للمصالحة الوطنية بعد سقوط النظام. كيف يمكن إدراج تشجيع الانشقاق في رؤية للمصالحة الوطنية في سورية ما بعد الأسدية؟ وكيف التوفيق بين العدالة للأفراد، ومبدأ عدم الإفلات من العقاب، وتجنب ممارسات انتقامية، والمصلحة الوطنية التي قد توجب أشكالا من العفو؟ وما هي حدود الصفح؟ وهل هناك مجرمون مطلقون، لا غفران لهم؟ كيف يمكن تعريفهم؟ هذا قضايا يتعين أن نهتم بها منذ اليوم.


Tags: , , , , , ,

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Informations

User Login

Featured

  • التركمان في قبضة التهميش!,

    لاتكف اركان النظام الاعلامية  عن تكرار   ادعائها بأن الثورة  هي فوضى  , وفي أحسن الأحوال  عبارة عن  غوغائية اجرامية أصولية , الثورة هي ثورة الاخوان  , وما بقي من الشعب  […]

  • النار والاطفائية!

    لقد فشلت الحركات القومية .كالبعث والناصرية .,السورية القومية ألى ماهناك من الحركات التي تنتهج الفكرالقومي في تحقيق ضرورات ومطالب الشعوب ..منها الحرية والديموقراطية والحفاظ على الأرض ثم تحقيق التقدم الاجتماعي […]

  • لا لحزب الله ولا للنصرة

    بقلم :حازم صاغية الضربة الموجعة التي وجّهتها “جبهة النصرة” لـ “حزب الله” في جرود بريتال تبعث على شيء من الفرح لكنّها تبعث على شيء من الأسى في الوقت ذاته. أمّا […]

  • شمعات الشمعدان أبو حافظ ..وتوجيهات الرئيس

    أعطى  الرئيس الأسد توجياته الى رئيس مجلس الوزراء ,وقد شدد الرئيس  الشرعي على ضرورة حماية  المدنيين  ومنازلهم من العبث بها , وقد وعد الرئيس المنتخب (99,99% مؤيد له ) على […]

  • الى المزبلة يانبيل فياض !

    بقلم: تيسير عمار: لا أريد الادعاء بأن نبيل فياض مرتزق  , حتى  ولو كانت  الفلقة الساحنة التي  أكلها في المخابرات الجوية   مميتة  لوجدانه ولقلمه وضميره, فبعد   هذه الفلقة   ادعى […]