ممدوح بيطار :
بشكل عام لايمكن لعاقل ان يعتمد على مقولات مثل مقولة لا اكراه في الدين , لأنه بالمقابل هناك العديد من الآيات التي تنفي مضمون هذه الآية أو الحديث , وحنى اسلام مكة ينفي اسلام المدينة والعكس صحيح , لذا لايمكن أخذ آيات مكة مأخذ الجد وكذلك حال آيات المدينة , حبر على ورق … المهم هي مسلكية اتباع المذهب , والأهم هو الفقه الذي تتم به مواجهة الناس والتعامل معهم من خلاله , والمواجهة تتم بأشكال وتفسيرات مختلفة ومتناقضة في العديد من الحالات , وأشد اختلافا عن بعضها البعض من اختلاف آيات وأحاديث المدينة عن الآيات والأحاديث المكية .
على سبيل المثال لنأخذ آية لا اكراه في الدين , انها واضحة وجلية وليست بحاجة الى تفسيرات , كما أن الآيات المضادة لها واضحة وجلية , الا أن الأهم عمليا هو الفقه , ولنأخذ على سبيل المثال الغنوشي ,الذي يعترف بأن الآية موجهة للجميع , أي أنه لايمكن خرقها بأي شكل من الأشكال , الا أنه نظرا لضديتها مع آيات أخرى , لابد من لوي رقبتها , لكي يكون هناك شيئ من الانسجام , لابد من تحييد الآية بشنقها والتمثيل بجثتها , تحييد الآية يتم من خلال الالتفاف عليها , حسب الغنوشي , الآية موجهة لكل الناس وبالتالي صالحة لكل الناس , باستثناء من رفع السلاح في وجه المسلمين , ومن عارض الدعوة الى الاسلام , فاذا فعل هؤلاء ذلك هناك الدواء في آيات القتال , وما أسهل من تبرير ضرورة القتال باستعمال التبرير الكاذب , مثل تبرير انفلات الفتوحات بالتهديد من قبل الغير , الذي شعرت به الخلافة , مع أنه لم يكن هناك أي تهديد ,لم يهدد الاسبان الخلافة , كما أن الهند لم تهدد الخلافة , ومصر لم تهدد والأمازيغ لم يهددوا , وبلاد الشام لم تهدد وحتى الفرس والرومان لم يهددوا , اذن التبرير بالتهديد لم يكن سوى تلفيقة .
التبرير الآخر وليس الأخير كان ضرورة الهداية ونشر الاسلام بأمر من الله , نشر الاسلام لم يكن سوى تلفيقة كبيرة , اذ أنه لم يكن هناك في زمن الفتوحات قرآن , ولم يكن قادة الفتوحات رجال دين , والعسكر المحارب اهتم بالغنائم , التي قسمت بينه وبين الخلافة بنسيب مشجعة له , وهؤلاء البدو لم يفهموا الاسلام في تلك الحقبة المبكرة , ولحد الآن لم يفهموا الاسلام , ومعظم المسلمون لايفهمون دينهم , وحتى الفقهاء لايفهمون هذا الدين , كما أن ادعاء وجود أوانمر الهية لم يكن أقل من احتقار للذات الألهي , لايمكن لله أن يأمر بتذبيح الناس والاستيلاء على متاعهم وأرضهم وما يملكون وسبي نسائهم وبناتهم , فالمؤمنون بالله لايدعون بأنه شرير قاتل , فكيف يأمر عندئذ بالقتل ؟؟؟ وكيف يأمر بضرورة اسلمة الشعوب الأخرى , التي تنتمي الى دين من اديان الله ؟
الأمثلة كانت لتبيان مخاطر مسألة مزج الدين بالدولة , وبالتالي خلق ازدواجية مفهومية , افقدت آية لا اكراه في الدين مفعولها وقيمتها التشريعية وبالتالي قضى الدين على السلم الداخلي للدولة , كما فعلت حروب الردة قيل الفتوحات , حروب الردة كانت من أجل الدولة ووسيلتها كانت الدين , ولكنها تسببت في انهار من الدماء وعشرات الألوف من القتلى والمذابيح , لم يكن لحروب الردة ان تكون , لو أخذ بآية لا اكراه في الدين , ولم يؤخذ بآية السيف من أجل الدين .
اسست حروب الردة , التي نتجت عن كون الخلافة دين ودولة , لولادة فكر ومنهجية ابن تيمية ومن بعده الوهابية , مثلت هذه الاتجاهات مرجعية للحركات الاسلامية المعاصرة مثل حركة الاخوان المسلمين والحركة السلفية , ففي كتابه السياسة الشرعية كتب ابن تيمية ” أصل القتال المشروع , وهو الجهاد, ومقصوده هو أن يكون الدين كله لله , وأن تكون كلمة الله هي العليا …فمن منع ذلك قوبل باتفاق المسلمين … ” هذا يعني تدفق اشكالية الحروب والتحارب من الداخل الى الخارج , بشكل حرب ضد مابقي من البشرية , وما بقي من الدول والشعوب بدون استثناء , حتى أن بعض الفقهاء كما قال ابن تيمية يجيزون قتل الجميع بمحرد شبهة الكفر , الا النساء والصبيان لكونهم مالا للمسلمين .
لم تكن هناك سابقا من مزج الدين بالدولة سوى الكوارث , والكوارث نراها في هذا العصر ايضا , لم يكن للفتوحات اي تأثير مستقبلي جيد , لقد افسدت الفتوحات اخلاق الفاتحين عن طريق تمرسهم في ممارسة السلب والنهب وامتلاك السبايا والجواري , نفسية الفتوحات ونفسية الحق البدوي لاتزال ماثلة امام أعيننا , مخربة حتى للحاضر عن طريق الفساد وحق امتلاك الغنائم (تعفيش سرقة ونهب ) , ” فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا ” هنا يدعي المفسرون بأن مباركة الأكل من الغنائم كان لطفا من الله ومكافأة منه للمحاربين , والمفسرون يقولون أن الله خص المجاهدين دون غيرهم بهذه المكافأة الحلال الزلال…. الفتوحات أتلفتكم يا أعزائي , انظروا الى حاضركم , تعرفون كيف كان ماضيكم …مفسدة
