أنطون سعاده وصادق جلال العظم: مشروع الأمة بين الثبات والتقلب
سعاده عبد الرحيم:
مقدمة: فيلسوفان من سورية
يُعدّ كل من أنطون سعاده (1904-1949) وصادق جلال العظم (1934-2016) من أبرز المفكرين السوريين في القرن العشرين، لكنهما يمثلان قطبيين متباينين في المشهد الفكري والسياسي.
أنطون سعاده، مؤسس الحزب السوري القومي الاجتماعي، قدّم مشروعاً متكاملاً للنهضة، واستشهد على مبادئه، تاركاً تراثاً فكرياً متماسكاً ما زال يؤثر في الأجيال.
صادق جلال العظم، فيلسوف دمشقي من عائلة نخبوية عريقة، قريبة من السلطة العثمانية ثم السورية، كان أستاذاً للفلسفة في جامعة دمشق. ترك مؤلفات مهمة، أبرزها “نقد الفكر الديني” و”الوعي الذاتي والموضوعي في الفكر العربي”، التي تعكس مرحلة ماركسية نقدية حادة. لكن مسيرته الفكرية اتسمت بتحولات كبرى: بدأ قومياً اجتماعياً، ثم تحول إلى الماركسية وأصبح من أبرز منظريها في العالم العربي، ثم في سنواته الأخيرة مال إلى التقارب مع الخطاب الإسلامي السياسي.—
جدل التحولات: دفاع ورد
أولاً: دفاع المدافعين عن العظم
يقدم بعض المفكرين والنقاد قراءة مختلفة لتحولات العظم، لا تراها تقلباً، بل نضوجاً فكرياً وعملياً، ومراحل متكاملة في رحلة بحثه عن الحقيقة. ومن حججهم:
1. النضوج الفكري والعلمي:
يقولون إن العظم لم يتقلب، بل كان يخضع أفكاره لامتحان الواقع، فيتخلى عن النظريات التي تفشل في تفسير الواقع، وينتقل إلى ما هو أكثر قدرة على الفهم. فتركه للماركسية لم يكن هروباً، بل كان نتيجة إدراكه لقصورها في تفسير الدين والهوية في المنطقة العربية.
2. التقارب الجوهري بين الماركسية والفكر الديني:
يرى البعض أن هناك تقارباً جوهرياً بين الفكر الديني والفكر الماركسي في “الحتمية التاريخية”؛ فالدين يوصل إلى الجنة، والماركسية توصل إلى المجتمع الشيوعي (“الجنة في الأرض”). كلا الفكرين يقوم على وعد بغاية نهائية، مما يفسر انتقال الماركسيين المتعبين إلى التدين، باعتبار أن الجوع للمطلق واحد، وإن اختلفت الصياغات.
3. مراحل النضج العملي:
يقولون إن العظم بدأ قومياً اجتماعياً لأنه كان يبحث عن هوية جامعة، ثم انتقل إلى الماركسية لأنه رأى في التحليل الطبقي أداة لفهم الصراع الحقيقي، ثم انتقل إلى الاهتمام بالدين لأنه أدرك أن الدين هو الفاعل الاجتماعي الأقوى في المنطقة، وأن تجاهله خطأ تحليلي.
ثانياً: قراءة نقدية لهذه الدفوع
مع احترامنا لهذه القراءات، يمكن الرد عليها بموضوعية:
1. النضوج الفكري لا يعني التخلي عن المبادئ:
النضوج الفكري الحقيقي يعني تعميق الفكرة وتطويرها، وليس التنقل بين الأضداد. سعاده نفسه واجه ظروفاً متغيرة، لكنه ظل متمسكاً بمبادئه، وطوّرها داخلياً دون أن يهجرها. العظم، بالمقابل، تخلى عن القومية الاجتماعية تماماً، ثم عن الماركسية تماماً، ثم تقارب مع ما كان يهاجمه أشد الهجوم. وهذا ليس نضوجاً، بل هو إما ارتباك، أو استجابة للتيارات الرائجة في كل مرحلة.
2. التقارب بين الماركسية والدين: تشابه شكلي وليس جوهرياً:
صحيح أن الماركسية والدين يشتركان في الإيمان بـ”غاية نهائية” (المجتمع الشيوعي / الجنة)، لكن جوهر الحتمية مختلف تماماً:
· الدين يرى الحتمية بإرادة إلهية، وخضوعاً لقدر خارجي.
· الماركسية ترى الحتمية بقوانين مادية، وتحرراً من الاستغلال.
العظم نفسه، في مؤلفاته الماركسية، كان يهاجم الدين كوهم وعائق أمام التحرر. فكيف ينتقل فجأة إلى التقارب معه دون أن يقدم مراجعة نقدية لمواقفه السابقة؟ هذا التناقض لا يفسره التقارب النظري، بل يفسره التقلب الظرفي.
3. تفسير التحولات بالظروف الشخصية لا بالمنطق الفكري:
انتماؤه للحزب السوري القومي الاجتماعي كان لأنه التيار الرائج في الجامعة الأمريكية، وتركه كان بسبب خلاف شخصي مع مسؤولين، وليس بسبب أزمة فكرية. تحوله إلى الماركسية كان بعد هزيمة 1967، عندما أصبح اليسار هو التيار الرائج في العالم العربي. تقاربه من الإسلام السياسي كان عندما أصبح هذا التيار هو الرائج في المنطقة. هذا النمط من التحولات يجعله أقرب إلى راكب الأمواج منه إلى مفكر يخضع أفكاره لامتحان نقدي صارم.
4. الهجر ثم العداء:
إذا كان العظم قد ترك القومية الاجتماعية والماركسية نتيجة نضوج فكري، فمن المفترض أن يترك لنا نقداً مؤسساً لهما، يبيّن نقاط ضعفها، ويقدّم تصحيحاً لهما، أو بديلاً عنهما. لكن العظم لم يكتفِ بهجرهما، بل أصبح معادياً لهما، خاصة في مرحلة تقاربه مع الخطاب الإسلامي السياسي، حيث راح يهاجم ما كان يدافع عنه بأشرس عبارات النقد. وهذا العداء، دون مراجعة نقدية منهجية، يثبت أن تحولاته لم تكن نضوجاً، بل كانت هروباً من التزام إلى ضده، دون أن يترك أثراً فكرياً في أي من التيارات التي انتمى إليها أو عاداها. بينما سعاده، قبل استشهاده، ترك نقداً مؤسساً وممنهجاً للماركسية (في كتاباته عن المادية التاريخية وللقومية العربية).
5. العظم: شارح ولم يؤسس:
حتى في مرحلته الماركسية المتألقة، لم يقدم العظم للماركسية إضافة نظرية جوهرية. هو استورد الماركسية الأوروبية وطبقها على السياق العربي، لكنه لم يضع نظرية جديدة في الوعي، أو التاريخ، أو الاقتصاد. لم يترك مدرسة ماركسية مستقلة، ولا امتداداً عضوياً للماركسية في المنطقة. ظل شارحاً ومجتهداً في التطبيق النقدي، دون أن ينتج منها فكراً تأسيسياً جديداً. وهذا يفرقه عن ماركس نفسه، الذي كان مؤسساً لنظرية، وعن سعاده، الذي كان مؤسساً لمشروع متكامل.—
الخلفية الفكرية والاجتماعية
سعاده:
نشأ في بيئة متواضعة، وعاش تجربة الهجرة والاغتراب، مما جعله يدرك هموم الطبقات المهمشة والمكونات المتنوعة في سورية. كان مشروعه تعبيراً عن حلم أمة جامعة تتجاوز الانقسامات.
العظم:
نشأ في عائلة نخبوية دمشقية قريبة من دوائر السلطة، وعاش في بيئة أكاديمية مريحة. انتماؤه للتيارات الفكرية كان أشبه بمواكبة الصيحات الرائجة في كل مرحلة، مما يفسر تقلبه دون أن يترك مدرسة فكرية أو مشروعاً بديلاً.
الموقف من القومية والطائفة
سعاده:
· رفض القومية العربية التي يحملها نظام الاستقلال، باعتبارها قومية إقصائية تحمل إيحاءات إسلامية.
· أسس لقومية سورية – سورية الطبيعية- علمانية، جامعة لكل المكونات، تقوم على المواطنة والاشتراك الفعلي في الحياة.
· رفض أي نموذج دولة يقوم على التراتبية الطائفية، سواء كان برأس علوي أو سني أو أي مكون آخر.
· ورغم أن سعاده استُشهد عام 1949، أي قبل ظهور نظام البعث والأسد، فإن مبادئه النظرية ترفض بشكل قاطع أي نموذج دولة يقوم على التراتبية الطائفية، أو على هوية قومية عربية تحمل إيحاءات إسلامية، مهما كان شكل هذا النموذج أو هوية رأسه السياسي.
العظم:
· في مرحلته الماركسية، ركز على الجانب الطبقي وتجاهل البعد الطائفي.
· في مرحلته الأخيرة، ركز على التناقض بين الرأس العلوي والجسد السني، لكنه تجاهل أن النظام نفسه كان قومياً عربياً (إسلامياً ضمناً) في جوهره.
· لم يقدم أي حل جذري للمسألة الطائفية، بل اكتفى بتحليل ظرفي متغير، دون أن يمتلك رؤية تأسيسية كرؤية سعاده.
الموقف من الدولة والمؤسسات
سعاده:
قدّم مشروعاً لدولة قومية اجتماعية، تقوم على فصل السلطات، ومحكمة دستورية، ورتبة أمانة، ورقابة مالية محلية. ترك مسودة دستورية لمحكمة حزبية عليا، ووضع أسساً لهندسة سياسية تضمن عدم تحول الدولة إلى سلطة فوق المجتمع.
العظم:
كان ناقداً للدولة والمجتمع، لكنه لم يقدّم مشروعاً بديلاً مكافئاً لسعاده. نقدّه كان قاسياً، لكنه ظل في دائرة النقد الظرفي، دون أن يضع أسساً لدولة جديدة. وهو ما يفسر عدم تأسيسه لأي مدرسة فكرية أو حركة سياسية، بينما سعاده ترك حزباً ودولة في المخيال السياسي السوري.
الثبات مقابل التقلب
سعاده:
ظل ثابتاً على مبادئه حتى استشهاده، ولم يتغير فكره بتغير الظروف. مشروعه كان متماسكاً، يجمع بين الفلسفة، الدولة، الاقتصاد، والأخلاق.
العظم:
تحول من القومي الاجتماعي إلى الماركسي، ثم إلى التقارب مع الخطاب الإسلامي السياسي. تحولاته لم تكن نتاج تطور فكري عضوي، بل كانت ردود فعل على التيارات الرائجة في كل مرحلة. وهذا التقلب أضعف مصداقيته كمرجع فكري ثابت، وجعله أقرب إلى راكب أمواج منه إلى مفكر مؤسس.
الخلاصة النهائية
أنطون سعاده وصادق جلال العظم يمثلان نموذجين متناقضين للمثقف السوري:
· ماركس كان مؤسساً لنظرية في التاريخ والمجتمع، غيّرت مسار الفكر العالمي.
· سعاده كان مؤسساً لمشروع متكامل، جمع بين الفلسفة ، علم الاجتماع، الدولة، الاقتصاد، والأخلاق، وضحى بحياته من أجله، وقدم نقداً مؤسساً وممنهجاً للماركسية والقومية العربية والديمقراطية التمثيلية.
· العظم، رغم قسوة نقده وثرائه في بعض الأحيان، ظل شارحاً ومطبقاً، لم يضف إلى الماركسية نظرية جديدة، ولم يبنِ مشروعاً بديلاً عنها، واكتفى بالنقد والهجر والعداء.
ويبقى مشروع سعاده، بعد أكثر من سبعين عاماً على استشهاده، أخلاقياً، جامعاً، وعصرياً، لأنه يضع الأخلاق كشرط للبقاء، والأمة كإطار للتحرر لا للإقصاء، والدولة كهندسة دستورية تحمي المواطن من سلطة الأبوية. بينما يبقى نقد العظم نقداً ظرفياً، وتحولاته دليلاً على هشاشة الموقف الفكري الذي لا يصمد أمام تقلبات الزمن.
وسورية، التي عانت من مشاريع الدولة المشوهة ومن نقاد بلا مشاريع، تظل في انتظار من يعيد بناء مشروع سعاده بالأدوات العصرية، ليصبح بديلاً حقيقياً عن سلطة الأبوية، وتيه النقد، وركوب الأمواج.
Post Views: 6