اقتصاد الاستعراض: حين تصبح السلعة قناعًا، ويصبح التفاخر طبقةً اجتماعية …

مروان صباح :
   في الماضي القريب ، كان التفاخر بالثراء أكثر بساطة مما هو عليه اليوم ، كانت أساور قليلة من الذهب في معصم امرأة تكفي ، أحيانًا ، لتقول ما لا تريد قوله صراحة ، كانت تمضي بين الغرباء ، فتبحث عن مناسبة عابرة ترفع فيها يدها ، أو تلتفت إلى من بجانبها وتسأله إن كانت الشمس تشرق من هذا الجانب أم ذاك ، لا لأن اتجاه الشمس كان يشغلها فعلًا ، بل لأن حركة اليد تمنح الذهب فرصة أخرى كي يلمع ، كان الاستعراض آنذاك محدود الأدوات ، واضح الدلالة ، أما اليوم فقد اتسعت خشبته إلى حد يكاد يشمل كل شيء : الساعات ، والسيارات ، والعطور ، والملابس ، والهواتف ، والمطاعم ، والسفر ، وحتى نوعية الأماكن التىّ نجلس فيها والصور التىّ نسمح للآخرين برؤيتنا فيها ، لقد تغيّر شكل الاستعراض ، لكن غايته الأساسية لم تتغير كثيرًا : أن يرى الآخرون ما نملك ، وأن يستنتجوا منه من نكون ، والمفارقة أن الاستهلاك المظهري ، الذي كان في الماضي أقرب إلى امتياز طبقي للأثرياء ، أصبح اليوم سلوكًا عابرًا للطبقات ، لم يعد الفقير خارج سوق المظاهر ، بل دخل إليه بكل ما يستطيع ، وإن كان بثمن أعلى مما يستطيع تحمله قياسًا إلى دخله .
فالغني قد يدفع ثمن الاستعراض من فائض ثروته ، بينما قد يقتطع الفقير من دخله المحدود ليشتري مظهرًا يقترب به ، ولو رمزيًا ، من الصورة التىّ يراها عند الطبقات الأعلى ، ولذلك قد يكون الاستهلاك المظهري أكثر قسوة على الفقير من الغني ؛ لأن الفقير لا يشتري السلعة فحسب ، بل يشتري حقه المؤقت في أن يبدو كما لو أنه ينتمي إلى عالم آخر ، ومن هنا لم تعد السلعة مجرد أداة للاستخدام ، أصبحت لغة اجتماعية ، فالساعة لا تخبرنا بالوقت فقط ، والسيارة لا تنقلنا من مكان إلى آخر فقط ، والملابس لا تؤدي وظيفة الحماية فحسب ، ففي بعض مستويات الاستهلاك ، تتحول هذه الأشياء إلى إشارات تقول للآخرين : هذا هو موقعي ، وهذه هي قدرتي ، وهذا هو الفرق بيني وبينكم ، وهكذا يتحول الاقتصاد من إنتاج الأشياء إلى إنتاج المعاني المحيطة بها ، ولعل صناعة السلع المقلدة تكشف هذه الحقيقة بصورة شديدة الوضوح. فحين أصبح بالإمكان إنتاج نسخة أرخص من سلعة فاخرة ، لم يعد امتلاك شكل العلامة التجارية حكرًا على من يستطيع دفع ثمن الأصل ، انتقلت صورة الرفاهية إلى طبقات أوسع ، لكن ذلك لم يُنهِ التفاوت ؛ بل دفع السوق الفاخرة إلى البحث عن مستويات جديدة من الندرة والسعر والحصرية .
بمعنى آخر ، كلما اقترب التقليد من الأصل ، اضطر الأصل إلى الابتعاد أكثر ، فحين يستطيع عدد أكبر من الناس ارتداء الشكل نفسه ، يفقد الشكل جزءًا من قدرته على التمييز ، وعندها يصبح السعر نفسه علامة ؛ تصبح الندرة قيمة ؛ ويصبح عدم قدرة الآخرين على الوصول إلى السلعة جزءًا من جاذبيتها ، وهنا لا يعود السؤال الاقتصادي : «كم تبلغ قيمة هذه السلعة؟»، وإنما يصبح: «كم شخصًا لا يستطيع شراءها؟» فإن هذه النقطة مهمة لفهم سيكولوجية الاستهلاك الاستعراضي ، فالسلعة الفاخرة لا تستمد قيمتها دائمًا من منفعتها المادية ، وإنما من قدرتها على إنتاج شعور بالتميز ، وقد يعرف صاحبها أن سعرها مبالغ فيه ، لكنه يقبل بذلك لأن السعر المرتفع يؤدي وظيفة أخرى : إنه يضع مسافة بينه وبين الآخرين ، ولهذا فإن بعض السلع الفاخرة لا تبيع الجودة وحدها ؛ إنها تبيع المسافة الاجتماعية ، والاستعراض ، بطبيعة الحال ، لا يتوقف عند المال ، فهناك استعراض آخر أكثر هدوءًا ، وأكثر قدرة على التخفي خلف صورة الثقافة والمعرفة : الاستعراض اللغوي والمعرفي ، وليس في تعلم اللغات القديمة ، كالإغريقية أو المصرية القديمة ، أو في التخصص الأكاديمي الرفيع ، أي مشكلة في ذاته ؛ فالمعرفة قيمة عظيمة حين تكون غايتها الفهم والاكتشاف والإنتاج ، لكن المعرفة يمكن ، مثل المال ، أن تتحول إلى أداة للتمايز الطبقي ، حين تُستخدم المعرفة لا لفتح الأبواب أمام الآخرين ، بل لإغلاقها في وجوههم ؛ حين يتحول المصطلح المعقد إلى وسيلة لإظهار التفوق بدل توضيح الفكرة ؛ وحين يتحدث اثنان أمام جمهور بلغة لا يفهمها معظم الحاضرين ، لا لضرورة علمية وإنما لإنتاج شعور بأن هناك «نحن» في الداخل و«هم» في الخارج ، فإن المعرفة تكون قد غادرت وظيفتها الأصلية وأصبحت جزءًا من اقتصاد الاستعراض ، إنها ليست مسألة لغة ، بل مسألة سلطة ، فالذي يمتلك رمزًا لا يستطيع الآخرون قراءته يستطيع ، للحظة ، أن يضع نفسه في موقع أعلى منهم ، وهذا المنطق هو نفسه الذي تعمل به الساعة النادرة والسيارة الباهظة والعلامة التجارية الحصرية : تحويل شيء ما إلى رمز للانتماء إلى دائرة لا يستطيع الجميع دخولها .
وهنا تبرز مسرحية «الخادمات» (Les Bonnes) للكاتب الفرنسي جان جينيه بوصفها مدخلًا أدبيًا بالغ الدلالة إلى هذه المسألة ، في عالم جينيه ، لا تبدو الطبقات الاجتماعية مجرد مواقع اقتصادية ثابتة ؛ إنها أدوار تُؤدّى ، وأقنعة تُرتدى ، وصور يحاول الإنسان أن يرى نفسه من خلالها ، فالخادمات لا تواجهن السيد فقط بوصفه شخصًا أعلى منهما في السلم الاجتماعي ، بل تواجهان أيضًا صورة الحياة التىّ تمثلها السيدة : الملابس ، والسلطة ، واللغة ، والقدرة على أن تكون مرئية بطريقة مختلفة ، إنها خشبة مسرح داخل خشبة مسرح ، والأمر نفسه يحدث خارج المسرح ، الإنسان المعاصر لا يكتفي بأن يعيش ؛ إنه يؤدي حياته أمام الآخرين ، يختار ما يرتديه ، وما يقوده ، وما يشتريه ، وأين يسافر ، وما يصوره ، وما ينشره ، وأحيانًا حتى الكلمات التىّ يستخدمها ، وفق الصورة التىّ يريد أن يتركها في أذهان الآخرين ، نحن لا نستهلك الأشياء فقط ؛ نحن نستهلك صورتنا عنها ، وصورة الآخرين لنا من خلالها ، ولهذا قد تبلغ ساعة مئات الآلاف أو الملايين ، وقد تصبح تكلفة صيانتها في حد ذاتها رقمًا يفوق دخل أسرة كاملة لسنوات ، وفي هذه الحالة ، لا تعود الساعة مجرد جهاز لقياس الزمن ؛ إنها رسالة اجتماعية عن فائض المال ، وعن القدرة على إنفاقه في شيء لا تتوقف عليه الحياة ، وهنا تتحول السلعة إلى جدار ، فكلما ارتفعت كلفة الشيء ، ارتفعت قدرته ــ في بعض الأسواق ــ على استبعاد الآخرين من امتلاكه ، يصبح الثمن نفسه جزءًا من التصميم الاجتماعي للسلعة ، أما الفقير ، حين يدخل هذه اللعبة ، فيبحث غالبًا عن أقصر طريق إلى الصورة بأقل تكلفة ممكنة : التقليد ، أو البديل ، أو العلامة التىّ تمنحه مظهرًا قريبًا من الأصل ، بينما يستطيع الغني أن يدفع ثمن التفرد نفسه ، ولهذا يمكن صياغة القاعدة على النحو الآتي :كلما ازداد انتشار الرمز ، انخفضت قدرته على التمييز ؛ وكلما ازدادت ندرته ، ارتفعت قيمته الاستعراضية .
ومن هنا تستمر اللعبة بلا نهاية ؛ تنتشر السلع المقلدة ، فيرتفع الطلب على الأصل النادر ، ويصبح الأصل أكثر انتشارًا ، وهو ما فعلته الولايات المتحدة مع الصين ، حين شجعتها على صناعة التقليد ، حتى يرتفع الطلب على السلع الفريدة والنوعية ، فيبحث الأغنياء عن نسخة أكثر حصرية منها ، تظهر علامة جديدة ، ثم تُقلَّد ، ثم تظهر نسخة أكثر ندرة ، وهكذا يتحرك السوق في دائرة لا تنتهي ، إنها ليست حربًا على السلع ، بل حرب على الرموز ، والأهم من ذلك أن هذه الحرب لا تدور فقط بين الأغنياء والفقراء ، بل داخل الطبقات نفسها ، فكل طبقة تبحث عن سلم جديد للتميز ، وكل فرد يريد أن يصعد درجة واحدة فوق الآخرين ، وفي مجتمع تتحول فيه الأشياء إلى علامات للمكانة ، تصبح الحياة اليومية سباقًا صامتًا لإثبات الموقع .
وهذا هو الوجه السياسي الأعمق للاستهلاك الاستعراضي ، فحين يصبح الاعتراف الاجتماعي مرتبطًا بما نملك ، تتحول الثروة من وسيلة للعيش إلى وسيلة لتعريف الإنسان نفسه ، وحين يصبح المجتمع أكثر تفاوتًا ، تصبح المظاهر أكثر أهمية ؛ لأن الإنسان لا يرى الفوارق الاقتصادية في الأرقام المجردة فقط ، بل يراها في السيارة ، والساعة ، والملابس ، والمطعم ، والجامعة ، والحي ، واللغة ، تتحول الطبقات إلى علامات مرئية ، ولذلك فإن اقتصاد الاستعراض ليس مجرد قصة عن أشخاص يحبون المظاهر ، إنه قصة عن مجتمع يزداد فيه الاعتماد على العلامات لقراءة مكانة الإنسان ، والأكثر مفارقة أن الاستعراض يحتاج إلى الفقراء كما يحتاج إلى الأغنياء ، فلو لم يكن هناك من ينظر ، فلن يكون هناك استعراض ، ولو لم توجد طبقات أدنى للمقارنة ، لفقدت بعض الرموز قدرتها على إنتاج الشعور بالتفوق ، إن الاستعراض أيها القارئ ، في جوهره ، علاقة بين طرفين : شخص يريد أن يُرى ، وآخر يراد له أن يرى ، وهنا نعود إلى مسرح جينيه ، فالخادمات والسيدة ، في أحد مستويات القراءة ، لا يقفن فقط على طرفي علاقة اجتماعية ؛ إنهن يتحركن داخل عالم من الرغبات والصور والأدوار ، حيث يريد كل طرف أن يكون شيئًا آخر ، أو أن يُرى بطريقة مختلفة ، وهذا هو حال الإنسان في مجتمع الاستعراض : قد لا يكون الصراع الحقيقي حول السلعة ، بل حول من يملك الحق في أن يبدو سيدًا ومن يُترك في موقع الخادم .
وفي الخاتمة ، ربما لا تكون المشكلة في أن الإنسان يريد أن يكون جميلًا ، أو أنيقًا ، أو غنيًا ، أو مثقفًا ، المشكلة تبدأ عندما يصبح كل ذلك بلا قيمة إلا إذا رآه الآخرون ، عندها لا تعود الساعة لقياس الوقت ، ولا السيارة للانتقال ، ولا المعرفة للفهم ، ولا الملابس للستر والأناقة ، تصبح الأشياء أدوارًا ، ويصبح الإنسان ممثلًا على مسرح اجتماعي كبير ، يبدل قناعه كلما تغير الجمهور ، ويشتري تذكرة جديدة إلى المكان الذي يريد أن يقف فيه .
أما السؤال الذي يبقى معلقًا فوق خشبة المسرح فهو :

هل نملك الأشياء حقًا ، أم أن الأشياء هي التىّ تملك صورتنا أمام الآخرين ؟ … والسلام

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *