ممدوح بيطار , مها بيطار :
الرقمية معطيات نتجت عن استخدام تكنولوجيا جديدة , ميزت بين الدول المتقدمة والدول المتأخرة بخصوص الوصول الى المعلومات والمعارف , ثم استثمار هذه المعلومات والمعارف في عملية التقدم والتطور , هناك من استخدم هذه الآليات واستفاد منها , وهناك من رفض الاستفادة منها , وبالتالي ولدت بين الفئتين “فجوة” معرفية في مجال الثقافة الرقمية , المثقف العارف هو من يأخذ الأرقام والاحصائيات ويدرسها ويستخدمها في تلافي أخطاء الماضي, وفي ابتداع خططا جديدة لخدمة للانسان ورقيه وتقدمه .
لايزال التعامل مع العلم ومع الحداثة ومع الأرقام في دول هذه المنطقة بدائيا ومتقزما ومحشورا في قوالب الحب والكره والحقد والمؤامرة والنكد والاهانة والشعور بالرفض ,بالرغم من أن الأرقام لاتترك منفذا للهروب وللتبريرات المخاتلة , يهرب الأعراب ويتخندقون في حندق التصدي لما يعنبرونه اذلالا وحقدا وكراهية , ظنا منهم بأن التخندق بهذا الشكل يساهم في تقدمهم ودرء شر التأخر عنهم ,
ولنأخذ بعض الأمثلة التوضيحية عن هذه الحالة ,التي نلمسها في كل ساعة وفي كل يوم من خلال النقاشات حول مختلف المواضيع , التي عليها ان تهم الانسان , الذي عليه الاهتمام بحاضره ومستقبله , لانلاحظ في النقاشات أكثر من الاتهامات بالحقد والكره والخيانة والعمالة للأجنبي , دون الاهتمام بالموضوع قيد البحث وبالحقائق المادية الملموسة .
قبل أعوام صدر عن جهات رسمية أممية , تقريرا عن التنمية , وفي هذا التقرير كانت هناك مقارنة بين النتاج القومي الاجمالي للدول العربية مع النتاج القومي الاجمالي لاسبانيا , خلص التقرير الى القول بأن النتاج القومي الاسباني أعلى من النتاج القومي الاجمالي للدول العربية مجتمعة بما فيه البترول .
من المنطقي والعقلاني هنا أن يتم التفكير في اسباب ذلك التباين, لكي تستطيع هذه الشعوب صناعة وضعا أفضل , بدلا من ذلك انفجرت قريحة كاتب في موقع اسلام اونلاين, معتبرا أن التقرير ليس الا عملية اذلال واهانة للعرب وتقديم سلاح جديد لكي يستخدم في الامعان بهدر كرامة العرب والتشهير بهم وبدينهم , ثم أن مجرد اختيار اسبانيا كمستعمرة عربية سابقة لسبعة او ثمانية قرون هو تحقير للعرب , اضافة الى ذلك فانه من المعروف بأن زيادة طفيفة في سعر البترول ستقلب هذه المقارنة رأسا على عقب !,وهذا ليس صحيح , اذ أن ارتفاع اسعار النفط سيقود الى ارتفاع اسعار المنتجات عموما , اي ارتفاع اسعار المنتجات الصناعية , التي تحتاجها كل الدول العربية ,والى ارتفاع جهود الدول الصناعية لانتاج بدائل عن النفط , وهكذا أصبحت أمريكا أكبر دولة منتجة للنفط في العالم …نفط الحجارة بدلا من نفط جوف الأرض .
المقارنة توحي بوجود خطأ لدى العرب , كيف يمكن لدولة لايتجاوز عدد سكانها ٤٠ مليون انسان كاسبانيا , وبدون ثروات باطنية أن تتفوق انتاجيا على كل الدول العربية مجتمعة, نعم هناك خطأ بدون شك , والشيئ الخطأ ليس القيام بالمقارنة وليس بالاسبان , انما بالعقل العربي .
لم يكتف تقرير الأمم المتحدة بالمقارنة , التي قيل على انها حاقدة , انما شمل مجالات اخرى مثل عدد الصحف لكل ١٠٠٠ من العرب , مقارنة مع غيرهم , ثم عدد خطوط الهاتف , وعدد الكومبيوترات لكل ١٠٠٠ شخص , وعدد بوابات الانترنت عند كل ١٠٠٠ شخص وهكذا , لالزوم للتوسع في ذكر الامثلة فالأمر ينطبق على كل المجالات الأخرى .
لم يفهم المجاهدون ضد الحقد والكره مهمة النقد , التبس لديهم النقد بالحقد , حقيقة ان النقد هدية مجانية , يجب الاستفادة منها واستثمارها في عملية تجنب الأخطاء وممارسة الايجابي والجيد , الناقد ليس حاقد , انه يقدم خدمة جليلة وينبه الى الخلل , الذي يمكن عندها تجاوزه او تجنبه .
لايكفي اعتبار الناقد حاقد ,لكي تصبح السياسة الخاطئة عقلانية منطقية وناجحة ,ولا يكفي اتهام الآخرين بكره الدين الحنيف لكي يتحول الاخوان الى بديل نخبوي يحمل شعلة التقدم والتحرر والمساواة والعدالة الاجتماعية , لايصمد الانتقاص من الغير أمام حقائق الواقع , الذي يجب التعامل معه كما هو ,لايمر طريق النجاح عبر مستنقع التأخر والتنكر وشتم الآخر, حتى النجاح في المعارك السياسية يخضع تقريبا الى نفس المبادئ , لاتكفي عدالة القضية لتحقيق نجاحها , عدالة القضية شيئ وطرق التعامل معها شيئا آخر , بالرغم من عدالة القضية , خسر العرب تقريبا كل المعارك السياسية ,وكل الأصدقاء تقريبا , وضرب حولهم سياج الحجر والحصر والعزلة , يستصعب العالم فهم مطالب العرب بحقوقهم الدولية , عندما يتم هدر حقوق مواطنيهم في بلدانهم , العالم لايفهم هجمة العرب المحقة على الاستعمار ,عندما يطالب العديد منهم باعادة اسبانيا الى حظيرة المستعمرات البدوية ,كما أن الرفض المحق للاستعمار , لايستقيم مع تمجيد استعمار العرب لربع الكرة الأرضية ,لا أحد يفهم تشدق الكثير من العرب بخصوصية خير أمة !!عموما يمكن القول ان من لايقتدر على التفاهم مع الآخر فاشل ان كان على حق او باطل !.
