ممدوح بيطار , سمير صادق :
يعيش الانسان العربي -المحمدي مرغما على الاستقطاب لأحد طرفي محور متعاكس القطبين , هناك قطب التراث الذي يجذبه الى جهة , وقطب الحداثة والعصرنة الذي يجذبه الى جهة أخرى , مندفعون الى الأمام ومشدودين الى الوراء,ولما كانت الحداثة ومواكبة العصر ضرورة لايمكن بأي شكل من الأشكال تجاهلها والاستغناء عنها , لذلك تحولت المعارضة الدينية للعصرنة الى عبئ ثقيل من الصعب تحمله , ولمن يريد الاتندماج بالعصرنة وقف الدين ورجال الدين له بالمرصاد , وفي جعبتهم العديد من الأمكانيات منها البترول والديماغوجية والعنف , لذلك نرى هنا وهناك انتصارات للقطب المتحفي الماضوي بفعل العنف والمال وعن طريق توظيف هذا المال في الصراع مع الحداثة.
من الضروري أدراك بعض الحقائق عن خاصة التأقلم , انه من المستحيل أقلمة العصرنة مع التراث الديني القديم , الا أنه من الممكن ومن الضروري محاولة أقلمة الدين مع متطلبات العصر ,فالدين الذي يعتمد على القدسية وتعالي الثوابت , يحرم نفسه من امكانية التطور عن طريق احلال البراغماتيكية محل الدوغماتيكية , الدين المخصي تطورا بسبب الثوابت ,التي لايجوز نقدها والمس بها , هو الدين الذي سيواكب الصعوبات بشكل متزايد , انه الدين الذي تحول الى اشكالية ولم يعد بمقدوره حل أي مشكلة , ومع التقادم يبتعد الدين المقدس باضطراد عن الأرضية ويزداد توغلا في السماوية , هذا الدين سيتحول الى عقيدة المتاعب التي لا أمل في تناقصها , دين متجمد بهذا الشكل أو اي عقيدة أخرى متجمدة هوعقيدة ودين يتجه نحو الانقراض , أي انقراض أتباعه حضاريا لعدم تمكنهم من تقديم المفيد للحضارة البشرية, وهل للدين أي قيمة عندما يفقد اتباعه؟, وعندما يفقد اتباعه المقدرة على ممارسة أحكامه !!,من ينظر الى الدين ومتطلبات ممارسة طقوسه والتقيد بأحكامه والى ممارسات أكثرية المؤمنين يشك بوجود مؤمنين حقيقيين , انقراض الممارسة هو صورة عن انقراض الدين , وانقراض المؤمنين هو صورة عن انقراض الدين , اذ لاوجود لدين بدون مؤمنين.
القداسة وتعالي الثوابت تحول النقد الضروري لضمان حيوية أي عقيدة الى استحالة تحريمية, خاصة عند جهوزية تطبيق الحد الأقصى من العقوبات تجاه أي مساس بأصغر جزئية من المفاهيم الدينية , هناك التكفير الذي يحلل دم الكافر , وما معنى “كافر”؟؟ بشكل عام ؟ الكافر هو من لايؤمن بالله ورسوله , هنا يمكن نظريا اقامة الحد الذي لاحدود لضراوته,قد يكون رجما أو صلبا أو ذبجا أو حرقا أو خنقا بالاغراق ,بشكل عام فشل المؤمنون في تطبيق عقوباتهم على الكافر أو الزانية أو المفطر في رمضان , وتمت الاستعانة بالله الجهنمي الذي على كل شيئ قدير , والذي سيضع هؤلاء الزنادقة في احدى زوايا جهنم , فمن لايمكن معاقبته على الأرض , تتكفل السماء بالقيام بهذه المهمة .
يريد الدين السياسي ممارسة الوصاية الكاملة على الانسان على الأرض وفي السماء , وكون موضوع السماء أمر غيبي ومشكوك به , لايقلل كثيرا من امكانية اجحاف الأرض بالانسان , أي أن الانسان معرض للنيل منه أرضيا عن طريق الانصياع الكامل والاستسلام لما يطلب منه, لامفر لك ايها الانسان فأمامك جدار شاهق من المطلقات الدينية وحرمة نقدها , انه قدرك أيها الكافر فاستسلم لرب الأرض ورب القبر ورب جهنم أيضا .
العلاقة الدينية الفردية في تفاعلها وانتظامها مع الخالق روحانيا , هي علاقة التبعية الصحيحة والسليمة ,قبل تحريفها ونقلها الى فضاء المجتمع المعبأ بايديولوجيا الدين السياسي, التي اخذت دور الوسيط والوصي على ايمان الفرد وعلاقته بالخالق ,وبذلك تمت مصادرة وتغييب الشكل او المعنى التعبدي الديني, الذي خرج عن وصاية ورقابة وسلطة ايديولوجيا الدين, كذلك مصادرة ادنى حد وحق في النقد الديني,من الصعب فهم او توضيح اجتهادات تفسيرات الفكر الديني ,التي تجابه بالتحريم والتكفير والتجريم المقرون بانزال العقاب الصارم بمن يشك بالمطلق , الذي تنعدم أمامه امكانية أي ممارسة أو مساءلة نقدية مهما كانت صورتها وبساطتها .
نحن بحاجة ماسة الى معالجة قضايا الدين السياسي , ليس من أجل تهجين المجتمع لتقبل الدين كبديل عن المعاصرة , وليس من أجل تهجين الدين ليصبح جزءا من المعاصرة ,فكلاهما صعب وعسير الى حد الاستحالة , الهدف هو اقناع الدين بأن معركة مواجهة المعاصرة ستنتهي بهزيمته , لذلك عليه الانزواء في معابده , وممارسة استقلاليته في فضائه التي لاينازعه عليها أحد .
