ممدوح بيطار ,عثمان لي:
كتبت الدكتورة رجاء بن سلامة كتاب بعنوان “بنيان الفحولة” , نأخذ منه بعض المقتطفات! ,في كل حالة عنف ضد المرأة هناك عنف أساسي يقوم على إنكار حق المرأة في أن تكون لها حقوق, ولكن العنف ليس قائما فحسب على إنكار ضمني أو معلن لمبدإ المساواة بين الرّجال والنّساء, إنّه قائم أيضا على إنكار لمبدإ الكرامة, فما هي الكرامة؟
الكرامة قاعدة أخلاقيّة وفلسفيّة لحقوق الإنسان الأساسيّة, غائمة وغير قابلة للترجمة القانونيّة المحددة , ولكنّها ولكنها أساسية ,ويرد ذكرها, دون تعريف, في الفصل الأول من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لسنة1948: ” يُولد جميعُ الناس أحرارًا ومتساوين في الكرامة والحقوق,وهُم قد وُهِبوا العقل والوجدانَ وعليهم أن يعاملوا بعضهم بعضًا بروح الإخاء”.
ومفهوم الكرامة قديم قدم الفلسفة اليونانيّة, وله صياغات خاصة في الأديان, ولكننه جديد من حيث كونيته , ومن حيث اعتبار الكرامة صفة تتوفر في كل الناس ,، لا نثبتها بل نقررها , هذه الصياغة الكونية الجديدة تعني أنه لكل ذات بشرية قيمة في حد ذاتها, بغض النظر عن المحددات الاجتماعية والدينية والعرقيّة, , لابد من أن نستفيد من الصياغة الكانطيّة لمبدإ الكرامة, لنقول انها تعني على وجه التحديد , أنه من حق كل شخص أن يعامل في علاقاته بالأشخاص الآخرين أو بالدولة على أساس أنه غاية لا وسيلة,وعلى أنه أغلى من كل شيء,وأن قيمته قصوى.
وما يدعو إلى احترام الانسان هو العقل والوجدان الذي قد يعني بالأساس شعوره بوجود الآخرين وميله إلى رحمتهم, وبناءه لعلاقات معيارية معهم ,قدرته على تسيير حياته حسب المبادئ, وتوقه إلى القيم المطلقة وإلى مصير يتجاوز الزمن .
مفهوم الكرامة هوالذي يجعلنا لانقدم تصورا للعنف يحصره في التعدي على حرمة الجسد فحسب, وهو الذي يجعلنا لا ندين الاغتصاب فحسب, بل ندين التحرش الجنسي أيضا,فالمتحرش بالمرأة لا يؤذي جسدها فقط , بل يؤذي “معيش جسدها” لا يعتدي على الجسد-الموضوع بل يعتدي على الجسد-الذات , وهويخل بكرامتها لأنه لا يبالي برغبتها وبعدم رغبتها, فيعتبرها وسيلة لتحقيق رغبته.
مفهوم الكرامة في ارتباطه بالعقل والطبيعة الأخلاقيّة للعلاقات بين الناس هو الذي يجعلنا نعي مدى المس بكرامة المرأة في شعارات نقرأها في كلّ مكان,أقول في كل مكان لأنّ وسائل الإعلام ووسائل الاتّصال الحديثة وحدت كل أقطار العالم,ووحدت الأفكار ايضا , خاصة الأفكار ذات اللغة المشتركة, بحيث لا يمكن لأي دولة عربية مثلا أن تعتبر نفسها بمنأى عما يحصل في الدول الأخرى, نجد إخلالا بالكرامة في شعارات من قبيل: ” الحجاب حصانة ضد الزنا والاباحية , فلا تكون المرأة إناء لكل والغ”, . مثل هذه الشعارات تعتبرالرجل عاجزا عن التحكم في غرائزه وتعتبر المرأة كائنا سلبيا معرضا للاستهلاك , أو كائنا شيطانيّا متسببا في إثارة الغرائز, بحيث يجب اتخاذ التدابير اللاّزمة لإحكام حجبه,وإذا لم يحكم حجبه فان ” تبرجه” يتسبب في كل الكوارث, خلافا لمقررات الثقافات القديمة, والثقافة العربية الدينية الرائجة اليوم ,ليست المرأة أقل عقلا من الرجل ,ولا الرجل أقل جسدانية من المرأة, واحترام الذات البشريّة يقتضي منا افتراض تحمل الناس مسؤولية رغباتهم, وافتراض قدرتهم على الاختيار, ووضع الحدود لرغباتهم ورغبات الآخرين دون حاجة إلى الحواجز المادية المفتعلة, إنّ عقدة الإخصاء كما التحليل النفسيّ, والّتي تتوج الأوديب, كفيلة وحدها بجعل الإنسان يحد من متعته ويستبطن القانون الى حد ما , وتكون ذاته عصابية على نحو عادي كاف,فلا نحتاج إلى زيادة الإخصاء المستبطن بإخصاء يستهدف واقع الأجساد, يمثل بها عبر تشويه الأعضاء الجنسيّة أويمثل بها عبر سجنها وتقييد حركتها بفرض النقاب أو الخمار أو الجلباب.
قيمة الكرامة باعتبارها احتراما لمعيش الجسد هي التي تجعلنا نعي العنف في فرض لباس تقليدي على المرأة يغطي كامل وجهها, فيجعلها كتلة جسدية لا تكاد ترى ولا تكاد تعرف, وتجعلنا نطالب بحق كل امرأة في أن يكون لها وجه تظهر به في الفضاء العمومي وتعرف به, بحيث يكون النّقاب بمثابة المعاملة المهينة واللاإنسانيّة,قيمة الكرامة هي الّتي تجعلنا نحجم عن اعتبار المرأة وسيلة للإنجاب وحفظ النسل والأسرة, ونحجم تبعا لذلك عن احتقار النساء اللاتي لا يقمن بهذا الدّور أو اللاتي انقطع قيامهنن به, أي أن المرأة الّتي لا تنجب, والمرأة الّتي اختارت العزوبة,والمرأة العانس, والمرأة المطلقة, والمرأة الأرملة, والمرأة الّتي تجاوزت مرحلة الإنجاب…ثم اختزال المرأة في صفة من هذه الصّفات
