ممدوح بيطار :
الهدف المتفق عليه عموما في هذا العصر هو حماية المجتمع وتأهيل الجاني ثم تحليل وتفكيك القضية الجنائية , ثم توزيع المسؤولية على الأطراف التي لها علاقة بالقضية , ولنأخذ على سبيل المثال عملية ارهابية ذات صبغة دينية أو خلفية جهادية , يكون الفاعل في معظم الحالات شخصية محطمة بسوابق اجرامية وممارسات سيئة , كل ذلك يقود الى عزلة هذا الشخص , الذي يجد بحكم الصدفة من يحتضنه ويدمجه في جماعة تعيد الاعتبار له , اعادة الاعتبار تعني ولادته من جديد كشخصن محترم ضمن الجماعة , التي وهبته كل شيئ , وبالتالي عليه أن يهبها كل شيئ, بالنتيجة يصبح هذا الشخص ملكا للمجموعة , والمجموعة تستطيع أن تفعل به ومن خلاله ماتريد , الجماعة متيقنة من ضرورة الجهاد وضرورة محاربة أعداء الدين الحنيف , ومؤمنة بشرعية بعض الوسلائل , التي منها العمل الارهابي , لذلك تجند الشخص الذي تملكه لهذا الفعل وتهبه رتبة المسلم الأعلى (فتحي بن سلامة ), المسلم الأعلى ينفذ العملية كما قيل له , وبعد العملية اما أن يقتل أو يلقى القبض عليه , ثم تجري محاكمته , وفي سياق المحاكمة يتم تحليل الفعل الارهابي ويتم توزيع المسؤولية , بين منفذ العملية وفاعل العملية , تعتبر مسؤولية منفذ العملية ضئيلة مقارنة مع فاعل العملية ,الذي هو حقيقة الخلفية الفكرية التي خططت لتنفيذ العملية وجندت من أجل ذلك المنفذ , عن طريق ترقيته الى رتبة المؤمن الأعلى , تبعا للمسؤولية تتم الادانة ويتم تحديد العقوبة, التي على المنفذ ان ينالها , ويجب ان تنالها الخلفية الفكرية ايضا وبشكل رئيسي .
تتضمن العقوبة عصريا عنصر حماية المجتمع وعنصر تأهيل الجاني , تتم حماية المجتمع عن طريق عزل الجاني عن المجتمع بالسجن مثلا , لاتتضمن العقوبة عصريا عنصر الانتقام من الجاني, ولا تتضمن مانعرفه في منطقتنا الثأر منه والامعان في تحطيمه , لأنه لامصلحة للمجتع بتحطيم أي عضو به ,المصلحة تكمن في اعادة تأهيله , لذا فانه لامصلحة للمجتمع في الانتقام من هؤلاء الاشخاص وبأصدار أحكام الاعدام بحقهم كما رايت في الأيام الأخيرة من خلال مشاهدتي لشرائط المقابلات مع الدواعش , الذين يقبعون في السجون العراقية , الصحفي سألهم في النهاية عن الحكم الذي صدر بحقهم , رد من شاهدت المقابلة معه بكلمة واحدة … اعدام !!.
هذه بربرية ودلالة على افلاس اجتماعي وانساني , فمهمة الدولة ليس اعدام الناس انما تأمين تربية مناسبة لهم , كيف تسمح الدولة لنفسها ببناء مدارس التحفيظ ثم كليات الشرعية , التي تؤهل الطلاب للارهاب , وعندما يرهب الشخص تقوم الدولة باعدامه شنقا او رميا بالرصاص ,الدولة التي تقوم بذلك اشد ارهابية من الشخص الذي قام بالعمل الارهابي , أو بالأصح الذي نفذ العمل الارهابي , من قام بالعمل الارهابي كانت الخلفية الفكرية التي تعلمها المنفذ في معاهد الشريعة والتي أسستها الدولة وأشرفت على برامجها والمواد التعليمية بها .
الاجرام كان من فعل الدولة بمعاهد الشريعة ومدارس التحفيظ التي اقامتها وبها تعلم مجاهدوا داعش , وما قامت به هذه الدولة كان نوعا من الاسقاط النفسي للجرم الذي قامت به على غيرها من مجرمين داعش , القصد كان التهرب من المسؤولية والفشل والخلل الذي مارسته الدولة اولا وذلك بحكم اشرافها على التربية والتعليم , اسقاط الجرم على الآخر هو محاولة للهروب من حالة الاخفاق ورمي الاخفاق على المحكومين بالاعدام , لعملية الاسقاط درجات من الشدة , فالمراحل المتفاقمة من الاسقاط قد تصل الى تصديق الذات بشكل مطلق والقناعة بأن الخطأ لدى الآخر بشكل مطلق .
انتقل مركز الثقل في السياسة القضائية بخصوص الاجرام من الجريمة الى المجرم , وهذا يعني ضرورة العناية بالملف الشخصي للمتهم بالاجرام , لايجوز توزيع احكام ” الاعدام ” على كل من صفق لداعش , هناك فرق كبيرة بين داعشي يقتل وداعشي آخر يقتل ايضا, والعقوبة يجب أن لاتخص فعل القتل فقط , انما يجب على شخصية الجاني ان تلعب دورا كبيرا في تحديد العقوبة , وعدم مراعاة الملف الشخصي يعني تحول القضاء الى قضاء داعشي , ففي الشرائط التي رأيتها والتي انتهت كلها يمفردة “اعدام” لم اتمكن من تفريق القضاء العراقي عن نماذج الخلفيات الفكرية لداعش , حقيقة كلهم مجرمون ولا يختلفون عن بعضهم البعض سوى بامتلاك السلطة , عندما سيطر الدواعش على الموصل كانوا برابرة ,وعندما سيطر القضاء على مكنة اصدار الأحكام كان بربري ايضا , فالقياسات الانسانية تعطي لكل فرد حق الحياة ولا يحق لأي جهة كانت سلب هذا الحق , لذ١لك تعتبر عقوبة الأعدام قتلا عن سابق تصميم وعقوبة الاعدام هي جريمة كجريمة احراق الطيار الكساسبة وتطبيق هذه العقوبة ليس الا ارهاب وقمع .

