العلمانية والحياة , الأصولية والموت!!!
ممدوح بيطار :
لم يبد التراث الذي نعيش في ظله اهتماما ملموسا بالوطن الأرضي والمواطنة , اذ لاوجود في الأدبيات الدينية المحلية مايستحق الذكر عن الوطن والوطنية , يبدو وكأن الاخوان يرون في دينهم وطنا وفي ذاتهم الديني مواطنين , هذه اشكالية مفصلية في بناء الوطن والمواطنة في هذا العصر , الذي لامكان به لكيانات عتيقة ميتة من هذا النوع .
تنكر المؤمنين للوطن والوطنية له اسبابه, التي تتعلق بتنكرهم لما هو جديد , ومفهوم الدولة والجمهورية هو مفهوم أوروبي جديد نسبيا بالرغم من بلوغه حوالي 500 سنة من العمر , ولا يزال لحد اليوم خاضعا الى أحكام التطور والتبلور , وهل تقبل الأصوليون يوما ما فكرة جديدة أو منهجا جديدا؟؟.
أكاد أجزم بأنه لاوجود لمفهوم المواطنة الأرضية في رؤوسهم , أي انهم بهذا الموقف يتوضعون خارج التاريخ , الذي يعرف ومنذ مئات السنين تشكيلا اسمه “الدولة” والوطن والمواطنة , وللتوضع خارج التاريخ تمظهرات وعواقب اضافية , اذ هناك من يريد البقاء في التاريخ وصناعته , والأزمة الحياتية حتمية بينهم وبين من خرج من التاريخ , وحيث لا امكانية للتفاهم بين من يريد الانتحار تاريخيا وبين من يريد البقاء حيا في التاريخ , لذا لابديل لديهم من خيار الاستبداد والاستعباد والاقصاء والاخضاع بالقوة , فمفاهيمهم تتعارض مع مفاهيم الديموقراطية الانتخابية التي تفرز الحكم وتجعل من الحاكم خادما للشعب ومسؤولا أمام الشعب, الحاكم بمفهوم الأصولية خادم لله وموكلا من قبله ومسؤولا أمامه , ولا علاقة للشعب بكل ذلك .
لايقتصر اغتصاب الأصولية الدينية لمفهوم الدولة انما يشمل الفكر , الفكر يتميز عن المعرفة بكونه خلاق , أي أن مهمة الفكر الأساسية هي خلق أفق جديدة في الحياة ,افق متميزة عن الأفق العتيقة , الأصولية لاترحب بالجديد , لأنها تعتبر القديم صالح لكل زمان ومكان , هنا لامناص لهم من التكفير , ليس لأن الجديد سيئ ,انما فقط لأن الجديد غير القديم ,أليست فكرة العلمانية التي انتشرت في معظم انحاء العالم جديرة بالبحث والتدقيق , أليس مفهوم الوطن والمواطنة والدولة والديموقراطية جديرة بالتفكير وحتى التطبيق !, الأصولية تتجاهل عامل التطور في الحياة وبالتالي تتجاهل الحياة بشكل كامل لأن الحياة تطور , ومن يتجاهل الحياة تتجاهله الحياة , أي يموت ويندثر على الأرض , افقهم في السماء , أفق غير مؤكد وتخيلي وغير مقنع الا للجهل المطلق .
من كل ذلك يمكن الاستنتاج بأن الفكر الاخونجي الأصولي لايقوى على التعامل مع شروط الحياة بتفاعل انتاجي ايجابي , وهذا هو أحد أسباب تأخرهم , وكأنهم يريدون التأخر عمدا وعن قناعة بفساد التقدم , كلما كبرت الهوة الزمنية بين تصوراتهم القديمة وبين ماتقدمه الحياة من أفق جديدة , ازداد تأزمهم وازدادت غربتهم وازداد تعلقهم العبثي بصيغة المجتمع “الشخصي” والابتعاد عن صيغة الشخص “الاجتماعي “, أي أنهم لايتمكنون من صياغة منظومة المجتمع , وبالتالي ليس بامكانهم صياغة مشروع دولة ورعايته وتطويره كباقي دول ومجتمعات العالم .
لايزالون في مرحلة اعتبار كتاب الصفحات ال ٦٠٠ خاتمة الكتب , مصدر الحياة ومنظمها ومديرها ومبلورها , لايزالون في طور تبرير الاتكالية والترويج للقدرية والاعتماد على المؤامراتية في تفسير اصابتهم بالمصائب, بعدهم المتزايد عن الواقع حولهم الى انفصاميين , والانفصام عندهم لم يعد مرضا دخيلا مكتسبا وانما تحول الى “حالة” متعضية لاينفع في علاجها سوى البتر .
نظرا لكون الآية هي التي تحدد شكل ومضمون فكرهم , والآية المسبوقة الصنع قبل 1400 لاتتمكن من ممارسة التداول الفكري حول قضايا لم تكن موجودة في ذلك الزمن , لذا يصاب أي تداول فكري معهم بسرعة بالافلاس, والافلاس يرغمهم على محاولة التخلص من محاورهم عن طريق اغتياله , لذا يتحولون الى اقصاء الآخر وتدمير الآخر أخلاقيا ونفسيا عن طريق الشتم والاستهزاء والانتقاص والتكفير والتشنيع والتهديد والخروج عن الموضوع , ثم الشخصنة , المؤسسة على مفهوم المجتمع الشخصي الذي يفرضه استلابهم من قبل الدين الذي يتحول الى سلاحهم الوحيد والى محور حياتهم , الدين بطبيعته أمر شخصي لايتمكن من التفاعل اجتماعيا وبالتالي لايمكنه خلق مجتمع أو رعاية مجتمع ,ولايمكنه تأسيس دولة أو رعاية دولة , وذلك بعكس العلمانية التي هي أصلا منظومة اجتماعية .
![]()
![]()
![]()
Post Views: 621