جورج بنا,ممدوح بيطار :
لماذا لم تتمكن هذه الشعوب من اقامة منظومة فرد في المجتمع ,وبقيت في منظومة جماعة الأفراد ؟أي اللامجتمع .
هناك العديد من الأسباب منها مثلا تكوينة المجتمع الذكوري , ومنها تأثيرات البدوية , فالمجتمع هو سمة الحضر والمدن والدولة , وليس سمة جماعات الترحال والتنقل , الأهم من كل ذلك كانت هيمنة الدين , فالدين ليس خاصة اجتماعية وانما خاصة فردانية , انتقلت الى الجماعة وحولتها الى جماعة الأفراد ,لطالما كان الدين الشخصي هو المؤثر الأساسي على الجماعة ,لذا لم يكن من المستطاع اقامة منظومة أفراد في المجتمع بدلا من جماعة الأفراد .
يتدخل الدين في الشخص ووجوده وسلوكه وممارساته ,حتى في علاقة الفرد بالمجتمع اي بالوطن أو في موقف الرجل من المرأة بالمرأة اجتماعيا , ثم في تنظيم علاقات الزواج والطلاق , وفي طرق المأكل والمشرب والملبس ,باختصار , يتعامل الدين مع الناس على أنهم أدوات أو أشياء, يمكن تشكيلهم وصياغتهم وقولبتهم كيفما يريد , أي إنه يتعامل معهم على أنهم “قاصرين ” ,وبحاجة إلى إعادة إنتاج وعي من مصدره خارجي , اي خارج ارادتهم وتطلعاتهم ,وعي مستورد ,يخلصهم من محنة القصور الذاتي الافتراضي , بمعنى أنهم أصلا ناقصوا التكوين العقلي والنفسي, ويجب اعادة انتاجهم وفق رؤيته, ليكونوا على مقاسه ووفق تصوراته المدونة في نصوصه الجامدة الثابتة الغيرقابلة للتطوير , بعكس الانسان المتطور “بالقوة ” اي بالحتمية حسب سقراط.
لم يتوقف تخريب حياة الانسان على يد الدين عند هذا الحد , إنما تجاوز ذلك وفتح للمؤمنين خط سفر وهمي مباشر مع السماء, لتأمين راحتهم الأبدية في مكان مملوء بالأسرار والطقوس والنساء والخمور والعسل وغير ذلك , لذا تعلقوا بالحياة الوهمية ما بعد الموت الحقيقي بهدف وصولهم إلى الخلود الوهمي, بذلك اعترف الدين بفشله الأرضي وباع السمك في البحر أي انه باع الوهم للناس من أجل التحكم بهم والسيطرة عليهم في الحياة الدنيا , بالمقابل “برطلتهم” بالخلود في ملذات ومسرات حياة الآخرة , اتلف الدنيا من أجل السماء, وحول الدنيا الى جهنم لكي يهرب الناس الى جنان السماء , لاحاجة للناس بجنة السماء عند وجود جنة على الأرض .
يمثل كل ذلك عملية نصب واحتيال تاريخية! , في اطار عملية النصب والاحتيال يصادر الدين المجال العام وخصوصية الفرد وحريته , ويضعها في إطار علاقات عامة,ترتبط بنهج الدين وتصوراته , مما يقود الى خلق مجموعات نمطية ,متجانسة ومستلبة ومنغلقة عن شروط زمانها ومكانها , لذا يتعذر على الأفكار الأخرى الرادفة او الوافدة اختراق جدار الدين أو تفكيك نصوصه التاريخية المعبأة بكتل كبيرة من المصالح والغايات والأهداف , بشكل عام ومختصر يمكن القول بأن ثقافة الدين الشخصي لاتنتج سوى الأشخاص أي مجموعات الأشخاص , وليس أشخاص في المجموعة ,الدين الفردي لاينتج مجتمعا والدين الشخصي ليس اجتماعي,وهو بذلك النقيض من التشكيلة البشرية الضرورية للحياة الاجتماعية (مجتمع) , أي للدولة المتميزة بالتكافل والتضامن من خلال وبواسطة عقد اجتماعي ملزم للفرد مهما كان ومن كان هذا الفرد .
لاتسمح ثقافة الدين من اقامة ماهو أرقى من القبيلة أو العشيرة , كانت هناك محاولة لتكريس مفهوم ” الأمة ” قبل ١٤٥٠ سنة , فشلت هذه المحاولة فشلا ذريعا في سقيفة بني ساعدة , بالرغم من الفشل الذريع , لايزالون في شوارعهم يتحدثون عن أمة دينية محمدية ولا يسألون لماذا لاتشكل الأديان الأخرى “أمة” كأمة ابن عبد الله , يتوهمون بوجود ما لا وجود له !
لانهاية للتعبأة المفهومية القائمة على الأوامر والنواهي , ثم التهديد والوعيد وممارسة الارهاب والترهيب من النار , ليتحول الانسان الى خائف ومضطرب ومطارد من الجن والشياطين , وبذلك يتم تليينه وتحويله الى مجرد الشيئ “الهلامي” , قطعةً يمكن قولبتها أو لفها وبرمها كما يشاء الدين , قطعة لاقوام لها ولا شخصية ولا شكل .
لقد انفرد الدين باحتلال واحتكار المجال العام في القرون الوسطى,بعد أن قضى على عصرتعدد الآلهة الغني بالقيم الإنسانية غير المؤدلجة وبالأفكار المنفتحة, والمليء بحقول الفلسفة والبحث العلمي ,والنظرة النقدية إلى الانسان والكون,ففي ظل تعدد الآلهة نشأت حضارات لامثيل لعظمتها في ظل التوحيد مخرب التعددية الخلاقة
