مروان صباح:
قد يترجم الإسرائيلي صحن الحمص أو حبة الفلافل إلى العبرية ، ثم يترك للزمن مهمة تحويل الترجمة إلى ادعاء بالملكية ، وقد يقتلع شجرة الزيتون ، كما يحدث في الضفة الغربية ، أو يحاول اقتلاع ما هو أعمق من جذورها : الذاكرة ، فقبل أن يستوطن الأرض ، يحاول أن يستوطن الرواية ؛ لأن الأرض التىّ تُنتزع من ذاكرتها تصبح أكثر قابلية لأن تُروى من جديد ، لكن للذاكرة ظلًا لا يُقتلع ، ظلّ الفلسطيني خفيف ، لا تراه العين دائمًا ، لكنه يظل حاضرًا في أسماء القرى والحقول ، في حجارة البيوت ، وفي شجرة زيتون تعرف أصحابها أكثر مما تعرف خرائطهم ، يلاحق المكان حتى بعد أن يُدفع أصحابه بعيدًا عنه ، ويظل حاضرًا في الرواية التىّ يحاول الآخر أن يعيد كتابتها ، لهذا لا تبدو الفلافل والحمص والزيتون تفاصيل هامشية في هذا الصراع ؛ إنها علامات صغيرة على ذاكرة أكبر ، فالطعام ، مثل الشجرة ، يمكن أن يتحول إلى أرشيف ، والاسم إلى شاهد ، واللغة إلى بيت أخير حين تضيق البيوت .
وربما لهذا السبب تبدو رواية «المحافظ» (The Conservationist) لنادين غورديمير ، الفائزة بجائزة بوكر عام 1974 ، قريبة من هذه الفكرة ، وإن كانت تنتمي إلى جغرافيا وتجربة تاريخية مختلفة ، ففي الرواية يعيش ميرينغ ، رجل الأعمال الأبيض ، داخل وهم امتلاك الأرض في جنوب أفريقيا ، وكأن تسجيلها في دفتر الملكية يكفي لكي تصبح له ، غير أن الأرض لا تقبل هذا الوهم كاملًا ؛ فهي تحتفظ بما كان قبل المالك ، وبأصوات من عاشوا عليها ، وبموتاها ، وبذاكرتها التىّ لا تظهر في وثائق الملكية ، هنا تصبح الأرض شخصية أخرى في الحكاية : لا تتكلم ، لكنها ترفض أن تنسى ، وليس من المصادفة أن يكون الصراع على الأرض متصلًا دائمًا بالصراع على اللغة ، فالذي يغيّر اسم المكان لا يغيّر كلمة فحسب ، وإنما يحاول نقل المكان من ذاكرة إلى ذاكرة ، والذي يعيد تسمية طبق أو شجرة أو مدينة ، يحاول أن يجعل الأصل يبدو كأنه ترجمة متأخرة ، لا مصدرًا أولًا ، ومن الأرض تقودنا الذاكرة إلى اللغة ، ومن اللغة إلى المعرفة ، فالعربية ، مثل الأرض ، مرت عبر تاريخها بلحظات ظن فيها كثيرون أنها فقدت قدرتها على النهوض ، لكنها كانت تعود كل مرة من مكان آخر ، وفي العصر العباسي ، لم تكن حركة الترجمة مجرد عبور للنصوص من لغة إلى أخرى ، بل كانت عبورًا للعقل نفسه ، دخلت الفلسفة والطب والفلك والرياضيات وغيرها إلى العربية ، ثم لم تبقَ كما جاءت ؛ إذ أعيد تأليفها وهضمها وإنتاجها داخل بيئة معرفية جديدة ، وفي ذلك السياق أسهم الإمام الشافعي في تأسيس علم أصول الفقه ، فيما شهدت الحضارة العباسية حركة واسعة في الترجمة والتأليف والمناظرة ، كانت العربية يومها لا تستقبل العالم لتذوب فيه ، بل تستقبله لتعيد التفكير فيه بلغتها .
ثم جاءت قرون من الانقطاع والتراجع ، وتغيرت شروط المعرفة ومراكزها ، لكن اللغة لم تُدفن ، فاللغات ، مثل الأشجار ، قد تدخل الشتاء طويلًا ، لكنها لا تموت بالضرورة ؛ يكفي أن يبقى في جذورها شيء من الحياة ، لهذا تبدو أفريقيا امتدادًا آخر لهذه الحكاية ، فقد حمل الاستعمار الأوروبي معه لغاته إلى مؤسسات الدولة والتعليم والإدارة ، واستمرت الإنجليزية والفرنسية والبرتغالية ، بدرجات مختلفة ، في لعب أدوار مركزية في عدد من البلدان الأفريقية بعد الاستقلال ، وفي المقابل تراجعت لغات كثيرة إلى هامش المدرسة والإدارة وإنتاج المعرفة ، أما العربية ، فقد كانت لها في أفريقيا حياة أقدم من الاستعمار الأوروبي ؛ حملها التجار والعلماء والفقهاء والرحالة ، وارتبطت بها مدارس ومخطوطات وطرق للتعليم والثقافة ، ولا سيما في شمال القارة وأجزاء من الساحل ، ولذلك فإن انحسار حضورها في بعض المجالات لا يمكن فصله تمامًا عن التاريخ الطويل الذي أعاد توزيع اللغات ومراكز القوة والمعرفة .
لكن المسألة ليست أن تنتصر العربية على الفرنسية أو الإنجليزية ، ولا أن تحل لغة محل أخرى ، فاللغة التىّ تحتاج إلى إلغاء غيرها كي تثبت وجودها تكون قد خسرت شيئًا من قوتها قبل أن تبدأ ، المسألة أبسط وأعمق : من حق الشعوب أن تنتج المعرفة بلغاتها ، لا أن تكتفي باستخدام لغات الآخرين للوصول إليها ، فاللغة لا تعيش بمجرد أن يتحدث بها الناس ، تعيش حين يكتبون بها العلم ، والفلسفة ، والأدب ، ويختلفون بها ، ويحلمون بها ، ويتركون للأجيال القادمة ما يكفي كي تعرف أنها لم تبدأ من الصفر .
بل ما قام به ، وبعيدًا عن كل الأموال التىّ أنفقها وسينفقها على مشروعه الهادف إلى تغيير الواقع على الأرض وتحتها ، ليس إلا محاولة أخرى لإعادة صياغة المكان واقتلاع ما يشهد على أصله ، لكن الأرض لا تنسى دماء أبنائها ، وحين غطّت زهرة النعمان الأرض الفلسطينية بألوان دمائها ، بدا اسم النعمان بن المنذر ، ملك الحيرة ، وكأنه يعود من عمق التاريخ ليذكّر بأن الأسماء العربية أبقى من محاولات محوها ، فكل زهرة من شقائق النعمان تحمل في اسمها تحوّلًا من «أحمد» إلى «النعمان»، وكأن الاسم نفسه يعبر الزمن ولا يفقد جذره ، فهل يستطيع الاستيطان أن يقتلع الزهور جميعها ؟
ولذلك يعود الزيتون إلى مكانه الأول : شاهدًا على الأرض وذاكرتها ، قد تُقتلع الشجرة ، لكن لا يُقتلع بسهولة الاسم الذي أعطاها إياه الإنسان ، ولا الحكاية التىّ نسجها حولها ، ولا اللغة التىّ وصف بها ظلها ، وقد تتغير الخرائط ، لكن الذاكرة لا تقرأ الخرائط وحدها ؛ فالأرض ليست ما تقوله وثيقة الملكية فقط ، والثقافة ليست ما تقوله الترجمة ، والتاريخ ليس ما يكتبه المنتصر وحده ، وسيظل الزيتون ينطق بالعربية ، كما تنطق الأرض بأسمائها الأولى .
إنها أشياء أكثر عنادًا من ذلك كله .
وفي النهاية ، لا يحتاج الفلسطيني إلى أن يكون حاضرًا في كل مكان كي يمنع غيابه ؛ يكفي أن يبقى في اللغة ، في اسم شجرة ، في طعم طعام ، في حجر بيت ، وفي حكاية تنتقل من فم إلى فم .
فالذي يبقى في اللغة لا يغيب تمامًا عن الأرض .
والذي يحافظ على لغته لا يحافظ على الماضي وحده ؛ بل يترك لنفسه مكانًا في المستقبل … والسلام
كاتب عربي
Weniger anzeigen
