كيف استبقت الفلسفةُ العلمَ التجريبي وتجاوزت واقعية أينشتاين
━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━
يمثل الحوار الذي دار في بيروت عام 1937 نقطة ارتكاز فلسفية بالغة الأهمية؛ ليس فقط في سياق الفكر القومي الاجتماعي، بل في سياق الإبستمولوجيا (نظرية المعرفة) التي كانت في ذلك الوقت تقف على أعتاب ثورة علمية لم تكتمل تجريبياً إلا بعد عقود طويلة.
━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━
زلزال القمر ومفهوم «الحقيقة»
في النقاش الذي جرى بين أنطون سعادة والدكتور شارل مالك، تبنى مالك الموقف الكلاسيكي الذي يرى أن «الحقيقة» مستقلة تماماً عن المُدرِك أو الراصد؛ فالزلزال في القمر يمثل «حقيقة» بمجرد حدوثه المادي، سواء علمنا به أم لم نعلم.
جاء رد سعادة ليضع فاصلاً قاطعاً بين «الوجود المادي» الصريح، وبين ترقي هذا الوجود ليصبح «حقيقة». نصّت قاعدة سعادة على أن:
▌ الوجود غير العاقل في ذاته لا يكفي لتكوين قيمة الحقيقة… إن افتراض
▌ المجهول لا يكون حقيقة، فلا أستطيع القول إن جبلاً في مكان ما اندك
▌ أو لم يندك، وإن زلزالاً حدث، إلا بالمعرفة الصحيحة فقط.
بالنسبة لسعادة، الحقيقة ليست المادة الصماء، بل هي تفاعل الوجود مع العقل عبر أداة «المعرفة».
━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━
في نفس تلك الحقبة التاريخية تقريباً، كانت الفيزياء منقسمة حول نفس المفهوم بسبب ظهور ميكانيكا الكم.
الفيزيائي ألبرت أينشتاين كان يتبنى موقفاً يطابق تماماً موقف الدكتور شارل مالك، وهو ما يُعرف بـ «الواقعية الكلاسيكية». كان أينشتاين يرفض فكرة أن خصائص الكون لا تتحدد إلا عند قياسها (معرفتها)، وظل متمسكاً بأن الكون يمتلك خصائص محددة سلفاً سواء راقبناه أم لا.
وفي مفارقة تاريخية شديدة التطابق مع نقاش سعادة ومالك، استخدم أينشتاين لاحقاً استعارة «القمر» ذاتها ليحتج على ميكانيكا الكم. ففي حوار له مع الفيزيائي أبراهام بايس (Abraham Pais)، سأل أينشتاين مستنكراً:
▌ هل تعتقد حقاً أن القمر غير موجود لمجرد أنك لا تنظر إليه؟
━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━
العلم يثبت صحة موقف سعادة
بينما صاغ سعادة موقفه الفلسفي القائم على دور «المعرفة» في تأسيس «الحقيقة» عام 1937، احتاج العلم التجريبي إلى تكنولوجيا متقدمة في أواخر القرن العشرين وبداية القرن الحادي والعشرين لإثبات هذه النظرة معملياً، لتأتي التجارب وتؤكد انهيار فرضية أينشتاين الكلاسيكية:
━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━
تبرز أهمية مقارنة نص عام 1937 بتجارب الفيزياء المعاصرة في الجوانب التالية:
بينما اعتمد أينشتاين ومالك على الحدس البشري الكلاسيكي الذي يرفض أن تكون الحقيقة مرتبطة بالإدراك، التزم سعادة بنسق إبستمولوجي صارم يرفض تحويل الحدث المحتمل إلى «حقيقة» دون رصد وبرهان. هذا النهج يمثل العصب الأساسي للفيزياء الكمية اليوم.
النظرة الكلاسيكية تجعل من العقل البشري مجرد آلة تصوير تلتقط واقعاً مستقلاً تماماً. بينما نظرة سعادة (والعلم الكمي الحديث) ترفع العقل والمعرفة ليكونا شريكين فاعلين في «تكوين قيمة الحقيقة». الحدث (الزلزال) قد يقع كحركة مادية، لكن «الحقيقة» تتطلب تفاعل هذا الحدث مع المدرك العاقل.
بتأكيده على أن الوجود غير العاقل بذاته لا يكفي لتكوين الحقيقة، استبق سعادة الفهم المعاصر لـ «فيزياء المعلومات الكمية» (Quantum Information Theory)، والتي تعتبر أن استخراج «المعلومة» (المعرفة) هو حجر الزاوية الذي يُبنى عليه الواقع، متفوقاً بذلك على رؤية أينشتاين التي أسقطتها التجارب.
━━━━━━━━━━━━━━━━━━━━
