كانت ما تسمى الطهارة الطائفية أحد معالم الممارسات السياسية للمجتمعات والحكومات العربية , الطهارة الطائفية كانت ولا تزال طهارة لفظية هدفها التغطية على الممارسات التناحرية المرتشحة في كل زوايا المجتمع الى حد الاشباع , كلما ازدادت ضراوة الطائفية , ازدادت بنفس النسبة سماكة الغطاء اللفظي التمويهي الضروري من أجل تكريس وهم اللاطائفية .
خرجت السيطرة على مايقال وما يكتب من يد الطائفيين بعد ولادة منصات التواصل الاجتماعي , ولكن النفاق والتلفيق بخصوص الطائفية مستمر , حتى بلغ التمارض بها حد الاستعصاء على علاجها , لازال هناك من يزور ويتستر ويغطي ويموه ويرفض الاعتراف بالواقع ,فمجتمعات هذه المنطقة ليست متحاببة كما يدعى , وليست واحدة كما يقال ,وما يهيمن عليها ويوجهها ليس سوى النعرات الطائفية , مجتمعات ابتلت بثقافة ولدت مع الغزوات والخلافات الدامية بين القبائل من أجل الهيمنة وغنائم الحرب , أول من يذبح على الهوية , هو أول من يدعي الطهارة الطائفية! .
تغييب البحث والتحليل والنبش والمصارحة والتوضيح والنقد المقرون مع ممارسة التستر والتلفيق والتزييف والتنكر للواقع كان بمثابة قنبلة موقوتة, لم يعرف موعد انفجارها , الا أنها انفجرت ودمرت وقضت على مشاريع دول ومجتمعات , كانت لها امكانية التطور والنجاح , الذي حولته الطائفية الى تنكص وفشل , ادعاء الطهارة الطائفية قاد الى التخاذل في مكافحتها ,وللتخاذل العديد من الأسباب منها الريعية ثم ثقافة التوهم واللاواقعية وثقافة التعامي المخدرة المثبطة , كثقافة خير أمة , التي ساهمت في تطور هذه الأمم الى أسوء الأمم , والأمثلة على ذلك الخداع والتكاذب الذاتي أكثر من تعد وتحصى .
الطائفة طائفية بطبيعتها , وكل طائفية فساد , أو بؤرة للفساد , لا يمكن التحرر من الطائفية سوى بالتحرر من الطائفة , اي بالغاء الطائفة , والغاء الطائفة لايعني الغاء الدين والغاء الحرية بالانتماء الى دين ,انما يعني الغاء السياسة في الدين , لأن مفهوم الطائفة يعني ارتشاح الدين في السياسة , يتطور الانتماء الديني الى تشكيلة الطائفة أو الطوائف عند تمكن مجموعة من المنتمين الى مذهب معين من اعطاء هذه المجموعة “مشروعا” او مهمة لاعلاقة لها بالدين كالمشروع السياسي , كما هو الحال مع مفهوم الغلبة الغالبة , التي ارادت تحويل أكثرية مذهبية الى أكثرية سياسية , أي جماعة أكثرية دينية بمشروع سياسي مغلف بالرياء والنفاق , مثل رياء ونفاق التسامح , الذي يتناقض مع كينونة الطائفة ومع الأهداف الطائفية للطائفة , الطائفة ليست متسامحة كما تدعي , فالطائفة او الطائفية تصادر الفرد فورا بعد ولادته عن طريق اعطائه توجها او انتماء أو مذهبا لربما لايريده عندما يتمكن من التعرف عليه بعد بلوغه مرحلة التمكن من التعرف ,هنا يمكن القول ان الطائفة منظومة استبدادية في جوهرها , ما أن يولد الانسان حتى يتم تسجيله على خانة طائفة والده , وبالتالي تصادر الطائفة الفرد وتحول بينه وبين فرديته وضميره , وعلى هذا الفرد التصرف طوال حياته ما تمليه عليه الطائفة , وان خالف أو تمرد يعتبر مرتد , وما ادراكم ما هي احكام الردة واحكام الاعتراض على مصادرة العقل والضمير ! , هنا تقف الطائفة لذلك الانسان الذي اغتصبته بالمرصاد , فمن غير دينه اقتلوه !!!! , وكيف يمكن لهذا “التسامح” أن يستقيم مع ضرورة قتل من اختار طوعا انتماء دينيا او لادينيا آخر لنفسه؟.
طائفية الطائفة هي عصبية محتضنة للكثير من العنصرية والاقصاء, طائفية الطائفة تحول الدين الى مهزلة اخلاقية تريد ارغام الفرد على التصرف حسب ماتمليه عليه جماعة الطائفة لا حسب ضميره , الأخلاق هي أن يفكر ويمارس الفرد انطلاقا من ضميره , في الطائفة يتنازل الفرد عن ضميره ليسلمه للطائفة , التي ترغمه على تبني أخلاقها , أي تبني ثقافة التناحرية الطائفية .
كيف ستعيش الطائفة الطائفية مع غيرها بسلام وتعاون والتضامن الضروري لاقامة مجتمع الدولة , عندما تعتبر نفسها مالكة للحقيقة المطلقة , التي لاوجود لها في التعددية, أي لاوجود لها في الحياة , التي هي تعددية بطبيعتها , فالتعددية لاتعرف سوى النسبية , ادعاء ملكية الحقيقة المطلقة يلغي امكانية الحوار والاتفاق والعيش المشترك , من يعتبر نفسه على حق مطلق ويعتبر غيره على باطل مطلق لايحاور ولا يتفاعل , انما يحارب ويقتل ويقصي , لايبني انما يهدم , وبذلك يتحول الى مشروع ابادة وتخريب , وكم هو عدد الابادات التي تمت ممارستها في اطار المطلقية الطائفية من بني قريظة الى المعتزلة الى الردة الى ابادة الأرمن وغيرهم .
الحرية الدينية ليست حرية الطوائف , انما حرية الفرد, وتحقيق حرية الفرد يتضمن تحريره من طائفية طائفته , التي لاتمثل خطرا على الفرد فحسب , انما خطرا على مفهوم الدين , الذي يتم تشويهه بالطائفية , تمثل الطائفة والطائفية خطرا على وعي اتباعها , اذ يؤهل وضعا من هذا النوع الى استتباب منظومات الاستبداد والزعامات الطائفية , التي تنتقل الى السياسة لتصبح استبدادا سياسيا ديكتاتوريا ,مع كل ما تتضمنه الديكتاتوريات السياسية الدينية من استغلال وظلم .
لقد تشكلت المذاهب او الطوائف الغيبية بخواص تميز بعضها عن البعض الآخر , ومن هذه الخواص خاصة عدم التنازل عن اي خاصة مهما كانت , لذلك تعتبر مؤتمرات التقارب بين المذاهب وغير ذلك من اوهام التسامح التلفيقي , ليست سوى تهريجيات قميئة , من يخدرني بتسامحه يعتبرني مذنبا ومخطئا , ولفرط انسانيته يسامحني …..دجلا واتهاما خطيرا !
Post Views: 8