سعاده عبد الرحيم
إذا كانت الحرب العالمية الكبرى قد جعلت الحياة بلا معنى، وجعلت النظرة إليها عبثية لدى فرانز كافكا وغيره من كتاب ذلك الجيل، فإن المفكر وعالم الاجتماع السوري أنطون سعاده جاء ليعطي الحياة معنى اجتماعياً وتاريخياً، من خلال تعريفه للوجدان القومي الذي يربط الفرد بمصير جماعته، ويخرجه من عزلته الوجودية إلى فضاء الأمة الفاعلة في التاريخ.بين هاتين الرؤيتين، تبرز أسئلة جوهرية: هل العزلة حالة وجودية مشروعة، أم أنها أعراض مرضية تحتاج إلى علاج؟ وهل الفرد وحده القادر على فهم ألمه، أم أن الجماعة هي التي تمنحه المعنى والخلاص؟
لفهم هذا المأزق، نقف عند تجربتين متباينتين في النوع والغاية: كافكا، الكاتب الذي جعل من العزلة مرآة لاغتراب الإنسان في عصر العبث؛ وسعاده، عالم الاجتماع والمفكر القومي الذي جعل من الأمة مشروعاً متكاملاً يشمل الفرد والجماعة معاً.
أولاً: فرانز كافكا… أديب يثير القضية ولا يُلزم بالحل
كافكا، الكاتب التشيكي الناطق بالألمانية، ليس فيلسوفاً بالمعنى الأكاديمي، لكن أدبه أصبح مرجعاً وجودياً لوصف حالة الإنسان في العصر الحديث. عالمه عبثي، تسوده قوانين غامضة وسلطة عمياء لا يمكن فهمها أو الوصول إليها. أبطاله يعيشون في قلق دائم، ويشعرون بالذنب دون أن يعرفوا جريمتهم، ويجدون أنفسهم منعزلين حتى وهم بين الناس.
هذه العزلة في أدبه ليست اختياراً، بل هي قدر وجودي مفروض، وهو يعبر عنها بعمق في نصه الشهير حيث يقول:
“كل يوم، وأنا بين الناس، أواسي نفسي بفكرة واحدة: أنني عندما أعود إلى غرفتي لن أسمع ولن أرى أي إنسان!!!” [1]
لكن المهم هنا أن نتذكر أن كافكا أديب، وليس مكلفاً بتقديم حلول. مهمته أن يطرح السؤال، ويرسم الألم، ويكشف التناقض، ويفتح عيون علماء النفس والاجتماع والفلاسفة على مشكلة العصر في أوروبا، ليس أن يبني دولة أو ينظم مجتمعاً. أدبه مرآة تعكس تشوهات العصر، وهو ينجح في ذلك بتفوق. لذا، فإن قراءة كافكا كتشخيص لحالة الاغتراب هي قراءة مشروعة، لكن تحميله مسؤولية تقديم علاج هو خطأ في تصنيف طبيعة مشروعه.
ثانياً: أنطون سعاده…عالم اجتماع ومفكر قومي شخص المشكلة النفسية وقدم معنى للحياة
في المقابل، نجد أنطون سعاده، الفيلسوف والمفكر القومي السوري، الذي لم يكتفِ بتشخيص أمراض مجتمعه (التشرذم الطائفي، التبعية الاقتصادية، الاستلاب الثقافي)، بل تجاوز ذلك إلى تشخيص الحالة النفسية للفرد في زمن الانحطاط. فهو أدرك أن التصدع الاجتماعي ينعكس على النفس البشرية، وأن الفرد في مجتمع منهار يعيش قلقاً واغتراباً لا يقل عن ذلك الذي وصفه كافكا. لكن سعاده لم يقف عند هذا التشخيص النفسي، بل مضى قدماً نحو بناء مشروع متكامل يعيد للفرد توازنه النفسي من خلال انتمائه إلى كيان واعٍ هو الأمة، ويخرجه من عزلته الوجودية إلى فضاء الجماعة الفاعلة، ويمنح الحياة معنى اجتماعياً وتاريخياً.
سعاده لم ينظر إلى الفرد بوصفه كائناً منعزلاً، ولم ينظر إلى الأمة بوصفها آلة تهمش أفرادها. هو صاغ نظرية متكاملة: الأمة كيان حي، والفرد إمكانية اجتماعية في هذا الكيان، ولكل منهما دوره وقيمته.
لكن ما يربط الفرد بالأمة في فلسفته ليس مجرد انتماء شكلي، بل هو “الوجدان القومي”، وهو الشعور الذي يتطلب من الفرد أن يضيف إلى شعوره بشخصيته شعوره بشخصية جماعته، وأن يزيد على إحساسه بحاجاته إحساسه بحاجات مجتمعه، وأن يجمع إلى فهمه نفسه فهمه نفسية متحده الاجتماعي. [2] هذا الوجدان ليس خطاباً عابراً، بل قوة دافعة تتحول إلى إرادة عمل، وتجعل الفرد يشعر أن وجوده الفردي يتكامل مع وجود الأمة، ويمنح الحياة معنى يتجاوز حدود الفردية الضيقة.
سعاده يؤكد من خلال هذا التعريف أن ظهور شخصية الفرد كان حدثاً عظيماً في تطور البشرية، لكن ظهور شخصية الجماعة هو أعظم منه وأدقّ وأشدّ تعقيداً. فالأمة لا تمحي شخصية الفرد ولا تلغيها، بل توسعها وتمنحها أبعاداً تاريخية واجتماعية لا يمكن أن يصل إليها الفرد لو بقي منعزلاً. وهذا يعطي معنى للحياة: فالحياة الفردية حين تتصل بحياة الأمة تصبح جزءاً من سردية تاريخية ممتدة، تتجاوز الموت الفردي وتكتسب خلوداً في وعي الجماعة وتراثها.
الفرد عند سعاده هو كائن تتسع شخصيته حين ينتمي إلى كيان أكبر، وهذا الانتماء لا يعني ذوبانه، بل يعني امتداد قدراته وإمكاناته، لأنه يجعله يشعر مع ابن مجتمعه ويهتم به ويود خيره كما يود الخير لنفسه.
وسعاده، في رسائله الشخصية، يُظهر وعياً عميقاً بحاجة الإنسان إلى الراحة الجسدية والنفسية، لكن هذه الراحة عنده ليست هروباً، بل هي استراحة محارب، يعود بعدها إلى العمل. يقول في رسالته:
“ولقد قال لي صديقي الدكتور نسيب آخر مرة اجتمعت به في الشوير أن تحمل الأعصاب أعباء عظيمة وتركها بدون فرصة لتجديد قد يؤدي إلى شيء يشبه سيل العرم، وأظن أني أحتاج الآن إلى راحة أسبوع، أو أسبوعين وبعض العناية والمساعدة المعتدلة، وأرجو ألا يحصل ما يمنعني من ذلك” [3]
سعاده، بصفته فيلسوفاً ومفكراً قومياً، كان ملزماً بتقديم حلول، وهذا ما فعله: وضع دستوراً، نظم حركة سياسية، وقدم نظرية شاملة للنهضة. هو لم يكتفِ بوصف الداء، بل وصف الدواء، وهذا هو الفرق الجوهري بين مشروعه ومشروع كافكا.
ثالثاً: مقارنة في ضوء اختلاف المشروعين
إذا قارنا بين الرجلين، يجب أن نتذكر أننا نقارن بين أديب وفيلسوف قومي، أي بين مشروعين مختلفين في الغاية والوسيلة:
· كافكا يطرح السؤال الوجودي في سياق عبثية ما بعد الحرب، ويرسم صورة الألم، ويكشف تناقضات العصر، وهذا يكفي لأديب عبقري. لا يمكن أن نطلب منه ما ليس من مهمته.
· سعاده يبدأ من تشخيص قريب، لكنه يضيف إليه المشروع، لأنه بصفته مفكراً قومياً، كان ملزماً بأن يقدم رؤية للخلاص تمنح الحياة معنى جماعياً وتاريخياً.
الخلاصة: ليس الأمر تفاضلاً في القيمة، بل اختلافاً في نوع المشروع. كافكا مرآة تعكس عبثية عالم فقد معناه، وسعاده مهندس يبني معنى جديداً. والمرآة ليست أقل قيمة من المخطط المعماري، لكنها لا تبني بيتاً. والمخطط المعماري لا يغني عن المرآة التي تريك تشوهاتك.
الخاتمة
في زمن الانهيارات، نحتاج إلى من يصف لنا الجرح النفسي والاجتماعي بدقة (وهو دور كافكا)، وإلى من يضع لنا خطة للشفاء على المستويين الفردي والجماعي (وهو دور سعاده). كافكا أديب مبدع لا يُطلب منه أكثر من طرح الأسئلة ورسم ملامح الألم في زمن فقدان المعنى. أما سعاده، فقد شخص الجرح الفردي في زمن الانحطاط، كما شخص أمراض مجتمعه، ثم مضى قدماً ليقدّم مشروعاً متكاملاً للخلاص، يمنح الحياة معنى اجتماعياً وتاريخياً عبر الوجدان القومي.
قراءة كل منهما في سياقه، وفهم طبيعة مشروعه، هو الطريق إلى الاستفادة من كليهما: نقرأ كافكا كي لا نجهل عمق الألم الذي خلفته الحروب في النفس البشرية، ونمضي إلى سعاده كي نتعلم كيف نبني طريقاً للخروج من هذا الألم، وكيف نمنح الحياة معنى يتجاوز العبث إلى الفعل، والعزلة إلى الجماعة، والموت الفردي إلى خلود الأمة.
—
