حين يهرب الشعب من وطنه: قراءة في ظل غياب التداول السياسي بالعالم العربي.

حال الدنيا ..الهجرة غير الشرعية هروب للمجهول فى كاريكاتير " اليوم السابع " - اليوم السابع    حين يهرب الشعب من وطنه: قراءة في ظل غياب التداول السياسي بالعالم العربي.
في بداية الربع الثاني من القرن الحادي والعشرين، بينما كانت عشرات الآلاف من المغاربة تزحف باتجاه حدود إسبانيا بحثًا عن مستقبل أفضل، حدثت نفسي بأن حال هؤلاء أنهم يهربون من الفقر والقهر السياسي. لكنني راجعت ذاتي، وسألتها سؤالاً جريئًا: هل هناك تداول سلطة في 22 بلدًا عربيًا مسلمًا لكي يشعر العربي بأنه آمن سياسيًا؟
الحقيقة الصادمة أنني راجعت واقع كل البلاد العربية، فلم أجد فيها رائحة تداول السلطة التي ربما تساعد في منح الاستقرار أو الأمن السياسي للمواطن العربي. وربما أُغضب الكثيرين إذا قلت لهم بأن شعوبنا تحمل ثقافة القمع للأقوى والمتغلب دون أن تدري، سواء في نظرية القدر المكتوب أو الفقه الذي لم يراجع الظلم والفساد البتة.
الهجرة: هرب من الفقر أم من اليأس السياسي؟
عندما شاهدت تلك الموجات البشرية تتدفق من المغرب نحو أوروبا، تذكّرت أن الهجرة ليست مجرد بحث عن عمل أو دخل أفضل,الهجرة الجماعية هي هرب من انعدام الأفق: لا صوت، لا محاسبة، لا أمل في تغيير سلمي.
في المغرب تحديدًا، أظهرت دراسات ميدانية أن 90% من الشباب يرون أن سوق العمل لم يعد قادرًا على تلبية طموحاتهم، لكن الأعمق من ذلك هو “فقدان الأمل وانسداد الأفق وسيادة الإحباط”. كما لفت باحثون إلى أن مطالب الشباب تحولت من اقتصادية بحتة إلى مطالب ذات بعد سياسي وثقافي: الحرية، الكرامة، ودولة الحريات.
أزمة التداول: لماذا يغيب التغيير السلمي؟
تؤكد الدراسات السياسية أن التداول السلمي على السلطة سيبقى خيارًا مؤجلًا في الدول العربية طالما افتقر إلى عاملين أساسيين: أرضية مجتمعية داعمة، وإرادة سياسية جادة. وغالبية الأنظمة العربية لا تُظهر تداولًا حقيقيًا عبر انتخابات تنافسية، بل هيمنة لحزب واحد أو عائلة أو مؤسسة عسكرية او فصائلية.
حتى في دول شهدت احتجاجات أو حروب أهلية، لم ينتج عنها نظام ديمقراطي تبادلي، بل استقرار قسري أو تجزئة نفوذ. المشكلة ليست في “الثقافة” فقط، بل في بنية السلطة: نظام يُكافئ الولاء ويُعاقب النقد، ويُنتج نخبًا تخاف التغيير.
ثقافة القمع: قدر أم اختيار؟
نظرية “القدر المكتوب” و”الفقه غير المراجع” تُستخدم أحيانًا لتبرير الظلم، لكن التاريخ يُظهر أن الشعوب تُغيّر حين تتحد الإرادات. عقود القهر والظلم والاستبداد التي واكبت استفحال الأنظمة الشمولية العربية خلقت نمطًا من التفكير والأداء السياسي قائمًا على الخوف والتملق، تحول إلى “فلكلور سياسي” تعتقد الأجيال الجديدة أنه جزء من تراثها.
المؤسسات الحاكمة الأوتوقراطية تتعامل مع الثقافة والوعي بالتهميش والحصار، وتستقطب أهل العلم لإبعادهم عن الدور القيادي في ترسيخ الوعي الديموقراطي. وبذلك، يتحول المواطن من شريك في القرار إلى رعية تنتظر الإحسان.
## هل نحتاج خمسين عامًا أخرى؟
لا بالضرورة. رواندا تعافت من إبادة في 30 عامًا، وسنغافورة نهضت من فقر مدقع في جيل واحد. الشرط ليس الزمن، بل الإرادة: نخب سياسية تؤمن بالتداول، ومجتمع مدني يضغط من أجله، وبيئة إقليمية تدعم الانتقال السلمي.
لكن السؤال الأهم: هل توجد هذه الإرادة اليوم؟ الواقع يشير إلى أن “الربيع العربي” لم ينتهِ، والأنظمة تعرف ذلك، لذا فإن القمع أعمق، والاعتراض مُجرَّم، لكن الطلب على الديمقراطية ما زال حيًا في الشارع.
ما الذي يمكن فعله الآن؟
– **بناء مؤسسات انتقالية**: محاكم مستقلة، هيئات انتخابية نزيهة، إعلام حر، حياة سياسية نزيهة، برلمانات حقيقية.
– **تعليم المواطنة**: مناهج تُعلّم المشاركة، لا الطاعة العمياء.
– **دعم النخب الجديدة**: شباب، نساء، مستقلون — لا ورثة أنظمة.
– **مراجعة الفقه السياسي**: فقهُ يراجع الظلم والفساد وينقده حقيقة، ولا يُقدّس “المتغلب”.
## خاتمة
الحرمان السياسي العربي ليس قدرًا، بل تراكم اختيارات خاطئة. والتغيير ممكن — ليس في 50 عامًا، بل في جيل واحد، إذا وُجدت إرادة حقيقية للتداول. حينها، لن يهرب الشعب من وطنه، بل سيبني فيه مستقبله.
 

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *