سعاده: فيلسوف النهضة الذي حول الألم إلى قسم, والجراح إلى نهضة!

 سعاده عبد الرحيم :

saade abdelrahim – syriano     المقدمة:

“ها قد ابتدأ يوم جديد من أيامي. في هذا اليوم يبتدئ شهرك يا مارس، وفي هذا اليوم أبتدئ أنا سنتي الخامسة والعشرين… أسمع صوتاً يناديني: «يا إبني أين أنت؟» فأرفع رأسي وأنظر في وجه السماء المقنع كوجه إيزيس وأنادي: «يا أمي أين أنتِ؟» … وأعود فأسمع صوتاً آخر يناديني: «يا إبني أين أنت؟» فأعود إلى التحديق في وجه الأفق وأنادي: «يا بلادي أين أنتِ؟»”
بهذه الكلمات الوجدانية، دوّن أنطون سعاده في مذكراته الشخصية يوم 1 مارس/آذار 1929، وهو في ريعان شبابه، بعيداً في منفاه الاغترابي البرازيلي، صراعه الوجودي الأبدي: الحنين إلى الأم والوطن، والغربة التي تمزق الروح. لكن هذه المذكرات، التي امتدت على مدى عام كامل، لا تروي فقط شجون فتى حزين؛ بل هي مختبر فلسفي حي، يسجل فيه سعاده ولادة قناعاته الكبرى.
ففي 13 مارس/آذار من العام نفسه، يسجّل نقده اللاذع للتقليد الفلسفي السائد، حيث يكتب متشبثاً برأيه: “يوجد نظريات كثيرة صالحة وموافقة للعمل يغفلها البشر لضعف في قواهم النفسية… مجادلينك بذلك القول السقيم، إنّ النظريات لا يمكن تطبيقها على العمليات”. هنا، في هذا النص المبكر، يكمن جذر عبقرية سعاده الفارقة: رفضه القاطع للفصل بين النظرية والتطبيق، واعتباره أن عيب البشر ليس في الأفكار، بل في ضعف إيمانهم الراسخ بها، وفي عجزهم عن تحويلها إلى واقع ملموس.
وإلى جانب هذا النقد، نقرأ في اليوم التالي (14 مارس/آذار) إحباطه من خمول قومه: “بقاء الجالية السورية هنا جامدة لا ينبض لها عرق ولا يختلج لها عضو… ومع ذلك أراني مضطراً إلى كتمان آلام نفسي أمام أبناء جنسي لأنهم يسخرون من هذه العواطف ولا يخجلون من العار الذي يلحقهم”. هذا المشهد لم يكن مجرد حسرة عابرة، بل كان قنبلة موقوتة في وعيه، زرعت فيه قناعة راسخة: لا نهضة بلا إرادة، ولا إرادة بلا تنظيم، ولا تنظيم بلا تضحية.
أما تتويج هذه الرحلة الوجودية، فجاء في “قسم الزعامة” الذي صاغه لاحقاً، حيث حوّل الألم الشخصي إلى التزام جماعي لا رجعة فيه: “أقسم بشرفي وحقيقتي ومعتقدي، على أني أقف نفسي على أمتي السورية ووطني سورية، عاملاً لحياتهما ورقيهما”. بذلك، لم يعد سعاده مجرد فيلسوف يكتب، بل أصبح مقاتلاً تعاقد مع الأمة على روحه، ممّن يحبون “الأعمال لا الأقوال”، كما كان يردد في مقالاته الأولى.
وهذا بالضبط ما يفسّر لنا “قلة” إنتاجه النظري الظاهري؛ فمعظم عمره أُحرق في سجون الانتداب، وتنظيم الحزب، واغترابه القسري ومواجهة المصير. فلسفته لم تولد في هدوء المكتبات، بل وُلِدَت في نار الغربة، ووجع الانكسار، وقسوة السجون، لتُختتم بإعدامه في 8 يوليو 1949، محوّلاً كل ما كتبه إلى شهادة حيّة، وفلسفة تُعاش لا تُقرأ فقط، فكان أول فيلسوف في العصر الحديث يستشهد من أجل رسالته.
فما هي ملامح هذه الفلسفة التي استحقّت كل هذه التضحية؟
1. الانقلاب الأنطولوجي: “الإنسان المجتمع” لا “الفرد”
في زمن سيطرت فيه الفلسفات الحديثة (كالوجودية) على العقل الأوروبي، جاعلة من الفرد مركز الوجود والوعي، قام سعاده بانقلاب جذري. رفض فكرة أن المجتمع مجرد “مجموع أفراد”، وأسّس لمفهوم “الإنسان المجتمع” أو “الإنسان الكامل”.
وفقاً لسعاده، الفرد هو مجرد “إمكانية إنسانية”، بينما المجتمع هو “الحقيقة الإنسانية الفعلية الكبرى”. الإنسان بطبعه اجتماعي، والمجتمع ليس نتاج “عقد اجتماعي” كما قال روسو أو هوبز، بل هو حقيقة اجتماعية وتاريخية موجودة منذ ظهور الإنسان العاقل. أما “نظام المجتمع” (أي الدستور وأشكال الحكم) فهو وحده الذي يخضع للعقد التنظيمي، وهو ما يفتح الباب أمام رؤيته للديمقراطية التعبيرية التي تعبّر عن مصالح الأمة لا عن قطاعاتها وطبقاتها .
2. نظرية المعرفة: الحقيقة قيمة إنسانية متغيرة
في مفارقة صارخة مع الماركسية التي ترى الحقيقة موضوعية وخارج الإنسان، ومع أفلاطون الذي وضعها في عالم المثل، يقدّم سعاده تعريفاً ثورياً للحقيقة:
“الحقيقة قيمة نفسية إنسانية، شرطاها الوجود والمعرفة”.
وهو يصرّح أن طلب الحقيقة هو “طلب الحقيقة الأساسية الكبرى لحياة أجود في عالم أجمل وقيم أعلى”. أي أن الحقيقة ليست كنزاً مدفوناً نكتشفه، بل قيمة نخلقها بوعينا وفعلنا. وهي متغيرة وليست مطلقة، لأنها تتطور بتطور الوجود الإنساني والمعرفة. هذا المفهوم حرّر الفلسفة من جمود المطلقات، وجعل منها أداة ديناميكية للتغيير.
3. القومية: وعي الأمة لذاتها وغرضها في الحياة(1)
لم تكن القومية عند سعاده مجرد عصبية أو انتماء عرقي، بل عرّفها بدقة فلسفية نادرة:
القومية هي وعي الأمة لذاتها ومصالحها العليا ولقيمها ولغرضها في الحياة.
هذا التعريف يضع القومية كأرقى درجات الوعي الجماعي. فالأمة ليست مجرد مجموعة بشر، بل هي كيان عضوي له شخصية قومية ونفسية جماعية، نتاج تفاعل الجنس والأرض والتاريخ واللغة والمصالح. ومن هنا جاء إيمانه بـ “سوريا الطبيعية”، الممتدة من جبال زاغروس شرقاً إلى البحر المتوسط غرباً، ومن جبال طوروس شمالاً إلى قناة السويس وقوس الصحراء العربية جنوباً، باعتبارها الرحم الجغرافي الذي أنتج الشخصية السورية المميزة عبر آلاف السنين.
4. الصراع المزدوج: البيئة والمجتمعات الأخرى
رفض سعاده الصراع الطبقي الماركسي كقاطرة للتاريخ، واستبدله بنظرية الصراع المزدوج:
· الصراع الأول: مع البيئة، لاستخراج الموارد وزيادتها، وهو صراع منتج يؤدي إلى الرقي التكنولوجي والحضاري.
· الصراع الثاني: مع المجتمعات الأخرى التي تتزاحم على الموارد للبقاء، وهو صراع وجودي تنتهي نتيجته إما بذوبان الأمة أو هيمنتها وخلودها، ويذهب إلى رفض هيمنة أمة على أمة أخرى لأن ذلك يذهب بدولتها من دولة قومية إلى دولة إمبراطورية(2).
ولكي تنجح الأمة في هذا الصراع الخارجي، يجب أن تقضي على صراعاتها الداخلية. لذا، ركّز سعاده على التعاون الاجتماعي والعدالة الاجتماعية، ليس كسلاح صراع، بل كـ”مادة لاصقة” تحقق التماسك الداخلي. ودعا إلى “الحب الداخلي” كشرط أنطولوجي للبقاء، إذ إن المجتمع الذي يتصارع أبناؤه داخلياً عرقياً أو طائفياً أو طبقيّاً هو مجتمع مستنزف لا يستطيع مواجهة عدوه الخارجي.
5. الدين ورجال الدين: فصل مطلق عن الدولة ضرورة وجودية(3)عاش سعاده تمزق سوريا تحت رايات طائفية، فرأى أن التدخل الديني في السياسة هو آفة قاتلة. موقفه لم يكن علمانياً سطحياً، بل رأى أن مهمة رجال الدين هي الوعظ والإرشاد الأخلاقي والروحي فقط، وعليهم “الاهتمام بما لهم وترك ما ليس لهم”. لأن الدين شأن أخروي قائم على التسليم، والسياسة شأن دنيوي قائم على الصراع والمصلحة؛ والخلط بينهما يسيئ إلى الدين وإلى الأمة ويكرس الانقسامات ويخدم المستعمر. لذا، جعل محاربة الطائفية شرطاً لوجود الأمة ذاتها.
6. المدرحية: منهجه الجدلي الموحدلكل هذه الرؤى، ابتكر سعاده منهجه الخاص الذي أسماه “المدرحية” (من مادة + روح) ، ليس بمعنى اضافة الروح الى المادة، بل بمعنى تلازم العوامل الروحية والمادية في الفعل الانساني منذ الانسان العاقل . وهو منهج يتجاوز الثنائية التقليدية بين المادية والروحية. يرى أن الواقع الإنساني هو تفاعل موحّد بين العوامل المادية (الجغرافيا، الاقتصاد) والروحية (النفسية، التاريخ، القيم)، وهما وجهان لعملة واحدة في حركة المجتمع.
الخاتمة:
إن ما يميز أنطون سعاده عن سائر فلاسفة العصر الحديث، أنه لم يكتفِ بتحليل الواقع في برج عاجي. لقد عاش فلسفته حرفياً. ففي مذكراته، نراه يكتب في 30 أكتوبر/تشرين الأول 1929: “ذو الفهم دائماً يعطي والطماع دائماً يأخذ… والنفس الكريمة لا تكف عن العطاء”. وهو بالفعل أعطى كل شيء، حتى آخر قطرة دم، دون أن يأخذ شيئاً.لم تكن معاناته مجرد ظرف طارئ، بل كانت مادة خام صاغت فلسفته. فمن رحم الغربة والنفي والسجون ، ولد إيمانه بأن الحقيقة ليست خارج الإنسان، بل هي قيمة تُخلق بالمعاناة والفعل. ومن مشاهدته لتلكؤ الجالية السورية، ولدت قناعته الراسخة بضرورة الحزب كـ”آلة” لخلق النهضة، كما أشار في مقالاته الأولى.إن مقولته التي دوّنها في ذروة ألمه: “نقضنا بالفعل حكم التاريخ وابتدأنا تاريخنا الصحيح”، لم تكن شعاراً عابراً، بل كانت خلاصة تجربة إنسان قرر أن يكتب تاريخ أمته بدمه، لأنه رأى أن البكاء على الجراح لا يضمدها، بل الفعل هو الدواء. وهكذا، يبقى أنطون سعاده الفيلسوف الوحيد في العصر الحديث الذي جعل من “طلب الحقيقة الأساسية الكبرى” ليس مجرد بحث عقلي، بل معركة وجودية من أجل “حياة أجود في عالم أجمل وقيم أعلى”، دفع ثمنها كاملاً دون أن يتراجع.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *