سعادة عبد الرحيم :
كثيراً ما يُطرح الخطاب عن «العدالة الاجتماعية» كأنه استيراد أوروبي (من الثورة الفرنسية أو الماركسية) أو دعوة دخيلة على مجتمعاتنا. لكنّ الحقيقة التاريخية تقول عكس ذلك تماماً: العدالة الاجتماعية جزء أصيل من الخط النفسي السوري، أي من الكينونة الجمعية التي تشكّلت في سورية الطبيعية (بلاد ما بين النهرين وبلاد الشام) منذ آلاف السنين.
المبدأ الإصلاحي الرابع لأنطون سعاده (1932) الحلقة الأحدث والأكثر نضجاً في سلسلة طويلة من المصلحين الاجتماعيين الذين ظهروا على الأرض السورية. في هذا البحث، نتتبع مسار هذا المطلب الإنساني العام، بطابعه السوري الخاص: من أوروكاجينا – أول مصلح اجتماعي في التاريخ – مروراً بحمورابي واضع أول مدونة قانونية متكاملة، والنقابات الكنعانية/الفينيقية – أول تنظيم نقابي في العالم – وصولاً إلى سعاده الذي صاغ «إنصاف العمل» في إطار قومي متكامل، وأعاد تسمية «عيد العمّال» إلى «عيد العمل» ليشمل كل المنتجين: بالفكر، بالعلم، بالغلال، بالصناعة.
—
أولاً: أوروكاجينا – أول مصلح اجتماعي في التاريخ (لكش، 2400 ق.م)
قبل أكثر من أربعة آلاف سنة، في مدينة لكش السومرية (جنوب العراق اليوم)، ظهر ملك مختلف. اسمه أوروكاجينا (Urukagina). لم يكن كغيره من الملوك الذين يهتمون بالمعابد والجيش فقط، بل لاحظ أن الكهنة وكبار الموظفين يستغلون الفقراء والأرامل واليتامى.
وصف المؤرخون أوروكاجينا بأنه أول مصلح اجتماعي في التاريخ. فقد أصدر مجموعة من الإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية الجذرية التي تضمنت:
· إلغاء الرسوم الظالمة التي كانت تُفرض على المواطنين الفقراء.
· منع الكهنة وكبار الموظفين من الاستيلاء على الأراضي والبساتين والاستئثار بها لأنفسهم.
· حماية الأرملة واليتيم من الجشع، وإعفاء الأيتام والأرامل من الضرائب.
· منع الأغنياء من شراء الفضة من الفقراء بأسعار زهيدة إذا لم يرد الفقير بيعها.
· إطلاق سراح المعتقلين بسبب الديون وإرجاع الحرية للمواطنين.
· تخفيف السخرة على الطبقات الدنيا ومنع استغلال العاملين في المعبد لصالح القصر.
إن كلمة «أماجي» (Amagi) التي ظهرت في إصلاحاته – وتعني حرفياً «العودة إلى الأم» – هي أول مفهوم لكلمة «حرية» في تاريخ البشرية.
لم يسمِّها «عدالة اجتماعية» بالطبع، لكنه أسس النموذج الأولي للخط النفسي السوري: المجتمع القوي لا يُبنى على استغلال الضعيف، بل على حدِّ من جشع القوي. صحيح أن جيش «أوما» دمّر لكش بعده بسنوات، لكن الفكرة لم تمت. دخلت في اللاوعي الجمعي للأمة، وكانت نواة أول تشريع اجتماعي متكامل بعدها.
—
ثانياً: حمورابي – أول مدونة قانونية مكتملة في العالم (بابل، 1750 ق.م)
بعد حوالي 650 سنة من إصلاحات أوروكاجينا، يأتي الملك حمورابي (في بابل) ليأخذ الفكرة خطوة عملاقة إلى الأمام. لم يكتفِ بمراسيم وظيفية، بل دوّن مدونة قانونية كاملة نقشها على مسلة من حجر الديوريت الأسود، تتألف من 282 مادة قانونية، ما زالت محفوظة حتى اليوم في متحف اللوفر بباريس.
تعد شريعة حمورابي أطول وأفضل النصوص القانونية تنظيماً وحفظاً التي وصلتنا من حضارات منطقة الشرق القديم، وهي أول مدونة قانونية مكتملة في التاريخ البشري.
ما يهمنا في مدونة حمورابي هو الروح الاجتماعية التي تحكمها:
· تحديد أجور العمال والصناعيين والفلاحين.
· حماية الفقراء من الدائنين، وإلغاء الديون في حالات معينة.
· قوانين صارمة ضد ظلم الأرامل والأيتام.
· حق المواطن في اللجوء إلى القضاء العادل.
أين الخصوصية السورية هنا؟ الخصوصية لأن حمورابي حكم بلاد ما بين النهرين، وهي جزء لا يتجزأ من سورية الطبيعية. فالحضارة السورية لم تبدأ في الساحل أو الجبال فقط، بل في «الهلال الخصيب» كله. وإصلاحات حمورابي كانت تعبيراً مبكراً عن رفض التراكم الطبقي غير العادل، وهو جوهر المبدأ الرابع الذي وضعه سعاده بعد آلاف السنين.
—
ثالثاً: النقابات الكنعانية/الفينيقية – أول تنظيم نقابي في العالم
ما يميز الحضارة السورية في شقها الغربي (الكنعانيون/الفينيقيون) هو الانتقال من الفرد المنتج إلى التنظيم الجماعي المنتج. فقد برع الحرفيون في المجتمع الفينيقي، واستطاعوا أن ينالوا مكانة مرموقة بين الأرستقراطية الإقطاعية (النبلاء المحاربين)، وقد انتظموا في نقابات.
تطورت هذه النقابات لاحقاً إلى تجمعات مهنية منظمة، تهدف إلى حماية مصالح المنتجين (تجار، بحارة، عمال مخازن) والتفاوض باسمهم. وتعد هذه النقابات الفينيقية من أوائل التنظيمات النقابية في تاريخ العالم، حيث عملت ككيانات مستقلة تملك هيئات صنع القرار الخاصة بها.
هذا يؤكد أن التنظيم النقابي لم يأتِ مع الثورة الصناعية الأوروبية، بل كان موجوداً في جذور الحضارة السورية قبل آلاف السنين. وهو شكل آخر من أشكال «الخط النفسي السوري» الذي يرفض الفردية المطلقة ويؤمن بالعمل الجماعي المنتظم.
—
رابعاً: الاحتلالات الكبرى – قطيعة قسرية في الخط النفسي
لم يبق الخط النفسي السوري مستقيماً دون عوائق. فقد تعاقبت على سورية الطبيعية موجات من الاحتلالات الكبرى التي غيبت هويته وأدخلت أنماطاً جديدة من السيطرة والاستغلال، وأضعفت الوعي الذاتي المنتج للشعب السوري:
1. الدولة الأخمينية (الفارسية)
2. الإسكندر المقدوني وبداية العهد الهلنستي
3. الرومان والبيزنطيون
4. الفتح العربي – أدخل الدين الجديد، لكن الأنظمة الإقطاعية القبلية استمرت في السيطرة على الإنتاج والثروة.
5. الاحتلال التركي الذي اقام نظام الملة ففرق الشعب واقام الاقتطاعيات التي دمرت اقتصاده وقصر التعليم على التعليم الديني فساد الجهل .
6. الاستعمار الغربي الاروبي الذي قسم البلاد الى كيانات سياسية ورسخ الوضع الطائفي وشجع للإرساليات بفتح مدارس درست الادب والتاريخ الغربي دون الاشارة الى الادب والتاريخ السوري مما عظم الغرب باعين الطبقة المتعلمة من السوريين وغيب عنهم عظمة امتهم ودرج على لسان السوريين (كلشي فرنجي برنجي)
كل هذه الاحتلالات المتعاقبة ورّثت السوريين الخمول والتخلف الاقتصادي والاجتماعي، وأضعفت قدرتهم على تنظيم أنفسهم كمنتجين أحرار في مجتمع عادل. لكن الفكرة لم تمت. ظلت كامنة في الوعي الجمعي، وفي الممارسات المحلية في القرى والمدن التجارية التي حافظت على أشكال من التعاون والإنتاج العادل.
—
خامساً: أنطون سعاده – والخط النفسي السوري
مع مطلع القرن العشرين، وتحت وطأة الاحتلال الفرنسي لسورية، وبقاء المجتمع الإقطاعي، وانتشار الفقر والجهل، جاء أنطون سعاده ليجمع كل هذه الخيوط المتناثرة في نظرية سياسية–اقتصادية متكاملة، ضمّنها دستوره القومي الاجتماعي (1932).
أعاد سعاده إلى سورية وعيها بجذورها الحضارية العميقة، وربط الماضي بالمستقبل في رؤية متكاملة. استلهم أوروكاجينا في رفض الاستغلال، وحمورابي في ضرورة القانون العادل، والفينيقيين في تنظيم العمل المنتج. لكنه صاغ ذلك كله في مشروع نهضوي شامل للأمة السورية كلها.
لقد حارب سعاده الإقطاع بأشكاله الأربعة:
· الإقطاع الزراعي – من خلال الدعوة لإلغاء الإقطاع الزراعي بنوال الفلاحين حقهم الطبيعي من الإنتاج بشكل عادل.
· الإقطاع الاجتماعي – من خلال محاربة التمييز الطبقي والطائفي.
· الإقطاع السياسي – من خلال إقامة دولة قومية اجتماعية لا تحكم فيها نخبة مستغلة.
· الإقطاع الروحي – من خلال رفض سيطرة رجال الدين على مقدرات الناس وعقولهم.
لقد استشهد سعاده قبل أن يُنجز، كما استشهد أوروكاجينا قبله. لكن الفكرة لم تمت. نحن اليوم أشد حاجة إليها مما كانت في أي وقت مضى.
—
سادساً: المبدأ الإصلاحي الرابع – جوهر العدالة الاقتصادية
المبدأ الإصلاحي الرابع من مبادئ الحزب السوري القومي الاجتماعي الموجودة في دستور الحزب (الذي وُضِع في 21 نوفمبر 1934) ينص على:
«إلغاء الإقطاع وتنظيم الاقتصاد القومي على أساس الإنتاج وإنصاف العمل وصيانة مصلحة الأمة والدولة»
دعنا نحلل هذه الجملة القصيرة التي هي خلاصة الخط النفسي السوري في مجال العدالة الاقتصادية الاجتماعية:
1. إلغاء الإقطاع – قطع مع الأنظمة الإقطاعية المتخلفة التي بقيت في سورية حتى خمسينيات القرن العشرين. إنتاج الأرض للمشتركين بالإنتاج، وليس فقط لقلة من الملاّك الغائبين.
2. تنظيم الاقتصاد على أساس الإنتاج – لا اقتصاد على أساس الريع، أو الوساطة، أو التخمين المالي. الإنتاج الحقيقي (زراعي، صناعي، فكري) هو محور التنظيم.
3. إنصاف العمل – هذه هي درة المبدأ الرابع. العدالة ليست صدقة، بل توزيع عادل للإنتاج بحيث يحصل العامل (بمعناه الواسع) على نصيب يضمن حياة كريمة له ولعائلته واستمرار إنتاجيته. ليس توزيع فقر، بل توزيع غنى.
4. صيانة مصلحة الأمة والدولة – فوق أي مصلحة فئوية أو طبقية. هذا ما يميز سعاده عن الماركسية: هو لا يلغي الطبقات، لكن يحلها في إطار الوحدة الاجتماعية.
هذا المبدأ ليس مجرد شعار عاطفي، بل شرط لاستقرار المجتمع: الإنتاج من دون عدالة يولّد الانقسام. والعدالة من دون إنتاج تتحول إلى توزيع للفقر. أما النهضة الحقيقية فتقوم على الاثنين معاً.
—
سابعاً: عيد العمل – عيد المنتجين جميعاً
لكي لا يبقى المبدأ الرابع نظرياً، ترجمه سعاده عملياً في خطابه التاريخي في الأول من أيار 1949، حيث قال مخاطباً الجماهير:
“أيها العمال والفلاحون السوريون، يا أصحاب الفنون والحرف، أيها المنتجون علماً وفكراً وغلالاً وصناعة، أنتم أوردة الحياة وشرايين القوة في جسد الأمة السورية الحي!”
لاحظوا: لم يقل: أيها العمال فقط. بل وسّع مفهوم الإنتاج ليشمل الجميع:
· إنتاج الغلال – الفلاح والمزارع.
· إنتاج الصناعة – العامل الصناعي والحرفي.
· إنتاج الفكر – المفكر والباحث والكاتب والمحلل.
· إنتاج العلم – العالم، والمعلّم، والمهندس، والطبيب.
· وأيضاً إنتاج الفن – الموسيقي، والشاعر، والرسام.
كانت هذه الصياغة أول مرة في التاريخ ينادي فيها زعيم سياسي هذه المناداة الشاملة للعدالة الاجتماعية. لم تفعلها الماركسية (التي حصرت العدالة بالطبقة العاملة الصناعية)، ولا الليبرالية (التي تركت السوق يأكل الضعيف)، ولا الإقطاع (الذي كان قائماً على استغلال الفلاح). سعاده هو الأول من قال بالعدالة للمنتجين غلالاً وفكراً.
ولهذا السبب، نجد في أدبيات الحزب القومي الاجتماعي تسمية «عيد العمل» بدلاً من «عيد العمّال». إنه احتفاء بالإنسان المنتج في وحدته، لا بطبقة ضد أخرى.
”أوجدت تعاليم الحزب السوري القومي الطريق الواضحة لقضية العمال. فأنقذت مصالحهم من الضياع في النظرة الأفقية أو السطحية التي تذوب فيها م
توجه ليس لطبقة دون أخرى، بل لكل من يضيف قيمة للحياة – سواء كان ذلك بساعديه، أو بعقله، أو بموهبته، أو بفنه، أو بعلمه.
—
ثامناً: اقتصاد المعرفة والذكاء الاصطناعي – إعادة قراءة سعاده اليوم
ما كان سعاده يتحدث عنه في أربعينيات القرن العشرين، عندما قال «المنتجون علماً وفكراً»، كان يتجاوز عصره بخطوات كبيرة. فهو لم يكن يعيش في عصر الثورة الصناعية الرابعة، لكنه أدرك مبكراً أن المعرفة هي أساس الإنتاج الحديث. اليوم، نعيش في عصر اقتصاد المعرفة والذكاء الاصطناعي، حيث أصبحت البيانات والخوارزميات والملكية الفكرية أهم من النفط والغاز في كثير من الاقتصادات.
لو كان سعاده حياً اليوم، لكان أول من ينادي بـ:
· إدراج التكنولوجيا ضمن “الإنتاج” بوصفها قوة منتجة كبرى، لا مجرد أداة مساعدة.
· مواجهة احتكار التكنولوجيا من قبل شركات عالمية قليلة (مثلما حارب إقطاع الأرض)، لأن الذكاء الاصطناعي اليوم يُخدم أربع أو خمس شركات كبرىامريكية ، لا يخدم الأمة.
· ضمان عدالة رقمية توزع ثمار الأتمتة والذكاء الاصطناعي بشكل عادل، لا أن تحل الآلة مكان الإنسان ثم تُترك الأرباح لقلّة والبطالة للأكثرية.
· ربط التعليم بسوق العمل والإنتاج، لأن اقتصاد المعرفة لا يقوم على شهادات جامعية صورية، بل على مهارات حقيقية قادرة على خلق قيمة مضافة.
هذا هو امتداد المبدأ الرابع في عصرنا: إلغاء إقطاع التكنولوجيا، وتنظيم الاقتصاد الرقمي على أساس الإنتاج المعرفي، وإنصاف عمل المبرمج والباحث والمبدع الرقمي، وصيانة مصلحة الأمة والدولة في عصر العولمة الرقمية.
—
تاسعاً: التجربة الصينية – قرب عملي من روح سعاده
عندما ننظر إلى العالم اليوم، نجد أن التجربة الصينية هي الأقرب روحياً إلى ما كان سعاده يبغيه لسورية، دون أن تعلن الصين ذلك صراحةً. الصين لم تتبع لا الرأسمالية المتوحشة (التي تترك السوق يأكل الضعيف) ولا الاشتراكية الجائعة (التي تقتل المبادرة). جمعت بين:
· السوق والتخطيط في آن واحد.
· الإنتاج الزراعي والصناعي مع الإنتاج المعرفي والتكنولوجي.
· العدالة الاجتماعية مع تحفيز المبادرة الفردية.
· السيادة الوطنية مع الانفتاح الاقتصادي القائم على المصالح المتوازنة.
الصين استطاعت أن تنتصر على الفقر المدقع بالعمل، لا بالمساعدات. بنت قطاراتها السريعة، وأقمارها الاصطناعية، ومصانعها العملاقة، وفي الوقت نفسه رفعت مستويات المعيشة لمئات الملايين من مواطنيها.
ليس المطلوب من السوريين تقليد الصين حرفياً، فلكل مجتمع خصوصياته. لكن المطلوب هو استخلاص جوهر النجاح الصيني: إنتاج حقيقي، عدالة اجتماعية، سيادة وطنية، ومعرفة في صميم التعليم والاقتصاد. هذا الجوهر هو نفسه الذي نقرؤه في المبدأ الإصلاحي الرابع لسعاده.
—
عاشراً: ما يميز سعاده عن غيره من المصلحين القدماء والحديثين
بعد استعراضنا لأوروكاجينا وحمورابي والفينيقيين وسعاده، يمكننا تحديد الخصوصية السورية في المبدأ الرابع للعدالة الاجتماعية:
· أوروكاجينا – الإدراك الأول ضد الاستغلال. → ما يضيفه سعاده: ينظّر ويؤسس الدولة القومية الاجتماعية.
· حمورابي – أول مدونة قانونية متكاملة. → ما يضيفه سعاده: يربط العدالة بالإنتاج والمعرفة.
· النقابات الفينيقية – أول تنظيم جماعي للمنتجين. → ما يضيفه سعاده: يرفع التنظيم إلى المستوى القومي الشامل.
· سعاده – يحتوي كل ما سبق ويضيف الوحدة الاجتماعية والمعرفة. → الميزة الفريدة: المبدأ الوحيد الذي يجمع: إلغاء الإقطاع + تنظيم الإنتاج + إنصاف العمل + صيانة مصلحة الأمة والدولة.
الخصوصية السورية في المبدأ الرابع تكمن في:
1. الجمع بين العدالة والإنتاج (وليس العدالة وتوزيع الفقر).
2. الوحدة الاجتماعية (لا صراع طبقي بل تناغم في إطار الأمة).
3. الشمولية (العمل الفكري واليدوي والفني معاً).
4. النظرة المستقبلية (معرفة + آلة + عدالة + تنظيم = نهضة) – وهذه النظرة تجعل المبدأ الرابع قابلاً للتطبيق حتى في عصر الذكاء الاصطناعي.
5. الأصالة (الجذور السورية العميقة تمتد لأكثر من أربعة آلاف سنة).
—
خاتمة: العيد للمنتجين جميعاً، والوعد للسوريين
كلما جاء الأول من أيار، لا يجب أن نحتفل فقط بالعامل في المصنع والفلاح في الحقل، بل بكل منتج في سورية: المعلّم الذي يبني العقول، والطبيب الذي يحفظ الأرواح، والمهندس الذي يصمم، والفنان الذي يصوغ الوجدان، والباحث الذي يفتح أبواب المعرفة، والكاتب الذي يضيء الفكر، والموسيقي الذي يحيي النفوس.
لقد بدأ أوروكاجينا قوانينه… ثم حمورابي طوّر الفكرة وصاغها كأول مدونة قانونية مكتملة. ثم الفينيقيون نظّموا الإنتاج في أول نقابات مهنية عرفها العالم. ثم جاء أنطون سعاده ليجمع كل هذه الخيوط في المبدأ الرابع ونظريته الكاملة عن «إنصاف العمل»، واستشهد هو الآخر قبل أن تُطبَّق في سورية.
لكن الخط النفسي السوري الذي زرعته هذه الحضارة المتعاقبة لا يعرف الموت. فطالما بقي في هذه الأرض من يزرع القمح رغم الجفاف، ومن يعلّم طفلاً رغم القصف، ومن يخترع دواءً في قبو مظلم، ومن يرسم لوحة أو يكتب قصيدة أو يشغّل آلة، فإن هذه الفكرة ستبقى حية.
مسؤوليتنا اليوم، في كل عيد عمل، هي أن نُذكّر أنفسنا والآخرين بأن العدالة الاجتماعية لم تأتِنا من خارج حدودنا، بل هي درة في تاج هذه الأمة، وأن أبناء سورية قادرون – متى امتلكوا الإرادة والتنظيم – على إنجاز ما بدأه القدماء وما رسمه سعاده. ليس لأنهم أفضل من غيرهم، بل لأن الجغرافيا والتاريخ يفرضان ذلك، ولأن العمل المنتج العادل هو السبيل الوحيد لنهضة لا تعكس استغلالاً ولا توزع فقراً.
