جدلية تحول الوطن الى مقبرة وحديقة حيوانات ….
سمير صادق , جورج بنا :
ماذا حمل الفاتحون البدو معهم عند قدومهم الى بلاد الشام ومصر وغيرها ؟ , هل كان بيدهم كتاب او معهم رجل دين او لغة او علم او ثقافة او فلسفة الخ ؟ , لم يكن بيدهم سوى السيف ومفهوم جئتكم بالذبح ثم مبدأ اسلم تسلم أو ادفع الجزية وأنت صاغر عن يد , او حارب حيث ستقتل ذبحا بالتأكيد , ماذا ننتظر من مستعمر فاتح من هذا النوع الكهفي مقارنة مع الغزوة الفرنسية لمصر التي رافقها العديد من العلماء , الذين فككوا اسرار اللغة الهيروغليفية , ثم جاؤا بالمطبعة والطباعة والآلة الخ , طبعا كل ذلك لم يكن من أجل سواد عيون المصريين انما من أجل منفعة خاصة او بالأحرى من أجل مفهوم حضاري امتزج بالاحتلال , فمصر تقدمت على يد المطبعة واستفادت من الوجود الفرنسي بشكل ما , حتى لو كانت نلك الفائدة جزئية.
ماذا استفاد اهل بلاد الشام من الفتوحات البدوية ؟ , لم تكن هناك أي فائدة !,بل بالعكس كان الضرر الأعظم والاجرام والبدائية , التي تمكنت من التجذر في نفوس الناس , ولاتزال مهيمنة لدرجة كبيرة حتى الآن , بالرغم من تآكلها الكبير عن طريق كشف الستر عنها , من أسوء عواقب الغزو البدوي كان ذلك الجمود والتأخر في كل جوانب الحياة ,الذي استمر في الاستعمار العثماني , لافرق بين الجمود والتأخر الذي سببه العثمانيون وبين الجمود والتأخر الذي سببته البدوية القريشية الاستعمارية الغازية !.
كان تفاعل الشعوب مع التاريخ قبل عصر التواصل الاجتماعي الحر ناقصا ومشوها , فعندما نقيم الآن أي استعمارا نستنكره ونستقبحه ونعرف ان مهمته الاساسية لم تكن مصلحة المستعمرات , يشذ العروبيون والاخونحية عن هذه القاعدة , اذ يعتبرون الاحتلال البدوي فتحا مبينا يجب الاحتفاء والاحتفال به , الى درجة تمجيده وتمجيد رموزه ,كأن تسمى الجوامع والمدارس وغيرهم باسم رموز الغزاة اي باسم الخلافة وباسم قادة عسكرها, على أساس مفاهيم مثل الولاء والبراء , التي تهتم بالأمة الدينية بدون حدود جغرافية , ولا تهتم بالوطن الأرضي بحدود جغرافية معترف بها عالميا , لابل تمت محاربة الوطن الأرضي , لكون الدين الأممي بمثابة ” وطن ” , لم يقتصر الأمر على الغاء الأوطان التي كان عليها أن تقوم حسب المفاهيم الحديثة , انما شمل جوانب اجتماعية أخرى كالغاء الأسرة على يد الذكورية والدين وما جلبه معه من تعدد زوجات ثم القوامة والترويج لنقص العقل والدين عند المرأة وغير ذلك , اهمية الدين أصبحت اعظم بدرجات من أهمية الأم او الأب او الابن او الزوجة , تغير وضع شريعة تأمر بذبح الابن بيد والده عندما يرتد الابن عن الدين ,واقعيا ومنذ زمن طويل لايذبح الابن ولا تقطع يد السارق الخ ,مما يدل على تحول تلك الشريعة الدينية الى مستحاثة متكلسة لامكان لها حتى في المتاحف .
كل ذلك والكثير غيره مثل استباحة الأوطان واتلاف العلاقات الاجتماعية مثل الأمومة ,دل على أن ثقافة ولدت قبل ١٤٤٠ سنة وكانت ثرية عظيمة حسب الترويج العروبي ,تبين في عصر الحفر والنبش والكشف عن المستور انها لم تكن سوى جيفة متفسخة ومتخفية خلف الأكاذيب والأوهام , كانت قبورا وحديقة حيوانات بمساحة الأوطان مليئة بزبالة القيم وأبشع الفضائح والتأخر والجمود , وبالتالي مدعاة للسخرية وليس للفخر.
قامت غزوة مصر وغزوة بلاد الشام على يد همج بسيوف , لم نسمع شيئا عن كتاب كتبوه او فكر ابدعوا به , كانوا اميون بما فيهم ابن عبد الله , لم يضيفوا شيئا على حضارة بلاد الشام او حضارة مصر وغيرها ,لابل هدموا مابناه الأقدمون في مصر وفي بلاد الشام حتى بعض الأهرامات , والأمر انطبق على بقية المناطق المفتوحة , التي تم تملكها من قبل الغزاة كتملكهم لغنائم حرب أخرى كالسبايا والجواري ولكل شيئ توفر كالمال بشكل جزية , كان على الأحياء دفعها وهم صاغرون , لابل كان على الأحياء دفع الجزية عن الأموات في مصر القبطية , كانت استباحة كاملة للبشر والحجر بدون اي معرفة بادارة الدواوين والسجلات الخاصة بالمال والغنائم ,هنا استعانوا في مصر بالأقباط وفي بلاد الشام بالسريان.
لايمكن اعتبار الغزو وتجميع غنائم الحرب “تحضير”أو ” تحرير ” , اذ كانت شعوب المناطق المفتوحة حرة ,ولم تكن متدنية حضاريا,لم يكن المصري أو السوري بحاجة لأن يتعلم من الغزاة شيئا حضاريا, باستثناء نوع التعامل مع السيف ثم السبي والسرقة , التي مثلت بالنسبة للبدوية الهدف الأساسي الرئيسي , بقي المزارع السوري وبقي المزارع المصري وراء محاريثهم , ومع الزمن اندثرت حتى الزراعة , ولم يتم اختراع اي شيئ جديد , حتى أن الغزاة البدو لم يتعلموا شيئا من حضارات الشعوب , التي ابتليت بهم .
بقيت الآثار الرومانية والفرعونية المصرية شامخة تتحدى الزمن , ولم تقتصر همجية الجراد البدوي على عدم التقدم او التعلم من الشعوب المتحضرة , انما حرصت الهمجية على استنشاط التأخر , وبذلك حل المستوى البدوي العسكري النهاب محل مستوى البلدان المفتوحة الحضاري , ولاضعاف هذا المستوى الحضاري لجأ جراد البدو الى الغاء تاريخ شعوب المناطق المفتوحة , لذا هدم صلاح الدين العديد من الأهرامات , ولم تفعل البدوية غير ذلك في بلاد الشام , لم يقتصر التهديم على عصر الفتوحات , انما تجاوز ذلك الى العصر الحالي مثلا على يد داعش بالدرجة الأولى , قبل داعش مارس الاخونج ذلك , وقبل الاخونج مارس العثمانيون هذا الأمر.
لايجوز انساب الحضارة الى غير من ساهم بها,لقد كانت الحضارة الفرعونية من صنع الفراعنة اي المصريين القدامى , وحضارة مابين النهرين من صنع الآراميين والسريان والكلدان وحضارة المايا من صنع شعوب المايا , وماذا صنع البدو وما هي الكتب التي كتبوها او البناء الذي شيدوه والقوانين التي سنوها ثم الأعمال الثقافية التي مارسوها ؟ , لم يكن في الدين فنون او فلسفة او علوم , فالرسم ممنوع والصورة ممنوعة والمسرح ممنوع وحتى اقامة المكتبات كانت ممنوعة , والمطبعة كانت ممنوعة , باستثاء اللحى التي وصلت الى الركاب , ثم الصلاة وممارسة النكاح باشكاله الحيوانية الاغتصابية, ثم القتل لأتفه الأسباب كان مسموحا لابل نوعا من أنواع التعبد كقتل المشركين !.
عندما نتناول او نقيم اي غزو استعماري قديما او حديثا نستنكره وندينه ونستقبحه, لكونه ممثلا لأطماع استغلالية بوسائل بربرية همجية, لكن المستعربون والاخونج لايعتبرون غزوة الجراد البدوي استعمارا بل فتحا مبينا , يشيدون به ولا يتورعون عن اقامة الاحتفالات في ذكراه, لابل تسمى المدارس والشوارع والمساجد بأسماء المجرمين مثل صلاح الدين او ابن الوليد او عقبة بن نافع تخليدا لهم , كل ذلك برهن عن عدم معرفة المستعربون والاخوان بحقيقة غزوة الجراد البدوي , أو انهم عرفوا ذلك , لكنهم ارادوا توظيف التمجيد في تسهيل امكانية تسلطهم وكأنهم امتدادا للجراد البدوي , اي أنهم يريدون ان يكون لهم امتياز النهب والتسلط والسرقة كما كان للجراد البدوي , انهم مصابون بالازدواجية من ناحية , ومن ناحية أخرى لايملكون من وسيلة للعيش سوى النهب والسرقة , ثنائية العمل – الانتاج كانت مفقودة عند البدو وبقيت مفقودة عند المستعربين .
أصلا لايريدون التقديس الا لنفسهم ,ويستخدمون التقديس في عملية تطويع الوعي وتهجينه حسب معاييرهم المصلحية , الذي تحول الى اشكالية كبيرة , خاصة بعد تمدده على المستوى الشخصي, هكذا على سبيل المثال وصل السنوار الى مرتبة عمر, وعمر وصل الى مرتبة ابن عبد الله , الغزو اعتبر مقدسا ! , والتلفيق على الخالق من قبل خلقه أصبح تمكنا , احيط المقدس بجدار التكفير , ومن يكفر يقتل نظريا حتى بدون استتابة, لقد افلس الدين بدليل اهمال شريعته , كثر الكفرة ولم يقتل ايا منهم في هذا العصر باستثناء داعش !!!
Post Views: 8