القومية العربية والقومية الصهيونية بين التشابه والتخاصم !

15-4-26

الربيع العربي ... جني الثمار: (12) مخططات اليهود ومصالح الغرب الصليبي:ثالثا: ملاحظات تؤخذ في الاعتبار:      أمراض شعوب هذه المنطقة كثيرة , وأكثر الأمراض انتشارا كان  التجرثم بالفكر القومي -الطائفي -العشائري, الرئيسي من  الأمراض كان  مرض القوميات , هناك القومية العربية وهناك القومية الصهيونية وغيرهم من القوميات الصغيرة نسبيا , الا أن القومية العربية والقومية الصهيونية كانوا  الأكثر عداء واقتتالا بين بعضهما البعض , وذلك بالرغم من التشابه الكبير بينهما , انهما توأم متشابه ومتصارع بآن واحد , وكلاهما   رضع  ويرضع من الثدي الايديولوجي العرقي .

ماهي معالم الفكر القومي العربي , وما هي معالم الفكر القومي الصهيوني؟
 ولد  الفكر القومي العربي في مطلع القرن العشرين على  يد  اهل  بلاد   الشام بهدف التخلص من الاستعمار العثماني  , وقد وجدت فئة من   اهل  بلاد   الشام  بأن هناك مايجمعهم مثل اللغة والثقافة والحياة المشتركة , الا أن عامل الجمع الأهم كان العامل الاتني العرقي العربي,وحتى الفكر الوحدوي العروبي  في اطار القومية العربية ارتكز على العامل الاثني العرقي , الذي ساهم من جهة أخرى بشكل كبير في اندلاع الأزمات الداخلية, مثلا  في العراق وسوريا مع القومية الكردية ومع جنوب السودان في  السودان ومع اقباط مصر ومع القومية السورية والأمازيغية الخ , تارة بسبب رفض هيمنة القومية العروبية وتارة بسبب رفض هذه القومية العروبية لبقية القوميات واعتبارها لاغية أو غير موجودة .

امتداد العامل العرقي العربي على الشعوب والأوطان انعكس على امتداد العامل الجغرافي الذي تسكنه هذه الشعوب والذي تسمى تقليديا بالوطن العربي , فالوطن العربي هو وطن القومية العربية العرقية والتي تتربع على جغرافيا هي الجغرافبا العربية, التي شملت كل   المناطق   المفتوحة ايام   الخلفاء   حتى  وصلت الى  مناطق   بعيدة  مثل  جزر القمر وموريتانيا   وغيرهم.

تتميز القومية العروبية بميزة الميل الى التعريب الموروثة من سياسة الفتوحات , التي عربت الناس دينا ولغويا بعد احتلال اراضيهم وأوطانهم من  قبل   قبائل   الجزيرة العربية , كما كان حال بلاد الشام وشمال أفريقيا  وغيرهم  من  المناطق  ,  هذا الأمر جعل من الفكر القومي العربي أو  فكر   المستعربين فكرا احتلاليا مفعما بعنف تمتد جذوره الى 1440  سنة ومستمر   حتى الآن , وما حدث في أوائل القرن العشرين لم  يكن  أكثر من اعطاء هذه الاحتلالية أو الفتوحية ,كما أراد   العروبيون تسميتها ,صيغة نظرية وبلورة   بشكل دولة او دولا , عليها أن تكون موحدة بغض النظر عن كونها مؤهلة للوحدة أو غير مؤهلة , اذ أن العامل العرقي كان كافيا  لاحتضان هذه الوحدة واعطائها الدفع الضروري للبقاء والتطور , وذلك بعكس مانعرفه عن بقية الوحدات أو الاتحادات كالاتحاد الأوروبي , الذي أسس على ركائز اقتصادية وسياسية ,بعد أن تم الغاء المفاهيم القومية الاوروبية المتعددة ,

ظهرت   الصهيونية في أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين بشكل قومية , أهملت وتجاهلت مبدئيا الأرض التي عاش عليها العبرانيون في العالم سابقا مثلا  في  فلسطين   ولاحقا   بشكل مواطنين في مختلف الدول والمجتمعات,في  حقبة  لاحقة  استيقظت المفاهيم العرقية -الجغرافية , وأصبح العرق  وارض  الميعاد  هم  ألأساس   , هنا استقالت هوية العبرانيين  عن  هوية البلدان التي عاشوا بها   , وجغرافيتم ابتعدت عن جغرافيا الدول والمجتمعات التي عاشوا بها لاحقا , الى  أن   استقر أمر البديل  الجغرافي  على  فلسطين ,اي  أرض  الميعاد ,  التي  عليها احتضان  الأصل العرقي والاثني المشترك المحدد للهوية الصهيونية  , وللصهاينة  المنحدرون  بدورهم من أجدادهم في فلسطين , باختصار  يمكن  القول  أن عرقية الانتماء كانت  ما جمع   بين أسس الفكر القومي العربي والفكر القومي الصهيوني .

فكرة الوطن القومي المبنية على اسس عرقية كانت   شكلا من    أشكال التشابه بين القومية العربيىة والقومية الصهيونية , فالوطن العربي جغرافيا هو الرقعة من الارض التي يسكنها العرق العربي بعد   الفتوحات ,والتي تمتد من المحيط الى الخليج أي الوطن الأصلي للعرب في الجزيرة مضافا اليه  أرض الشعوب التي عربت  كحال سوريا ومصر والمفرب , فالعرق أصبح  العامل الأساسي في رسم الحدود ,  هذه الطريقة استخدمت من قبل الاخونج , فحدود دولتهم يحددها وجود المؤمنين , ان وجدوا في روسيا فروسيا جزء من دولة الخلافة وهكذا , لايختلف كل ذلك عن الفكر  القومي الصهيوني , حيث أن وجود الصهاينة في منطقة ولو محتلة عن طريق الحرب يعني أن هذه المنطقة قد تحولت الى جزء من دولتهم , يمكن القول بأن اسرائيل تشكل وتكون وتجمع الشعب أولا , ثم تبحث له عن الأرض , ولو ازداد عدد الصهاينة فجأة بحوالي مليونين , لاشتعلت نار حرب يتم من خلالها تأمين المكان المناسب لهم تحت الشمس , الخلل في القوميتين هو تبعية الأرض للعرق, بينما الأصح هو تبعية العرق أو الاعراق للأرض , المهم هو العنصر الجغرافي أولا ومن يسكنه ثانيا .

علاقة الدولة وبالتالي القومية بالدين متشابهة في حال القومية الصهيونية وحال القومية العربية, هنا يحب محاولة فهم ولادة الفكر القومي العربي في أوائل القرن العشرين على يد مجموعات معظمها لبناني , فللقومية العربية طوران , طور البداية وطور البلوغ أو  النهاية , ففي طور البداية كانت المبادرة بمعظمها مسيحية وفي النهاية  أصبحت بمعظمها محمدية  , البداية تأثرت بوضع الأقليات الدينية , فحماسة البعض للفكر القومي العربي كانت مدفوعة  ولو لاشعوريا من الحرص على  سلامة الأقليات  , التي شعرت بالتهديد المحتمل من قبل الأكثرية المحمدية.

أصبح الفكر القومي العربي عنصري نهاية , ولم  تكن عنصريته  دينية أصلا وبداية , لذلك روجت بعض الفئات للقومية ألعربية حماية لهم من العنصرية الدينية , أما في مرحلة البلوغ أو  النهاية وخاصة بعد عام 1928 فقد امتزجت العنصرية القومية العربية مع العنصرية الدينية وتحولت العروبة الى دين والدين الى عروبة , وهكذا انقلب الوضع بالنسبة للأقلية الى تهديد أكبر , لم ينفع في علاجه اعتراف انطون سعادة بأننا كلنا مسلمون , هناك من أسلم بالله عن طريق محمد وهناك من أسلم بالله عن طريق المسيح , اما عفلق فقد أعلن الاستسلام النهائي مؤكدا  ان العروبة دين والدين عروبة ,الهدف من هذه الخطوة كان سحب البساط من تحت أقدام الاخوان السياسي الذي بدأ حديثا عام 1928 على يد البنا وقطب, وهكذا ولد في هذه المرحلة استغلال متبادل وابتزاز للعروبة من قبل الدين وللدين من قبل العروبة,فالدفاع عن العروبة العرقية أصبح  دفاعا عن الدين ,والدفاع عن الدين تحول الى دفاع عن العروبة ,  بذلك انصاع الدين ذو الجوهر الأممي للعروبة ذات الجوهر القومي , وانصاعت العروبة القومية للدين الأممي في تقارب مؤسس على المصلحة المشتركة في تقاسم السلطة , هذا التقارب تأزم عدة مرات, وسبب التأزم كان دائما محاولة جهة تكبير حصتها من السلطة وبالتالي نقض اتفاق التراضي والتقارب والمحاصصة .

الحركة الصهيونية هي حركة احتلالية استيطانية ابتزت الدين كما ابتزته القومية العربية , وذلك لتحقيق تجميع الصهاينة في فلسطين ,لم  تكن  الصهيونية أصلا  حركة دينية كالقومية العربية التي لم تكن أصلا حركة دينية , وحال الصهاينة الأوائل كان بعيدا عن الدين , كحال القوميين العرب الأوائل ببعدهم عن الدين , تفاعل القومية الصهيونية السلبي مع الدين كان شبيها مع تفاعل الفكر القومي العربي مع الدين ,التناقض تحول الى تفاهم , وهكذا ولدت في النهاية الصهيونية الدينية وولدت العروبية الدينية وتأجج العداء بين القوميتين وبين الدينين وذلك بالرغم من التشابه القومي وحتى التشابه الديني .

لقد كانت الايديولوجيات العرقية دائما سببا مهما من أسباب الحروب , ومبررا لانتهاك حقوق الانسان كما فعلت العرقية النازية القومية , لم يجد القوميون العرب والقوميون الصهاينة حلا  لمشكلة فلسطين الا حل الحرب والاقتتال , ربط الهوية بالعرق والدم لايؤدي الا الى هدر المزيد من الدم , والعالم المتحضر تجاوز المفهوم البيولوجي العرقي للهوية , فالهوية أصبحت ترابية مصدرها الأرض الذي يعيش الانسان عليها كان من كان وبغض النظر عن أصله وفصله , التحديد الترابي للهوية هو القادر على تجاوز النزاعات التي تحركها النزعات العرقية , الاستمرار في الاتكال على العروبة القومية العرقية ثم القومية الصهيونية العرقية كان كافيا للاستمرار في الحروب العبثية .

من يريد الانتصار على القومية الصهيونية الدينية , عليه الانتصار أولا على القومية العربية الدينية , ومن يريد الانتصار على القومية العربية الدينية عليه الانتصار  أولا  على  القومية الصهيونية الدينية , اذ لاتختلف العروبية عن الصهيونية من حيث مبادئها وأصولها الفكرية ونزعتها العرقية الدينية!

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *