من التوحيد التاريخي إلى صراع الأقليات ومعضلة الأغلبيةتمهيد
“فإذا النعرة الفينيقية هي These والنعرة العربية هي Antthese او بالعكس ، اي اذا كانت النعرتان الدينيتان تضعان نظريتين متعارضتين فما لا شك فيه ان مبدأ وحدة الامة السورية المؤلفة من سلالتين اساسياين مديترانية وارية”
هنا يشير سعاده إلى الجذر الديني للعروبة، فهي لم تكن قومية بالمعنى العلمي المرتبط بأرض محددة، بل استمراراً للدعوة الإسلامية. هذا الجذر الديني هو ما جعل منها مفهوماً هلامياً غير قابل للتحديد الجغرافي، فخلق فوضى في تعيين الهوية لأمم العالم العربي المتعددة، لأن الانتماء أصبح مرتبطاً بأمة دينية ممتدة بلا حدود، ولا بوطن ملموس وشعب حقيقي
ليس الهدف من هذه الدراسة مجرد تفكيك ظاهرة عابرة، بل الغوص في أعماق أزمة هوية مستحكمة تعصف بالمنطقة العربية منذ عقود. الأزمة التي نعيشها ليست سياسية أو اقتصادية فقط، بل هي أزمة وجودية تتصل بأسئلة المصير والانتماء: من نحن؟ وإلى أين ننتمي؟ وعلى أي أساس نبني دولنا ومجتمعاتنا؟
العروبة كقناع إسلامي
الملاحظة الدقيقة التي تضعنا على بداية الطريق هي تلك التي أشار إليها المفكر أنطون سعاده، حين ميز بين القومية بالمعنى العلمي (مجموعة بشرية تشترك بأرض واحدة ومصالح مشتركة) وبين العروبة السائدة التي هي في جوهرها امتداد للدعوة الإسلامية. فالإسلام وحّد العرب تحت راية الدين، ثم جاءت العروبة في القرن العشرين لتحافظ على نفس العصبية لكن بلغة حداثية.
هذا التصور يفسر لنا ظواهر عدة:
· العروبة غير قابلة للتعريف بحدود جغرافية واضحة، لأنها تقوم على أمة دينية ممتدة.
· العروبة تصبح نقدها مقارباً لنقد الإسلام في وجدان الكثيرين.
· العروبة تتحول سريعاً إلى خطاب ديني مباشر كلما اشتدت الأزمات.
إقصاء الأقليات وكشف الوجه الحقيقي
ما فعلته التيارات التكفيرية (داعش، القاعدة…) هو أنها كشفت الوجه العملي لهذه العصبية. لقد فضحت أن “الأخوة الإسلامية” لا تعني شيئاً أمام تصفية “الآخر” داخل الملة نفسها، سواء كانوا شيعة أو علويين أو حتى سنة معتدلين. والأهم من ذلك، أنها أكدت للأقليات (مسيحيين، إيزيديين، علويين…) أن لا مكان لهم في هذا المشروع، حتى لو تلفظ بعروبة.
ردود أفعال الأقليات كانت متوقعة: إما الانكفاء على الطوائف، أو البحث عن حماية خارجية ( الاحتماء من الرمضاء بالنار) ، أو الاندفاع نحو بناء دول مدنية وطنية. لكن الخيار الأخير ظل محاصراً بثقافة الأغلبية المتمسكة بعصبيتها.
معضلة الأغلبية السنية في بلاد الشام والشيعية في العراق
الأغلبية السنية والشيعية العربية تواجه معضلة حقيقية: لماذا تتمسك بهذه العصبية رغم فشلها الذريع في تحقيق أي تقدم أو استقرار؟
يمكن تفسير هذا التمسك بعدة عوامل:
1. الخواء الأيديولوجي: فقدت البدائل الأخرى (القومية العلمانية، اليسار، الليبرالية) بريقها وجماهيريتها.
2. الخوف من التفتت: التخلي عن العروبة يعني مواجهة حقيقة أن الأمة الإسلامية/العربية هي مجرد دول قطرية، وهذا مخيف لمن تربى على حلم الأمة الواحدة.
3. الارتياح النفسي: العروبة تقدم تفسيراً بسيطاً للأزمات (المؤامرة الخارجية) دون حاجة لمراجعة ذاتية مؤلمة.
4. غياب البديل المقنع: رغم وجود بدائل نظرية، إلا أنها تبقى غير مسوقة إعلامياً ولا تملك مؤسسات نافذة.
فكر سعاده: الحل لابد منه
هنا يبرز فكر أنطون سعاده كحل لا مفر منه للخروج من هذا المأزق. فسعاده لم يقدم مجرد تنظير فلسفي، بل أسس لمشروع نهضوي متكامل يقوم على أسس علمية واضحة:
أولاً: السورية القومية الاجتماعية كمفهوم علمي
سعاده عرّف الأمة السورية : “وحدة الشعب السوري المتولدة من تاريخ طويل يعود الى ما فبل الزمن التاريخي الجلي” وعرف الوطن السوري : ” الوطن السوري هو البيئة الطبيعية التي نشأت فيها الامة السورية . وهي ذات حدود جغرافية تميزها عن سواها تمتد من جبال طوروس في الشمال الغربي وجبال بختياري في الشمال الشرقي الى قناة السويس والبحر الاحمر في الجنوب شاملة شبه جزيرة سيناء وخليج العقبة ، ومن البحر السوري في الغرب شاملة جزيرة قبرص الى قوس الصحراءالعربية وخليج العجم في الشرق .ويعبر عنهابلفظ عام : الهلال السوري الخصيب ونجمته جزيرة قبرص”
والامة السورية مزيج سلالي تفاعل فيما بينه افقيا وتفاعل مع الارض عموديا عبر الزمان مما كون له هوية واحدة تميز شخصيتها القومية. هذا التعريف يضع حداً للهلامية والغموض الذي تتسم به العروبة، ويؤسس لأمة محددة جغرافياً وبشرياً.
ثانياً: فصل الدين عن الدولة
من أخطر ما رفضه سعاده هو خلط الدين بالسياسة تحت أي مسمى.فكر سعاده يقول بفصل الدين عن الدولة بشكل جذري، مع احترام الدين كمادة روحية وأخلاقية للمجتمع. هذا المبدأ هو الضمان الوحيد لحماية الأقليات وبناء مواطنة حقيقية متساوية.
ثالثاً: القومية كعقيدة حضارية
سعاده يقول القومية هي وعي الامة لذاتها وبذلك رفع القومية إلى مستوى العقيدة الحضارية التي تحل محل العصبية الدينية . القومية عنده ليست مجرد انتماء عاطفي، بل مشروع نهضوي شامل يحرر الإنسان من التبعية للماضي ويطلقه نحو بناء المستقبل.
رابعاً: العلمانية الشاملة
سعاده أسس لعلمانية شاملة لا تقتصر على فصل الدين عن الدولة،بل تمتد لتحرير العقل من الخرافة والفكر من الجمود، وإطلاق طاقات الإنسان في الإبداع والبناء.
خامساً: وحدة المصير القومي
بدلاًمن وحدة تقوم على الدين او اللغة وحدها، يقدم فكر سعاده وحدة الاشتراك الفعلي في الحياة في بيئة لها حدود جغرافية تميزها عن غيرها بغض النظر عن العرق والدين واللغة فتكون موحدة الحياة موحدة المصير ، هذه الوحد لا تلغي الخصوصيات بل تدمجها في بوتقة المواطنة الفاعلة.
لماذا فكر سعاده هو الحل؟
لأنه يجيب عن الأسئلة التي عجزت العروبة عن الإجابة عنها:
· يحدد الأمة بحدود جغرافية واضحة، فلا يبقى الانتماء هلامياً.
· يؤسس لمواطنة متساوية بين جميع أبناء الأمة بغض النظر عن دينهم أو مذهبهم وعرقهم ولغتهم .
· يحرر العقل من هيمنة الخطاب الديني على السياسة والمجتمع.
· يقدم مشروعاً نهضوياً متكاملاً بدل الاجترار للماضي واستدعاء أمجاد لا تنتمي إلى الواقع.
· يحمي الأقليات من خلال بناء دولة المؤسسات والقانون، تقوم على عقلية اخلاقية جديدة لا دولة العصبية والمحسوبية.
في الختام
ما تمر به المنطقة العربية من حروب أهلية وتدخلات خارجية وانهيارات دولية هو المخاض العسير لولادة جديدة. لكن هذه الولادة لن تكتمل إلا بمراجعة جذرية للأسس التي قامت عليها المشاريع السياسية السابقة.
فكر سعاده يقدم لنا هذه المراجعة، ويضعنا أمام خيار واضح: إما الاستمرار في عصبية دينية لغوية عرقية أثبتت فشلها التاريخي وأوصلتنا إلى التشرذم والصراع، أو الانخراط في مشروع قومي اجتماعي علماني يضع أسس الدولة العصرية القادرة على احتواء الجميع وبناء مستقبل مشترك.
الأدوات الفكرية موجودة، والتجارب المريرة تدفع باتجاه التغيير، والبديل واضح المعالم. المطلوب فقط إرادة التحرر من أغلال الماضي، والشجاعة لاقتحام طريق النهضة الحقيقية.
أنت محق تماماً، وهذا تصويب مهم ودقيق.
—
الاعتذار عن الخطأ
