قسم سعاده: وثيقة العقد الأخلاقي بين الزعيم والأمّة
قسم الزعامة:
يذكر الرفقاء الأوّل في الحركة القوميّة الاجتماعيّة،مثل هذا اليوم من سنة 1935، وأحدهم الأمين عبد الله قبرصي، أن “جاءوا إليّ مساءً وأنا في المركز الأول للحركة القوميّة الاجتماعيّة، في كوخ قائم خلف بنايته في رأس بيروت، يحملون باقة زهر لمعايدتي، في ذلك المساء، فكان جوابي على معايدتهم، قسمي المثبت في الدستور. هذا القسم الذي لم يكن شرطًا في العقد التجاريّ بيني وبين الاجتماعيّين، لأنّه لم يكن، ولا يوجد بيني وبين الاجتماعيّين عقد تجاريّ كان”.
سعاده
((نحن لا نتذكر آذار بقدر ما نحياه… نحياه ميلاداً لرسالة وتأسيساً لنضال، نحياه ربيعاً قومياً حقيقياً يورق ويبرعم ويزهر على الدوام. من هنا خِصبُه وتجدُّده وثماره. واذا كان الأول من آذار يمثل الميلاد الزمني للزعيم الخالد انطون سعاده، فإن صاحب العيد تجاوز، بالافق القومي، خصوصيته الفردية ليعانق بالحزب النهضوي أمته جمعاء))
سعاده
نص القسم:
“أنا أنطون سعاده أقسم بشرفي وحقيقتِي ومعتقدي على أني أقف نفسي على أمتي السورية ووطني سورية،عاملاً لحياتهما ورقيهما، وعلى أن أكون أميناً للمبادئ التي وضعتها وأصبحت تكون قضية الحزب السوري القومي الاجتماعي، ولغاية الحزب وأهدافه، وأن أتولى زعامة الحزب السوري القومي الاجتماعي وأستعمل سلطة الزعامة وقوتها وصلاحياتها في سبيل فلاح الحزب وتحقيق قضيته، وأن لا أستعمل سلطة الزعامة إلا من أجل القضية القومية الاجتماعية ومصلحة الأمة. على كل هذا أقسم أنا أنطون سعاده”.
في هذا القسم من الإضاءات والأسباب ما يلي:
1. تحديد مرجعية الزعامة: الشرف، الحقيقة، والمعتقد
يبدأ القسم بالتثليث:”شرفي، حقيقتي، معتقدي”. هذا يعني أن الزعيم لا ينطلق من فراغ، ولا يستمد شرعيته من شخصه ، بل من منظومة قيم سابقة عليه. الحقيقة (المبادئ القومية) هي مصدر الزعامة، وليست الزعامة مصدر الحقيقة. بتأديته القسم، جعل سعاده نفسه خاضعاً لما يؤمن به، فكان أول الملتزمين قبل أن يكون قائداً.
2. تحويل الزعامة إلى وظيفة: “أقف نفسي على أمتي”
العبارة الأكثر كثافة:”على أني أقف نفسي على أمتي السورية”. هذا يشبه “الوقف” في مفهومه الأعمق، حيث يهب الإنسان نفسه لخدمة قضية لا يملك منها إلا شرف العمل لها. عندما قرن سعاده هذا القسم بذكرى مولده، فقد حول المناسبة من احتفال بميلاد شخص إلى تجديد لـ”وقف” الذات في خدمة الأمة، فأخرجها من دائرة “ميلاد الشخص” إلى دائرة “تجديد العهد”.
3. المسؤولية المزدوجة: تجاه المبادئ وتجاه الغاية
يقسم سعاده على أمرين متلازمين:أن يكون “أميناً للمبادئ التي وضعتها” (وهي أمانة فكرية)، وأن يعمل “لحياتهما ورقيهما” (وهي أمانة عملية). ثم يحدد الغاية من تولي الزعامة: “في سبيل فلاح الحزب وتحقيق قضيته”. هنا يظهر أن الزعامة ليست غاية بذاتها، بل وسيلة لتحقيق أهداف الحزب، والزعيم مسؤول عن جعل هذه الوسيلة فعالة.
4. تقييد السلطة بالنص: “لا أستعمل سلطة الزعامة إلا من أجل القضية”
هذا هو البند الأهم في القسم،وهو الإضاءة الجوهرية التي يقدمها النص. سعاده لا يطلب من غيره الخضوع فحسب، بل يضع بنفسه القيد على سلطته. هذا المقطع يحوّل القسم إلى رقابة ذاتية، ويجعل الزعيم أول الخاضعين لشروط القضية. إنه تأكيد أن سلطة الزعامة ليست امتيازاً، بل أمانة مقيدة بغاية واضحة: “مصلحة الأمة”. أي انحراف عن هذه الغاية يعتبر انحرافاً عن القسم نفسه.
5. تحويل “القضية” إلى سلطة عليا
بتأديته القسم،يخلع سعاده على “قضية الحزب” صفة الجهة صاحبة الحق. القسم لا يُؤدى للأشخاص (الرفقاء) ولا حتى للأمة بشكل عاطفي بحت، بل يُؤدى لمبادئ أصبحت هي المرجع. هو يعلن أن المبادئ التي خرجت منه أصبحت سلطة عليه، وهو أول الخاضعين لها.
6. قطع الطريق على أي “تأليه” للزعيم
الغرض غير المباشر هنا هو إنسانية الزعيم.عندما يقسم سعاده على عدم استعمال السلطة إلا للقضية، فهو يقول ضمناً: “أنا بشر قد ينحرف، لذلك أنا أقيد نفسي بنص مكتوب”. هذا هو نقيض ثقافة “الزعيم المعصوم” الذي لا يُسأل عما يفعل. القسم يجعل الحزب صاحب الحق في محاسبة الزعيم إن خالف نص القسم، لأنه أصبح تعاقداً مكتوباً وملزماً.
7. القدوة العملية: القيادة بالالتزام
لم يطلب سعاده من أتباعه ما لم يفعله بنفسه.بتقديم “قسم الزعامة”، أظهر أن المسؤولية ليست امتيازاً، بل تضحية والتزام بمبادئ الحركة. كان يُعد قادة لا أتباعاً، والقدوة هنا هي الوسيلة الأسمى للتربية القومية. كما يقول هشام شرابي: “جاء ليعلّمنا كيف نُعيد صنع أنفسنا، كما أعاد صنع نفسه، بوضع المصلحة العامّة فوق كلّ مصلحة”.
الخلاصة
الغرض من القسم هو تأسيس عقد أخلاقي وقانوني بين الزعيم والأمة، بحيث لا تكون الزعامة فوق المساءلة، بل هي جوهر الانضباط للقضية. سعاده لم يؤسس لـ”عبادة الشخص”، بل أسس لـ”سيادة المبدأ”. إنه وثيقة تأطير السلطة لا تجميلها، وبهذا يكون قد وضع نفسه تحت سقف الدستور مثله مثل أي رفيق، مؤكداً أن القضية أكبر من أي شخص، وأن الزعيم أول الملتزمين، وآخر المطالبين.
الأول من آذار الميلاد الزمني للزعيم الخالد انطون سعاده.
(((نحن لا نتذكر آذار بقدر ما نحياه… نحياه ميلاداً لرسالة وتأسيساً لنضال، نحياه ربيعاً قومياً حقيقياً يورق ويبرعم ويزهر على الدوام. من هنا خِصبُه وتجدُّده وثماره. واذا كان الأول من آذار يمثل الميلاد الزمني للزعيم الخالد انطون سعاده، فإن صاحب العيد تجاوز، بالافق القومي، خصوصيته الفردية ليعانق بالحزب النهضوي أمته جمعاء)))
أنطون سعاده
لم يعرف التاريخ رجالاً ينذرون حياتهم بكل تفاصيلها من أجل قضية آمنوا بها كأنطون سعاده. هذا الرجل الذي لم يؤسس فقط فكرة وحركة تتناولان حياة الامة السورية بأسرها وحسب، بل تعدّى ذلك إلى تأسيس نظرة جديدة إلى الحياة والكون والفن، تمثّلت ببناء الانسان الجديد، الانسان المجتمع. ليس غريباً أن يُغتال انطون سعاده، وهو أول من حذّر من الخطر الصهيوني، فهو لم يكن إلا في بدايات شبابه. ليس غريباً على أنطون سعاده أن يكون مشعاّ بالحضور، على الرغم من غيابه، هذا الحضور المتمثِّل بالأجيال الجديدة التي آمن بها. هو أنطون سعاده، ولد في الأول من آذار عام 1904 في الشوير قضاء المتن، محافظة جبل لبنان، والده الدكتور خليل سعاده الذي كان طبيباً وعالماً وأديباً، ومن أبرز القادة الوطنيين في المغترب اللبناني في البرازيل. أسّس جمعيات وأحزاباً مهجرية وطنية وقومية عديدة ، كما شارك والده في نشر صحيفتي (المجلة) و(الجريدة) في سان باولو في البرازيل. أما والدته فهي نايفة داود نصير، من الشوير أيضاً. وكانت أسرة سعاده مؤلفة منه ووالديه بالإضافة إلى أشقائه أرنست، آرثر، وتشارلي، وهم الأكبر سناّ منه ليأتي بعده سليم، إدوار وغريس. وإذ تلقى سنة 1909 المبادئ الأولية للقراءة والكتابة في مدرسة الشوير على يد المعلم حنا رستم، أكمل سعاده دراسته الثانوية في معهد الفرير بالقاهرة عام 1913 وهناك توفيت والدته، أما والده فاضطر إلى المغادرة الى الارجنتين. أما سعاده فعاد مع اخوته الصغار ليعيش في كنف جده حيث أكمل تعليمه في مدرسة الأميركان في الشوير، ثم انتقل عام 1915 إلى مدرسة البلدة الرسمية، ليغادرها إلى مدرسة برمانا عام 1916. لم يكمل أنطون سعاده تعليمه الجامعي، لكنه درس على نفسه حتى أصبح يتقن عدداً من اللغات من بينها الإنكليزية والفرنسية والألمانية والإسبانية، ما أفسح له من خلال اتقانه هذه اللغات الحية أن يكمل على نفسه التعمق في العلم والفكر الإنساني في عدة اختصاصات، شملت التاريخ والفلسفة والعلوم الاجتماعية وعلوم الإنسان والأدب. أسس في 16 تشرين الثاني عام 1932 الحزب السوري القومي الاجتماعي، لتنطلق مسيرة عابقةٌ بالنضال والتضحية والبطولة والكلمة، أبدع خلالها أنطون سعاده في زرع مبادئ الحق والخير والجمال في نفوس المواطنين، ليجدّد مجتمعاً كانت الحروب والمآسي والاحتلالات، قد أتت على بعضٍ من وجوده. تعرض كثيراً للمضايقات والاعتقالات والمؤامرات، كيف لا، وفكره يجمع، ومآرب الرجعية والاستعمار تفرّق، كيف لا وعقيدته توحّد واستعمارهم يمزّق، كيف لا يتآمرون عليه، وهو النور الذي راح يشق عباب ظلمتهم. فاغتالوه فجر الثامن من تموز عام 1949، في لحظةٍ خجلت فيها تلك الليلة من التاريخ، ومن المغتربين والأجانب، لكن التاريخ كان مطمئناً، لأنه آمن أن سعاده سيبقى حيّاً في حزبه وفكره، وفي الأجيال التي أتت وستأتي من بعده.

الاول من آذار