المجتمع الأبوي والمحمدية !
ما بيطار ربا منصور :
هناك طبائع خاصة بالمؤمنين تميزهم بشكل واضح عن غيرهم , وكأنه لهم كروموزومات خاصة بهم , ما يلفت الانتباه هو امكانيتهم الخارقة في ممارسة تجاهل وتكفير كل ماهو خارج اطار الفقه , وكأن تجاهل الفكرة دلالة على عدم وجودها , يتجاهلون كل شيئ ماعدا أمر الريبة والشك بأن كل مايكتب مخصص للهجوم على الدين الحنيف , وبالتالي انتهاك المقدس , فنقد تعدد الزوجات هو انتهاك للمقدس , وانتقاد القوانين السيئة والمجحفة بحق البعض هو اهانة لمشاعر المؤمنين بدون التفكير بمضمون القانون وأسباب نقده , فلطالما للقانون مرجعية دينية محمدية لايجوز نقده احتراما لحوالي مليار ونصف مؤمن على الأقل , بعضهم على ثقة بأن المليار ونصف مؤمن يقفون “صبة” واحدة وراء القانون ومرجعيته , ولا يشكون اطلاقا بأن الناقد قد يكون على حق بنقده .
من أين يأتي هذا اليقين بوجود ذلك التجانس المطلق بين مليار ونصف مؤمن ؟
هناك مسببات عدة لهذا اليقين المطلق , هناك النظم الأبوية البطريركية المسيطرة على جماعات المؤمنين وتفكيرهم , الظن بوجود ذلك التجانس المطلق بين مليار ونصف مؤمن ذو علاقة باليقين بوجود التجانس في الأسرة وفي البيت وتحت اشراف سلطان البيت الذي هو رب البيت , الأسرة دولة والدولة أسرة ورب البيت هو رب البلاد ,فالمجتمع الأبوي ببساطة عبارة عن نقل خواص الأسرة الى المجتمع !.
الخاصة الثانية تتعلق بمحدودية الفكر , للفكر حدود تتحدد بالآية , الفكر يتوقف عند حدود الآية التي لايجوز خرقها وتجاوزها , هذا الأمر هو المسبب للانسداد والتقوقع ضمن حدود لايجوز تخطيها , أي ان الفكر يتواجد عمليا في السجن , والسجن سجن ان كان زنزانة او رحاب مهجع لمئة شخص , لذا نراهم يبررون ويؤولون وينفون ويشجبون ويؤيدون وكل ذلك في حدود الآية بالرغم من اشكال تفسيرها المختلفة جدا , لذلك أيضا العديد من الاسباب منها تطرف الآية في الترغيب المخاتل وتطرف الآية في الترهيب المرعب , بحيث يتحول الانسان الى مسحوق بين مطرقة الترهيب وسندان الترغيب , الى مفعول به بوعود وأحلام لايقوى على رفضها ولا يتجرأ على مقوامتها , مخلوق الشلل حيث لافعل ولا فاعلية .
المفارقة الثالثة تتعلق بالوطن والمواطنة والوطنية , لم يبد التراث الذي تعيش في ظله جماعات هذه المنطقة اهتماما ملموسا بالوطن الأرضي والوطنية الاجتماعية , اذ لاوجود في الأدبيات المحمدية مايستحق الذكر عن الوطن والوطنية , يبدو وكأن المحمديون يرون في اسلامهم وطنا وفي ذاتهم الاسلاموي مواطنين .
يمثل ذلك اشكالية مفصلية في بناء الوطن والمواطنة في هذا العصر , الذي لامكان به لكيانات عتيقة ميتة من هذا النوع الديني , تنكر المحمديون للوطن والوطنية له اسبابا اخرى منها تنكرهم لما هو جديد , ومفهوم الدولة والجمهورية هو مفهوم أوروبي جديد نسبيا بالرغم من بلوغه حوالي 500 سنة من العمر ,ولا يزال لحد اليوم خاضعا الى أحكام التطور والتبلور والتغير , وهل تقبل المحمديون يوما ما فكرة جديدة أو منهجا جديدا؟؟.
نكاد نجزم بأنه لاوجود لمفهوم المواطنة الأرضية في رؤوسهم , أي انهم بهذا الموقف يتوضعون خارج التاريخ , الذي يعرف ومنذ مئات السنين تشكيلا اسمه “الدولة” والوطن والمواطنة , وللتوضع خارج التاريخ تمظهرات وعواقب , اذ هناك من يريد البقاء في التاريخ وصناعته , والأزمة الحياتية حتمية بينهم وبين خوارج التاريخ , حيث لا امكانية للتفاهم بين من يريد الانتحار تاريخيا وبين من يريد البقاء حيا في التاريخ , لذا لابديل لديهم من خيار الاستبداد والاستعباد والاقصاء والاخضاع بالقوة , فمفاهيمهم تتعارض مع مفاهيم الديموقراطية الانتخابية التي تفرز الحكم وتجعل من الحاكم خادما للشعب ومسؤولا أمام الشعب, الحاكم حسب يقينهم خادم لله وموكلا من قبله ومسؤولا أمامه , ولا علاقة للشعب بكل ذلك .
لايقتصر اغتصاب المحمديون لمفهوم الدولة انما يشمل الفكر , والفكر يتميز عن المعرفة بكونه خلاق , أي أن مهمة الفكر الأساسية هي خلق أفق جديدة في الحياة , ومن المألوف أن تتميز هذه الأفق الجديدة عن القديمة , ومن المعروف أيضا بأن المحمديون لايرحبون بالجديد لأنهم يعتبرون القديم صالحا لكل زمان ومكان , هنا لامناص لهم من التكفير , ليس لأن الجديد سيئ وانما فقط لأن الجديد غير القديم,أليست فكرة العلمانية التي اكتسحت العالم جديرة بالبحث والتدقيق , أليس مفهوم الوطن والمواطنة والدولة والديموقراطية جديرة بالتفكير وحتى التطبيق !!! انهم يتجاهلون عامل التطور في الحياة وبالتالي يتجاهلون الحياة بشكل كامل , فالحياة تطور , ومن يتجاهل الحياة تتجاهله الحياة أي يموت ويندثر على الأرض , افقهم في السماء , أفق غير مؤكد وتخيلي وغير مقنع الا للجهل المطلق .
من كل ذلك يمكن الاستنتاج بأن تحتية المحمدية وخلفيتها لاتقوى على التعامل مع شروط الحياة بتفاعل ايجابي , وهذا هو أحد أسباب تأخرهم , انهم يريدون التأخر عمدا وعن قناعة بفساد التقدم , و كلما كبرت الهوة الزمنية بين تصوراتهم القديمة وبين ماتقدمه الحياة من أفق جديدة, ازداد تأزمهم وازدادت غربتهم وازداد تعلقهم العبثي بصيغة المجتمع “الشخصي” والابتعاد عن صيغة الشخص “الاجتماعي “, أي أنهم لايتمكنون من صياغة منظومة المجتمع , وبالتالي ليس بامكانهم صياغة مشروع دولة ورعايته وتطويره كباقي دول العالم , المجتمع هو اساس بناء الدولة وليس الجماعات القبيلة التي تعيش في معظم الحالات حربيا الى جانب بعضها البعض وليس مع بعضها البعض .
لايزالون في مرحلة اعتبار ما يسمى كتاب الله خاتمة الكتب وهو مصدر الحياة ومنظمها ومديرها ومبلورها , لايزالون في طور تبرير الاتكالية والترويج للقدرية والاعتماد على المؤامراتية في تفسير اصابتهم بالمصائب, بعدهم المتزايد عن الواقع حولهم الى انفصاميين , والانفصام عندهم لم يعد مرضا دخيلا مكتسبا وانما تحول الى “حالة” متعضية لاينفع بعلاجها الا البتر .
نظرا لكون الآية تحدد شكل ومضمون فكرهم , والآية المسبوقة الصنع قبل ١٤٥٠ لاتتمكن من ممارسة التداول الفكري حول قضايا لم تكن موجودة في ذلك الزمن , لذا يصاب أي تداول فكري معهم بسرعة بالافلاس, والافلاس يرغمهم على محاولة التخلص من محاورهم عن طريق اغتياله , لذا يتحولون الى الاقصاء وتدمير الآخر أخلاقيا ونفسيا عن طريق الشتم والاستهزاء والانتقاص والتكفير والتشنيع والتهديد والخروج عن الموضوع , أنهم يجنحون بسرعة الى الشخصنة المؤسسة على الشخص الذي يفرضه استلابهم من قبل الدين , الذي يتحول الى سلاحهم الوحيد والى محور حياتهم , والدين بطبيعته أمر شخصي لايتمكن من التفاعل اجتماعيا وبالتالي لايمكنه خلق مجتمع أو رعاية مجتمع ولايمكنه تأسيس دولة أو رعاية دولة وذلك بعكس العلمانية التي هي أصلا منظومة دولة اجتماعية .
Post Views: 123