العدالة الانتقالية تشترك مع العدالة التقليدية في استهدافها كشف الحقيقة وجبر الضرر وتعويض الضحايا وإعادة الحقوق إلى أصحابها ونيل من ارتكبوا جرائم بحق المواطنين جزائهم العادل .
غير أن العدالة الانتقالية تختلف عن العدالة التقليدية كون الأولى تهتم بالفترات الانتقالية بعد الخلاص من حكمٍ استبدادي إلى حالة من الانفراج السياسي أو بعد الخلاص من احتلالٍ أجنبي .. فجميع هذه الفترات تتبعها بعض الإجراءات الإصلاحية الضرورية لمعالجة الانتهاكات الخطيرة وخاصة ذات الأبعاد الجماعية مثل جرائم الإبادة . في وقتٍ قد يتبادر إلى الذهن أن خيار العدالة الانتقالية يتناقض مع طريق العدالة الجنائية وخصوصا بالنسبة للضحايا ومسألة إفلات مرتكبي الجرائم من العقاب .
وقد شهد العالم مايزيد عن ( ٤٠ ) تجربةٍ للعدالة الانتقالية في التشيلي والأرجنتين والسلفادور وراوندا وسيراليون وجنوب أفريقيا وتيمور الشرقية واليونان والبرتغال واسبانيا والدول الشيوعية سابقا .. وبالنسبة للدول العريية كانت المغرب أحد أهم التجارب لأنها أتت بمبادرةٍ من السلطة الحاكمة نفسها وأشركت فيها المعارضة المعروفة ب ( هيئة الإنصاف والمصالحة ) .كما لم تعرف تجارب العدالة الانتقالية اتباع نموذج واحد يحتذى به ، حيث اختلفت كل دولةٍ عن الأخرى في تحقيقها وفقاً لعدة عوامل منها : رواية السلطة الجديدة لما جرى سابقا ، وقوة النظام السابق ، وحجم الانتهاكات ونوعيتها ، والحالة الوطنية الحالية الضاغطة ، والتماسك الداخلي ، واصطفافات القوى السياسية والاجتماعية والدينية والطائفية والمذهبية.. مايعني أن لكل تجربةٍ سياقاتها وظروفها الناجحة أو الفاشلة ولكل مجتمعٍ أوضاعه الخاصة به تبعاً لتطوره التاريخي .
ونظراً لخصوصية كل تجربةٍ : فقد تنوعت الأساليب المعتمدة التي تبنتها الدول لتحقيق العدالة الانتقالية لمواجهة إرث انتهاكات حقوق الإنسان وتحليلها وتطبيقها وتجاوزها عملياً بهدف خلق مستقبلٍ أكثر عدالة وديموقراطية ومن هذه الأساليب .
* لجان تقصي الحقائق باعتبارها آلية غير قضائية تتمتع بنوعٍ من الاستقلال القانوني وهي لجانٍ أو هيئاتٍ مؤقتةٍ تعمل لفترة مؤقتةٍ يتم ترخيصها رسمياً كان منها ( لجنة الحقيقة والمصالحة في جنوب أفريقيا ) التي تم اقتصار مهامها بالكشف عما ارتكبه نظام الفصل العنصري من جرائمٍ وانتهاكات ، والعمل على إنصاف الضحايا ، عندما كانت قضية العفو عن مرتكبي الجرائم الخطيرة من أهم نقاط المفاوضات لتسهيل الانتقال الديموقراطي بين زعيمي البيض والسود ( دي كليرك وونيلسون منديلا ) ، وتم جبر ضرر عدد كبير من الضحايا والاكتفاء بمعرفة الحقيقة والاعتراف الجماعي بمعاناتهم .
* والأسلوب الثاني هو المحاكمات لمعالجة حالاتٍ معينةٍ من انتهاكاتٍ لحقوق الانسان في إطار مسؤولية الدولة ، والجرائم في إطار المسؤولية الجنائية الفردية ، وقد كانت المحاكمات محدودة جداً في كلٍ من ألمانيا وجنوب أفريقيا نظراً لاتباعهما نهج خيار القطيعة مع انتهاكات الماضي لتسهيل الانتقال السياسي .
* أما الأسلوب الثالث فكان آلية جبر الضرر ، حيث يحظى برنامج جبر الضرر بمكانة متميزة في أي انتقالٍ ديموقراطيٍ وتكون التعويضات هي الشكل الملموس لجهود الدولة في جبر الأضرار التي تعرضت لها الضحايا ، كما ينطوي جبر الضرر أيضاً في الكشف عن الحقيقة وإعلانها بعد معرفة مصير الضحايا واحساسهم بالانتهاء من شئٍ ما بعد معرفة مصيرهم والشعور بالرضا إزاء الاعتراف الرسمي للدولة بذلك المصير .
* والأسلوب الرابع الذي استخدم في تحقيق العدالة الانتقالية المناظرات أو جلسات الحوار خاصة في ألمانيا التي قامت بتفعيل هذا الأسلوب كونه يسلط الضوء على جوانبٍ كثيرةٍ من التاريخ المخزي للاستبداد الحاكم في ألمانيا الشرقية قبل عام ١٩٨٩ ، وكان الهدف من استخدام هذا الأسلوب هو تمكين الأجيال القادمة من معرفة وقائع ومعطيات فظيعة والتمكن من إعادة قراءة ملامح الصراع السياسي في تأسيس أفق سياسي جديد .
* وكان الأسلوب الخامس هو الإصلاح المؤسسي القانوني والقضائي والأمني والإداري والسياسي حيث حظي باهتمام كبير في كل من ألمانيا وجنوب أفريقيا واسبانيا والمغرب ، والعمل على إعادة هيكلة المؤسسات المذكورة على أساس احترام حقوق الإنسان مع اختلاف أولويات الإصلاح من دولةٍ إلى أخرى .
نختم بالقول :
* أثبتت تجارب الدول التي مرت بمراحل الانتقال السياسي أن العدالة الانتقالية لايمكن لها أن تعمل وتحقق أهدافها دون الأخذ بأساليب متنوعة وبشكل منظومي .
* ضرورة اطلاع السوريين على تجارب العدالة الانتقالية الناجحة في العالم والإفادة منها عبر استخلاص دروسها دون استنساخها لانجاحها في سورية بعد الخلاص من الاستبداد .
* وفي سورية قد يحصل تعارض بين قيم ومبادىء حقوق الانسان وانتظارات حقوق الضحايا من جانب والحالة الوطنية الضاغطة وإكراهات السياسة وتعقيداتها من جانب آخر .
* قد ترى أي سلطة حاكمة جديدة ضرورة التريث في تقديم جميع مرتكبي الجرائم بأعدادهم الكبيرة إلى القضاء دفعة واحدة حتى لا ينتج عن ذلك فوضى عارمة أو إرهاصات حرب أهلية .
Post Views: 73