حقوق الانسان بين الديني والبشري …..
سمير صادق , روبا منصور :
وجدت حركات عالمية أنه من الضروري أن يكون للبشرية نوعا من المرجعية يمكن العودة اليها في بعض الحالات الخصامية بين البشر , اذ هناك العديد من التباينات بين الدول والشعوب , التي قادت في العديد من الحالات الى اضطرابات وحروب وخراب وموت , لذلك كان الاعلان العالمي لحقوق الانسان ١٩٤٨ , الذي تأسس جوهريا على ادراك وجود الاختلافات بين البشر , وقد تقود هذه الاختلافات بين طبيعة بشر وبين طبيعة بشر اخرى الى التأزم والى انتاج مشكلة, لذلك وجدت مرجعية للاحتكام والعودة اليها في هذه الحالات, أي أن الجوهر هنا كان تنظيمي , أي تنظيم ادارة التعددية بين البشر .
هناك اعلان آخر لحقوق الانسان هو الاعلان الاسلاموي لحقوق الانسان , الذي يختلف عن الاعلام العالمي من حيث الجوهر, فاذا كان جوهر الاعلان العالمي الاعتراف بوجود الاختلاف وضرورة الحفاظ على التعددية بين البشر , فان جوهر الاعلان الديني آخر , انه جوهر تحقيري شرحه العديد من الفقهاء ومنهم اكثرهم تنويرا وادراكا وفهما وهو الغنوشي , الذي اعتبر الانسان كائن ناقص بالطبع ويتواجد في حالة مستمرة من التأرجح بين الخير والشر , وبذلك يعتبر عاجزا وقاصرا عن انتاج اي شيئ مفيد , مثل المقدرة على التحكم في نفسه وادارتها , وينتظر من هذا المخلوق الكثير من العدوانية الجهادية , أي ان صداماته حتمية وابدية , هذا الانسان الناقص العدائي لايعرف التصالح مع نفسه ومع الغير , لأن الدين المعني بالأمر لايجد اي امكانية للتصالح مع الغير سوى في الغلبة , لكونها تعتمد على نصرة القاهر الأكبر السماوي , باختصار يعتبر الانسان من منطلق ديني مذنبا بطبيعته ويتواجد بشكل مستمر في حالة من الوضاعة المستمرة , هنا نعجب من قول الخالق بأنه خلق الانسان الديني على أفضل صورة, واعتبره من خيرة البشر اي خير أمة , ثم استخلفه على الأرض, وهل من المعقول ان يستخلف القادر على كل شيئ مخلوقات من هذا النوع الناقص على الأرض , لقد قدم الخالق في هذا الخصوص مفارقات غريبة عجيبة , لذا لايمكننا اعتبار هذه المفارقات الهية المصدر , أي أنها من صنع انسان جاهل .
باختصار تمركز الاختلاف بين الاعلان العالمي لحقوق الانسان من عام ١٩٤٨ وبين الاعلان المحمدي في الجوهر , العالمي اعتبر الانسان خيرا في طبيعته بينما اعتبره الاعلان المحمدي شريرا في طبيعته , اي ان الفرق يكمن في النظرة لطبيعة الانسان , هناك نظرة تنظيمية وهناك نظرة احتقارية دينية , لم يكن للاختلاف في الجوهر تأثيرات كبيرة على الوضع في العالم , لأن الاعلان العالمي كان عالميا بينما الاعلان الاسلاموي كان محليا وغير معترف به من قبل القضاء الدولي والهيآت الدولية الأخرى , والكيانات المسماة دولا والتي اعترفت بالديني اعترفت قبل ذلك بالعالمي , اي أن الاعتراف بالديني كان اعترافا شكليا , ثم أن الكيانات التي اعترفت بالديني لم تكن من الدول المهمة المؤثرة في العالم , لقد كانت في الغالب كيانات ديكتاتورية مارقة فسادة , لم تحقق شروط الدولة التي تحدث عنها في محاضرة مشهورة وزير الخارجية البريطانية السابق “سترو” قبل عدة سنين , والتي تبنتها الأمم المتحدة وأضافت عليها شرطين آخرين .
تختلف مواد الاعلان الديني عن العالمي بشدة , فالمادة الثانية من هذا الاعلان تقول ان الانسان ولد حرا ولا عبودية سوى لله, او من ينوب عن الله على الأرض , ونواب الله على الأرض هم من البشر , اي ان العبد والمستعبد بشريون , لا تجوز هنا مقولة كون الله هو المستعبد , والأمر ليس بذلك الوضوح , اذ أن موضوع ولادة الانسان حرا او مكبلا بالأغلال كانت موضوع نقاشات طويلة منذ أفلاطون وسقراط , باختصار نرى أن الانسان يولد كصفحة بيضاء وبعد ولادته قد يصبح حرا او يصبح عبدا .
يعود التناقض في المادة الثانية من الاعلان الديني الى اعتبار الانسان يولد حرا ولكنه عبدا ايضا , ولا فرق هنا بين العبودية للغيب او العبودية لأي مستعبد آخر , العبودية لله ليست سوى تلفيقة , فالعبودية حقيقة ليست لله انما لرجال الله من الفقهاء , أما المادة الخامسة فترفض كل شيئ خارج الشريعة اي طغيان الشريعة واختفاء الانسان فلا حرية للرأي ولا معارضة , حرية الرأي هي حرية رأي” الشريعة ” بمصادرها الأساسية المعتمدة , وهي المرجع الوحيد لتفسير وتوضيح أي مادة من موادّ هذه الوثيقة, ويرجع عند الاختلاف إلى أهل العلم من الفقهاء .
يرى الغنوشي ,كما يمكن أن يستشف من أي وهابي , أن الاعلان العالمي لحقوق الانسان يحمل في طياته “ملامج” علمانية , او ملامح الدين البشري القائم على أولوية الانسان في الوجود وعلى قيامه بنفسه بصنع اي تشريع يلائمه, في حين يحرص التصور الديني على ربط كل القيم بشرع الله , الذي يعتبرونه الخالق والمالك لمخلوقاته , هنا يصطدم الاعلان المحمدي مع الانسان الذي يعتبر ذيلا , فالانسان حقيقة هو المالك لجسده وعقله , ولا حاجة له بأي تشريع من خارج عقله وارادته ,والعمل بتشريعات الفقهاء المنقولة عن الأنبياء والملائكة لم تكن له سوى نتائج كارثية , لااعتراف بقانون او تشريع ليس من صنع العقل البشري , والانسان الديني هو مخلوق تائه وبحاجة الى المساعدة لاعادته الى طريق الحياة المؤنسنة.
يحمل الاعلان العالمي في طياته «ملامح ” علمانية , أو ملامح الدين البشري القائم على أولوية الإنسان في الوجود وكونه بنفسه مصدرا لكل حق وتشريع ,في حين يؤكد التصور الاسلاموي ارتباط كل القيم واستنادها إلى المصدر الذي تستمدّ منه الموجودات وجودها والغاية منها ومنهج سيرها, ألا وهو الله , فهو وحده الخالق والمالك لمخلوقاته والمحدد لمناهج سيرها على هدى الشريعة,هنا سأل ابن رشد عن جدوى الادعاء بأن الخالق خلق عقل الانسان ليمكنه من التطور نحو الأفضل , ولكن الخالق الزم مخلوقاته بالشريعة وقانون الله , التي حدد الفقه صيغتها النهائية, استنادا للاطار الذي اقره ابن عبد الله لحياة الإنسان فردا وجماعات ,لاوجود في هذا الاطار لمناطق فارغة يستطيع العقل البشري ملأها باستثناء مايسمح الفقه به , أي مايسمح رجال الفقه به ,وكما نعلم جميعا ليس الفقه سوى متاهة او دويخة !.
Post Views: 112