سمير صادق , جورج بنا :
نرى بنظرة تأملية على نظم الحكم في هذه المنطقة , مثل النظام السوداني قبل الأخير او العراقي او الليبي القذافي أو السوري او غيرهم , انها أتت على ظهر الدبابات , وأسست نماذج حكم شمولية فرضت تأليه الشخص , ثم الغىت الأحزاب السياسية , أنظمة استعدت العالم من شماله الى جنوبه ومن شرقه الى غربه وتفجرت في وجهها ووجه زعمائها الأزمات والكوارث والانقسامات والمطاردة من قبل محكمة الجنايات الدولية والبوليسس الدولي , وبالرغم من ذلك عمرت تلك النظم الشخصية عدة عقود ,حتى أن نظام أكبر الرؤوس فراغا كالقذافي عمر أكثر نصف قرن !!.
لقد كان لدى الأنظمة قدرا كبيرا من امكانية المناورة خارجيا وداخليا , وفي هذا السياق كانت هناك بعض التنازلات الهامشية , التنازل الوحيد الذي لم يكن ممكنا كان مغادرة الحكم والتفريط بالسلطة , لقد كان هناك استعدادا لبيع الوطن أو تدميره أو الفتك بالشعب وارتكاب المجازر ,٨٠ ٪ من اسلحة الجيش السوري وأكثر من ذلك لدى الجيش العراقي وغيرهم كانت مخصصة للاستعمال داخليا للقمع , نتعرف في هذا الوقت اضافة الى ذلك على ظاهرة تجنيد السلطة السورية المؤقتة الحالية لعشرات الآلاف للمرتزقة من شيشان وأفغان وايغور وغيرهم في ارتكاب المجازر المروعة بحق السوريات والسوريين , ماهي ضرورة المرتزقة الأجنبية عندما تدعي الجولانية أن ٩٥٪ من السوريين يؤيدها !!!!!!.
يؤكد التاريخ أن هذه الدول لاتتغير من الداخل , أي من خلال الثورات والانتفاضات الشعبية , لأن من عاش ١٤٤٠ سنة تحت حكم الخلافة أو السلطنة فقد الوعي الوطني , الاستعمار ان كان بدوي حجازي او عثماني لايستطيع تعليم شعوب مستعمراته ثقافة الوطنية ناهيكم عن ثقافة الثورة , لأنه وطنيا وثوريا أمي , ثم أنه لا وجود في قاموس هذه الأنظمة لما يسمى تنازل طوعي عن السلطة تحت أي ظرف او حالة كانت , وذلك تيمنا بالحفاظ على التراث والممارسات التي سادت طوال ١٤ قرنا , التغير حدث من خلال انقلاب عسكري أو حرب أو تدخل خارجي مسلح , كما كان الحال مع العراق وليبيا.
بالرغم من تغير العالم علما وانتاجا وصناعة وسياسية وأخلاقا , ظلت نظم المنطقة الشرق أوسطية مستعصية على التغيير بطرق شعبية أو ديموقراطية , تحولت مهزلة ” اعراس ” الديموقراطية حسب تعبير مذيع في اذاعة دمشق مثل نيل الأسد وعبد الناصر ١٠٠٪ من الاصوات في الانتخاب أو الاستفتاء الى تأبين وجنازة للحقيقة والنظافة والشفافية والاستقامة والى مآتم وتهريجيات في نفس الوقت , ماهي أسباب استعصاء هذه الأنظمة الشمولية على آليات التغيير الداخلية كالتظاهر أو التمرد أو العصيان المدني ؟.
أحد أهم تلك الأسباب كانت ثقافة الطاعة , طاعة السلطان أو الوالي ضرورة دينية , وقد جاء في توصيف هذه الحالة على لسان عبد الرحمن الكواكبي قوله ” العوام هم قوة المستبد وقوته , عليهم يصول ويجول , يأسرهم فيتهللون لشوكته , ويغصب أموالهم فيحمدونه على ابقاء الحياة , ويهينهم فيثنون على رفعته , ويغري بعضهم على البعض فيفتخرون بسياسته , واذا أسرف في أموالهم يقولون كريما , واذا قتل منهم ولم يمثل بهم يقولون رحيما ,يسوقهم الى خطر الموت فيطيعونه , وان نقم عليهم بعض الأباة قاتلوهم كأنهم بغاة”
ولد الاستبداد من رحم “الانصياع” الذي يعتمد على الطاعة وليس على القناعة , الطاعة عمياء بطبيعتها , تلغي عقل المطيع وتحذف ارادته التي تحتلها عندئذ ارادة الاستبداد , وبالتالي يتم اختذال العقل , الذي لامهمة له في ظل الاستبداد , اختزال العقل يعود بالمخلوق البشري الى حالة الحيوانية , التي تتمثل بممارسته لغرائزه والحفاظ على وجوده الفيزيائي , الذي تضمنه قناة الهضم أي مخلوق المعلف الطفيلي , فالمخلوق البدائي يتحول الى مايشبه القناة , حيث يدخل العلف من جهة وتخرج الفضلات من جهة أخرى , من يسير في هذا الطريق طوعا أو قسرا سيصل الى العدم والاندثار , انها حتمية لامناص منها !.
تشييئ الانسان كان من أهم أسباب تكريس الاستبداد والطغيان , التشييئ يسهل للطغاة البطش والفتك بالقطيع , لاقيمة تذكر للانسان , انه بقيمة الشيئ التافه الرخيص, خسارة الانسان تحت التعذيب مثلا هي خسارة للأشياء , هكذا تحولت قيمة الانسان الى أقل من قيمة الرصاصة التي تخترق رأسه.
من أهم ميزات الطغاة في هذه المنطقة , ميزة التوحش والحيونة مع انعدام أي سقف أخلاقي , الفتك بالبشر ضرورة أمنية , استسهال رجم المعارض او المتمرد كاستسهال رجم الزانية , لذلك يتردد البعض في تعريض حياتهم للخطر من أجل وطن ليس بالوطن , من أجل سجن كبير ,من أجل حديقة حيوانات بحجم الوطن , الانسان السوري متهم ولاديا, أي فورا بعد ولادته, وعليه في ماتبقى من حياته عبادة اله الأرض والتملق له الى جانب التفاخر بممارسة الانصياع والطاعة برسم الوطنية الكاذبة , الانسان السوري يولد ويموت في نفس اللحظة ,لذلك لايعرف التاريخ الخلافي العربي أو العثماني ثورة شعبية واحدة , أما بين ١٩٢٠ و١٩٣٠ فقد كانت هناك في سوريا عدة ثورات على الانتداب الفرنسي حتى قبل التعرف على خصائص هذا الانتداب,الآن ثبت ان فترة الانتداب الفرنسي كانت بالمقارنة مع الحكم الوطني بعد عام ١٩٤٦ أفضل منه بدرجات , من الصعب ممارسة العصيان على جمال باشا السفاح لأنه مؤمن وظل الله على الأرض ,الأمر بالنسبة لديغول فرنسا مختلف حسب مبدأ الولاء والبراء !.
هناك خللا كبيرا في ادراك العموم لمفهوم الدولة والسلطة , فالدولة وجدت لتبقى , أما السلطة فوجدت لتزول , وبؤس الشعوب تمثل في العكس من ذلك , السلطة وجدت لتبقى , بينما لامانع من زوال الدولة , وحتى لو بقيت السلطة بدون دولة , وجدت السلطة لخدمة الدولة , بينما يعتبر بؤس الأعراب الدولة خادمة للسلطة ,الدين وجد لخدمة الانسان , بينما عموم هذه الشعوب يعتبر الانسان خادما للدين , وهل يحتاج القادر على كل شيئ الى خدمة ؟ ,السلطة تابعة للدولة , بينما يعتبر العموم الدولة تابعة للسلطة ,انها دولة السلطة وليست سلطة الدولة , بشكل عام يعاني المفهوم الشعبي للدولة والسلطة من الالتباس , لايسمح اقتلاع السلطة عندما تعتبر السلطة نفسها هي الدولة , والسلطة ترى بأنها الدولة , عندها تعتبر محاولة اجتثاثها هي محاولة لاجتثاث الدولة , هناك تماهي بين الدولة والسلطة وعدم ادراك الفروق بينهما .
هناك حقيقة العديد من العوامل الأخرى , التي ساهمت في استعصاء الأنظمة على آليات التغيير الداخلي, فالتراث بمجمله ديني وعمره ١٤٤٠ سنة ,لم تكن هناك طوال هذه السنين سوى هيمنة السلطة المطلقة , واقعيا لم تكن هناك دولة حتى بعد ظهور مفهوم الدولة قبل حوالي ٦٠٠ سنة , الحال لم يتغير لحد الآن , أي لازالت الشعوب في كنف سلطة بدون دولة .
Post Views: 184